خلف الناصر
(Khalaf Anasser)
الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 12:02
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
ورغم أن بني أمية قد رفع الصحابة إلى هذه المنزلة العالية والمقام الرفيع، لكنهم لم يتوانوا أبداً عن قتل أو نفي أو سجن أي صحابي كان يعارضهم أو ينتقدهم أو يحتمل أن يشكل عليهم خطراً في مستقبل الأيام، وكما فعلوه مع الصحابيين "عمار أبن ياسر" الذي قتلوه شر قتلة، والصحابي "أبا ذر الغفاري" ـ كما مر بنا ج6 ـ والذي نفاه الأمويون إلى "صحراء الربذة" ومات فيها وحيداً ليس له من يدفنه، لولا لطف الله به!
وكذلك ما جرى للصحابة الذين كانوا يعرفون بـاسم "العبادلة" وهم:
عبد الله بن عمر بن الخطاب
عبد الله بن عباس
عبد الله بن الزبير بن العوام
عبد الله بن عمرو بن العاص وآخرين كثيرين غيرهم، من الذين تم نفيهم إلى أماكن نائية أو أنهم ابتعدوا هم بأنفسهم إلى أماكن بعيدة عن مراكز الدولة ومراكز ولاياتها، نأياً بأنفسهم من بطش بني أمية أو تجنباً للفتن والثورات الكثيرة التي كانت تحدث ضدهم أنذك!
لكن أكبر الفواجع التي تعرض لها صحابة رسول الله على يد الأمويين، كانت "واقعة الحرة" التي حدثت عام 63 للهجرة في المدينة المنورة:
و ((واقعة الحرة كانت معركة دارت في المدينة المنورة بين أهل المدينة الذين نقضوا بيعة يزيد بن معاوية، وجيش يزيد بقيادة مسلم بن عقبة المري، وانتهت بمقتل عدد كبير من الصحابة وأبناء الصحابة والتابعين.. وهناك تقديرات متباينة في عدد الذين اقتلوا من الصحابة في واقعة الحرة، ذكر بعضهم مقتل سبعمائة من حملة القرآن وسبعمائة من وجوه الناس، وعشرات الآلاف من أهل المينة إجمالاً.))
****
وبعيداً عن ذلك الخلاف وتلك الاختلافات والأحداث والأحاديث والوقائع في مسألة الصحابة بين السنة والشيعة، فإن الله والطبيعة والعلم والعقل ومنطق الأشياء كلها تقول:
أن الانسان ـ أي إنسان ـ يخطئ ويصيب ويطمع ويضعف ويتمنى ويرغب ويشتهي ويريد ووو...الخ!
وبنص حديث رسول الله: إن "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" طبعاً بما فيهم صحابته، وبنص القرآن: "إن النفس أمارة بالسوء" بما فيها نفوس الصحابة والانبياء وكل عباد الله الآخرين!
فمن أين جاءت عصمة صحابة رسول الله هذه ـ وإن لم تسمى عصمة صراحة ـ لكنها واقعياً أصبحت بهذا المعنى ـ لكن بتسمية أخرى هي أنهم "جميعهم عدوا" بدلاً من القول بــ "العصمة صراحة!
فهل أن صحبة رسول الله لوحدها، كافية لعصمة جميع صحابته من الخطأ والزلل والرغبات وجعلتهم "جميعهم عدول" ـ وهم بالآلاف ـ وأن جميعهم سيذهبون إلى الجنة، وبعضهم مبشر بها مسبقاً؟!
****
ففي كثير من المصادر تجد أن الرسول محمد نفسه قد ذم بعض الصحابة ولام بعضهم، وكذلك القرآن الكريم في بعض آياته تجد ذماً وتقريعاً للبعض من الصحابة:
((لا تصلي على أحد منهم.... وعلى الثلاثة الذين خلفوا.... ولا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة لن يغفر الله لهم.....الخ)) لكن أكثر آيات القرآن وضوحاً في هذا الشأن كانت آخر سورة الجمعة التي تقول:
((وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً)) سورة الجمعة: آية 11.. فمن هم الصحابة الذين تركوا نبيهم قائماً يصلي لوحده منفرداً، بينما انصرفوا هم إلى اللهو والتجارة؟
بالتأكيد أنهم كانوا خاصة النبي وكبار صحابته، فليس من المعقول أن يقف إلى جوار النبي عند الصلاة بسطاء الناس وفقرائهم أو بعض صغار صحابته.. إنما هم كبار القوم وكبار صحابته وأكثرهم شأناً وتأثيراً في وقائع الإسلام وتاريخه الممتد إلى اليوم!!
****
وقد غالى البعض بصحابة رسول الله غلواً كبيراً، كما غالى الشيعة أعلى درجات الغلو في أئمتهم واعطاهم بعضهم صفات وقدرات (فوق بشرية).كذلك فعل بعض السنة!
شاهدوا الفديو التالي للشيخ المعاصر (محمد حسان) يقول فيه ما معناه: أن الله يسمع للصحابي عمر ابن الخطاب ويجعل من بعض كلماته آيات قرآنية!
https://www.youtube.com/shorts/-QIQhQqUITg?feature=share
****
ثروات بعض الصحابة:
وقد مر معنا ـ في ج6 ـ أن أبا ذر قد وضع السلطة الأموية أمام مأزق ديني وأخلاقي وقانوني؛ حيث اعتبر أن حياة البذخ للولاة تناقض روح الزهد الإسلامي، وتخلق هوة طبقية واسعة بين الرعية من جهة ومع الحكام من جهة أخرى!
وقد أثارت أفكار أبي ذر الرأي العام، ووجدت صدىً واسعًا بين فقراء الشام وعامة المسلمين، مما شكل ضغطًا سياسيًا واجتماعيًا ودينياً كبيرًا على السلطة الحاكمة في الشام والمدينة المنورة!
وقد ضاق معاوية ذرعًا بأبي ذر ودعوته ونقده الشديد له، فشكاه إلى الخليفة عثمان بن عفان قائلاً: أن أبا ذر قد "أفسد الشام علينا" فاستدعى الخليفة أبا ذر إلى المدينة، ومن ثم نفاه إلى "صحراء الربذة" كما قال البعض، وقال بعض آخر أن أبا ذر هو اختار بنفسه الابتعاد إلى الربذة!
وسافر أبو ذر إلى الربذة ولم يصطحب معه سوى زوجته وغلامه وحدهما، وعند وصولهم إلى الربذة أوصاهم أبو ذر بوصية قائلاً لهم فيها:
إذا ما مت فغسلوني وكفنوني ثم احملوني إلى قارعة الطريق واتركوني هناك، فسوف يأتي من يدفنني ففعلوا ما أمرهم به عند موته، فتصادف أن مرت من هناك قافلة لمسلمين بينهم الصحابي (عبد الله بن مسعود) فعرف أبا ذر فصلى ومن معه عليه ودفنوه حيث هو!
وقد توفي أبو ذر الغفاري في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكانت نهايته مصداقاً لما تنبأ له النبي محمد فيها:
((يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده((
****
وكان النبي محمد قد وصف أبا ذر بأنه أكثر الناس صدقاً.. وذلك بقوله:
((ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر))
لكن العجيب أن لا أحد من الصحابة ـ الكبار والصغار منهم على حد سواء ـ قد وقف مع أبي ذر في محنته أو أيد دعوته أو ناصره فيها، ولا حتى دافع عن ذلك الصحابي الذي وصفه ومجده نبيهم لهم.. بقوله:
((ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر)).. ومعنى قول النبي أن أبار ذر هو أكثر من ينطق بالصدق والحق بين كل المسلمين على وجه الأرض صحرائها وخضرائها مدنها واريافها، وكان الواجب يفرض على صحابة رسول الله تأييده ونصرته في كل ما يقول ويفعل، امتثالاً لقول نبيهم فيه!
والسبب في عدم مناصره أحد من الصحابة كبارهم وصغارهم لأبي ذر ـ كان معروفاً في الماضي ـ لكن بعد "تقديس الصحابة " أصبح مجهولاً" ممنوعاً على الأجيال التالية معرفته!؟
والذي منع الصحابة عن مناصرة أبا ذر أو تأيده أو الوقوف معه.. هو:
أن الصحابة هم أنفسهم قد أصبحوا من كبار أصحاب رؤوس الأموال وممن يكتنزون الذهب والفضة والثروات الخرافية!
وكأمثلة فقط، على حجم ثروات بعض الصحابة الخرافية والأموال التي امتلكها كبارهم، والتي جاءت منذ فتوحات عمر ثم تكاثرت من بعده، والتي أوردتها المصادر الإسلامية الموثوقة!
ملاحظة: [الألف ألف التي وردت في المصادر الإسلامية تعني مليوناً كاملاً من الدنانير أو الدراهم] التي امتلكها الصحابة أنذك!
فالمليون ديناراً أو درهماً قبل ألف وخمسمائة سنة، قد تساوي (ترليوناً كاملاً) تقريباً من الدولارات الأمريكية:
ثروات بعض الصحابة كما أوردتها بعض المصادر الإسلامية.. كالآتي:
ــ عثمان بن عفان نفسه: ومع شدة كرمه وكثرة عطاياه كان له يوم مقتله ثلاثون الف الف درهم وخمسمائة الف درهم (يعني: 33 مليوناً وخمسمائة ألف درهم) ومائة الف دينار، وقد نهبها الثوار الذين قتلوه، بالإضافة الي ما قيمته مائتا الف دينار من الاصول !.
ـــ الزبير ابن العوام: كان لديه 35 الف الف درهم ومائتا الف دينار، ويقال 51 الف الف درهم او 52 الف الف درهم (يعني: 35 أو بين 51 ـ 52 مليون درهم)، بالإضافة الي مساكن وعقارات وخطط في الفسطاط والاسكندرية والبصرة والكوفة، كما ترك غابة او بستانا هائلا بيع بـ الف الف وستمائة الفدرهم.!
ــ عبد الرحمن بن عوف: الذي مات سنة 32 هـ قبيل عثمان، ترك ذهبا كانوا يقطعونه بالفؤوس حتي محلت ايدي الرجال منه !
ــ سعد ابن ابي وقاص: ترك 250 الف درهم!
ابن مسعود: توفي 32 هـ وكان من ضحايا عثمان وقد حرمه عثمان من عطائه سنتين ومع ذلك ترك 90 الف درهم .
ــ طلحة بن عبيد الله: كان في يده خاتم من ذهب فيه ياقوته حمراء، وكان ايراده من ارضه في العراق الف درهم يوميا او ما بين 400 الي 500 الف درهم سنويا في رواية اخري، وترك بعد موته الفي الف درهم (يعني: مليوناً 200 درهم) ومائتي الف درهم، و مائتي الف دينار، وترك اصولا وعقارات بثلاثين الف الف درهم (يعني: 30 مليون درهم).وترك مائة بهار مليئة بالذهب في كل بهار ثلاثة قناطير او اثنين من الارادب ،أي ترك 300 اردبا ذهبا او 200 قنطار ذهبا.!
عن (طبقات ابن سعد 3/ 53 ، 76 ، 77، 157)
عن (المسعودي مروج الذهب 1/ 544 : 545)
*
ــ عمرو بن العاص: ترك عند موته سبعين بهارا من الذهب، أي 210 قنطارا او 140 اردبا من الذهب، واثناء موته عرض هذه الاموال علي اولاده فرفضوا وقالوا: حتي تعطي كل ذي حق حقه أي اعتبروها سحتا، فلما مات عمرو صادر معاوية هذا المال وقال (نحن نأخذه بما فيه) أي بما فيه من سحت وظلم .
عن (خطط المقريزي 1/ 140 ، 564 )
ويذكر المسعودي في مروج الذهب ( 1/ 544 ).. ان:
ــ زيد بن ثابت: حين مات ترك من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس سوي الاموال والضياع.
ــ ومات يعلي بن امية: وخلف خمسمائة الف دينار وديونا علي الناس وعقارات تبلغ 300 الف دينار [.
ـــ الإمام علي بن أبي طالب: كان الإمام من أول الصحابة الذين رفضوا هذا السحت وذلك الظلم، وحاول ارجاع الامر الي ما كان عليه في عهد النبي (ص). والامام علي عانى في خلافته الشاقة العسيرة التي استمرت حوالى 5 سنوات ومات قتيلا سنة 40 من الهجرة، وكانت تركته 700 درهم فقط ويقال 600 ويقال 250 درهما، وهذا هو الفارق بين علي و بين اصحابه الذين حاربوه دفاعا عما اكتنزوا من الاموال الحرام .
****
وهذه مجرد امثلة: لأن الثروات الأكبر لم تقترب منها الروايات التاريخية، كثروات معاوية ومروان بن الحكم مثلاً:
لأن ثرواتهم استغلوها في اقامة ملكهم الاموي لتتسع هذه الثروات وتكون بيت المال الذي كان ملكا للخليفة الاموي وحده.
وبعد كل هذا: فهل يمكن أو يعقل أن لهئولاء الصحابة مهما بلغت تقواهم ونسكهم وعباداتهم وإيمانهم الشديد، أن يؤيدوا أو يناصروا (أبا ذر الغفاري) الذي يريد مصادرة أمولهم وثرواتهم الخرافية هذه، وتوزيعها على فقراء المسلمين؟ حتى ولو قال عنه النبي محمد(ص) قولته الشهير تلك:
((ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر))
****
[يــتــبــعــه]
(الجزء التاسع): الشورى.. أم.. ولي الأمر؟
#خلف_الناصر (هاشتاغ)
Khalaf_Anasser#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟