خلف الناصر
(Khalaf Anasser)
الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 12:05
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
في البداية هناك ملاحظات مهمة جداً يرجى الانتباه إليها جيداً.. وهـــــي:
نحن في انتقدنا لمعاوية وخلفائه وخلفاء بني العباس والسلاطين العثمانيين والسلالات الكثيرة الأخرى التي حكمت باسم الإسلام، فنقدنا موجه إليهم كحكام ظالمين مستبدًين وغير عادلين، ولهذا نحاول أن نكشف الغطاء عن وجوههم الحقيقية وننتقدهم نقداً سياسياً واجتماعياً وليس دينياً، لأن لا ذنب للدين في هذا، فهذه قضية سياسية واجتماعية ومدنية بحتة تخص المجتمع ككل، ولا تخص دين أو مذهب أو طائفة أو عقيدة بعينها!
وفي رأينا أن ليس لأولئك الحكام الظالمين (أية صفة دينية تضفي عليهم قدسية خاصة) وتجعلهم فوق النقد والانتقاد، حتى وإن اضافوا هم أو غيرهم لأشخاصهم القاب [خليفة المسلمين أو أمير للمؤمنين أو إمام المسلمين ....الخ] أو ألصق أو أعتقد البعض بأن لهم مثل هذه المكانة الدينية!
فكل تلك الألقاب لا أصل ديني لها وجميعها اختلقت بعد وفاة رسول الله لأغراض وغايات سياسية وسلطوية. فكل أولئك هم حكام دنيويون، وبالتالي لا عصمة لأي منهم، فكلهم يمكن أن يخطئوا ويصيبوا ويحبون ويكرهوا ويقتلون ويزنون...الخ كأي مخلوق بشري آخر!
وكذلك نحن لا ننتقد عقائد الناس وإيماناتهم المختلفة لأن هذا شأن يخصهم هم وحدهم، لكن من الواجب عدم الخلط بين انتقاد الحاكم وانتقاد المعتقدات الدينية والمذهبية، لبعض الناس المؤمنين بأولئك الحكام وبقدسية بعضهم!
قد نختلف مع البعض في طبيعة فهم تلك العقائد وقد نحاول توضيح أو تصحيح بعضه ـ حسب رأينا الشخصي ـ لهم، وذلك من خلال ابراز النتائج السياسية والاجتماعية السلبية والكارثية التي ترتبت على فهم البعض لتلك المعتقدات، وجعلت من المسلمين عبيداً متخلفين إلى هذا الحد من التخلف البشري، بسبب ذلك الفهم المعلوط وانحراف الحكام المسلمين ومخالفتهم الصريحة لإسلام الوحي الذي أنزله الله على محمد.
****
كما أن لهذا الانحراف وجه آخر هو:
أن الدجل والتدليس والكذب واختلاق بعض الأحداث والحوادث، هي صفات إنسانية طبيعة شائعة وموجودة لدى الكثيرين من البشر، وبالأخص منهم [ذوي المهن الدينية] الذين يعرفون باسم شيوخ أو فقهاء السلطان. وهذا الصنف من رجال الدين معروف وموجود في كل مجتمع وكل دين وكل مذهب وكل عقيدة دينية أو دنيوية كانت، وفي كل زمان وكل مكان على وجه الأرض! ومهمة مثل هئولاء الاشخاص معروفة أيضاً.. وهي:
"تلميع الحاكم" وتبرير كل افعاله واعماله وتسويق كل ما يريده أو يرتكبه من جرائم بحق الناس، وتغطيتها بأردية دينية والباسها لباساً شرعياً، سواء كان ذلك الحاكم يوشح نفسه بلقب خليفة أو إمام أو سلطان أو "قائد ضرورة" كصدام حسين مثلا: (فذوي المهن الدينية) جاهزون لتأدية خدماتهم له ولكل من يطلبها من ذوي المال والنفوذ.. فهئولاء الشيوخ (السلطانيون) هم الذين صنعوا تلك الألقاب الدينية وهم الذين ألبسوها لأولئك السلاطين الطغاة، وهم الذين اضافوا قداسة لتلك الألقاب ولمن يحملها!
فلدى مثل هئولاء الشيوخ ـ سواء في الماضي وحتى في الحاضر ـ أحاديث وفتاوى جاهزة (جديدة وبالسلفان) يمكنها أن تبرر للحاكم كل جرائمه صغيرة كانت أو كبيرة، حتى وإن كانت مخالفة صراحة للعقل والمنطق والشريعة والقرآن، وكذلك يمكن لمثل هئولاء الشيوخ اختلاق دعاوى وتبريرات وحتى أحاديث منسوبة للنبي، تبرر للحكام كل ما فعلوه وارتكبوه من جرائم بحق الناس يندى لها حتى جبين ابليس خجلاً!
ففي مثل ذلك الوضع السياسي والاجتماعي والديني والسلطوي الذي كان سائداً أنذك عند هذا النوع من الشيوخ والبشر، لم يكن غريباً عليهم في تلك العصور وحتى في عصرنا الحالي واجيالنا هذه بالذات مثل تلك الفتاوى وتلك البدع الدينية:
فكل الذي لمسناه وسمعناه وشاهدناه ـ ونحن احياء ـ من تهليل وتمجيد وإشادة ببعض طغاة العرب كصدام حسين وآل سعود وآل نهيان وآل الأسد وأمثالهم، وكذلك تمجيدهم وتبريرهم حتى لخيانات من قبل بعض الحكام العرب لقضايا الأمة المصيرية، كأنور السادات وملوك المغرب والأردن ومشيخات الخليج (ودولها المجهرية) وملوكها الصغار!
****
وكذلك نحن لم ننس بعد، من أفتى قبل سنين أو أشهر قليلة بفتاوى مخجلة ومخزية أخلاقياً ودينياً وعلى الفضائيات مباشرة، كـ "جهاد النكاح" وفتاوى للشيوخ تحث على الزنا واللواط، كتجويز بعض الشيوخ مثلاً: لـ "مساعدة المؤمنون لمجاهد منهم بنكحه "لتوسيع دبره" كي يتمكن من حشوه بالمتفجرات ليفجر نفسه وسط الناس الأبرياء! أو ذك الذي أفتى بجواز مداعبة الأبن الأكبر لأمه الأرملة ـ في الأماكن الحساسة من جسدها ـ لتعويضها عن فقدانها زوجها ومتعتها معه، وفتاوى مخجلة كثيرة مماثلة لها تدل جميعها على الشذوذ والشبق والانحراف!.. (وجميع تلك الفتاوى موجودة على النت لمن يريد الاطلاع عليها.)
فمثل هذه الفتاوى (حسب الطلب) لم تظهر الآن نتيجة ظروف شاذة فقط، إنما هي وسيلة ومنهج معمول به على مدى تاريخ الدول والامارات الإسلامية منذ ظهرت إلى الوجود إلى اليوم، وموجودة كذلك حتى عند بعض كبار الأئمة ومؤسسي المذاهب الإسلامية، فهم لهم أيضاً أمثال تلك الفتاوى أو ما يقاربها!... (وجميعها موجودة أيضاً على النت لمن يريد الاطلاع عليها.)
ونكتفي للتدليل فقط على كل ما ذكرناه بهذه الفتاوى للداعية محمد العريفي وآخرين:
: https://www.facebook.com/share/r/1JDUvhuFrE/
محمد العريفي ومشايخ آخرون يفتون بجواز مشاركة المرأة عموماً وحتى المتزوجة منهن بـ "جهاد النكاح" في سورية دون علم زوجها.. وداعية سعودي آخر يجيز "نكاح المحارم" في حالة عدم وجود امرأة غريبة تروي شبقه وعطشه الجنسي، لكنهم قد يحجبونها وينكرونها
فإذا كانت مثل هذه الفتاوى المخزية تصدر اليوم وبالأمس القريب جداً، وفي هذا العصر الذي يستحيل أخفاء شيء فيه عن الأنظار أو تزويره، فكيف كانت إذاً فتاوى تلك العصور المظلمة، عندما كان الانسان لا يمتلك إلا سمعه وبصرة ليفرق بهما بين الحق والباطل والصحيح والخطأ والأصيل والمزيف، سواء في الدين أو في جميع شؤون الحياة الاجتماعية والسياسية؟
لقد تعرضت المجتمعات الإسلامية ـ منذ ذلك الوقت وإلى الآن ـ إلى "غسيل مخ" شامل وكامل ورثناه نحن عنهم وتقاتلنا مع بعضنا من أجله!
****
فعلى وقع مثل تلك الفتاوى الشاذة ـ شرعاً وفكراً وحتى جنسياً ـ أقام بنو أمية ملكهم وخلافتهم ودولتهم وشرعيتهم المزورة، مستندين إلى أحاديث وفتاوى ـ من هذا النوع ـ زورها لهم مشايخ السلطان ووقائع فبركها لهم مؤرخو تلك الازمان!
فبعد أن شق معاوية بن أبي سفيان عصى الطاعة على الخليفة الشرعي الإمام علي واغتصابه للخلافة...... كانت أول اعماله:
إلغاء أهم بند تجديدي جاء به الإسلام ليمثل روحه التقدمية النقية .. وهو:
المبدأ القرآني (حكم الشورى) "وأمرهم شورى بينهم" وتحويله إلى "ملك وراثي عضوض" كما وصف الرسول هذا النوع من الحكم الدنيوي!
فقد اقام معاوية دعائم عرشه الملكي وشرعيته الدينية، على دعائم ظاهرها ديني وباطنها دنيوي سلطوي بحت، وأسندها بفتاوى دينية مبتدعة ـ من ذلك النوع ـ وأحاديث نبوية كثيرة اختلقها له "فقهاء السلطان" أنذك، ثم تبعه خلفائه الأمويون من بعده والذين داوموا على استخدام تلكم الدعائم، كأهم سلاح إيديولوجي بأيديهم حتى آخر أيام حكمهم!
والدعائم التي اسند معاوية وخلفائه من بعده شرعيتهم بها.. هـــــــي:
الأولى: طاعة ولي الأمر.. وإلغاء مبدأ الشورى القرآني!
الثانية: اشاعة "فكرة وعقيدة الجبر" وتوظيفها سياسياً واجتماعياً ودينياً وفي كل مفاصل حياة المسلمين!
الثالثة: رفع شأن صحابة رسول الله إلى حدود القداسة الدينية "لحاجة في نفس يعقوب"
الرابعة: الحط من شأن آل بيت الرسول محمد ومحاولة إبادتهم جماعياً!
الخامسة: اعتماد الولاء السياسي والعلاقات النفعية والقبلية والرشا واستخدام المال العام في إدارة الدولة، كبديل عن الدين الإسلامي وقيمه وأوامره ونواهيه!
فقد نحّى معاوية الإسلام عن المسرح السياسي والاجتماعي والثقافي، وازاح ثقات المسلمين عن المشهد تماماً، ورفع شأن اللقطاء ومجهولي النسب كزياد بن أبيه، وشبيهه الجزار الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي يعد أكثر قائد دموية ووحشية في التاريخ وكثيرين آخرينمن أمثال هئولاء!
https://www.facebook.com/share/v/1Do7chjqae/ الحَجَّاج بن يوسف الثقفي.. قصة القائد الأكثر وحشية في التاريخ الإسلامي! المؤرخ الإسلامي (إبراهيم العسال)
****
وسنشرح تلك الدعائم التي استخدمها معاوية وخلفائه واحدة بعد أخرى، ليس وفق تعدادها أعلاه إنما حسب أهميتها والدور الأكثري حسماً الذي لعبته في حياة وتاريخ ومصير الإسلام والمسلمين !
لقد كان أول تلك الدعائم واخطرها دوراً في التاريخ هي، اشاعة "فكرة وعقيدة الجبر" وتوظيفها سياسياً ودينياً واجتماعياً وتعميمها في كل نواحي الحياة الاسلامية، كما سخر معاوية ووظف قضايا كثيرة لخدمة أهدافه السياسية كمسألتي "ولي الأمر وصحابة رسول الله" وغيرها، فإنه استخدم "فكرة الجبر" أيضاً لنفس الأغراض السياسية:
فقد ((أكد معاوية بن أبي سفيان في سياق تعزيز شرعية حكمه على عقيدة الجبر، مُرجعاً خلافته إلى (إرادة إلهية محتومة)، حيث نقل عنه قوله إن خلافته "كانت بأمر الله أو رضى الله القادر على أن يغير ما لا يرضى"
ولتبرير السلطة بالجبر:
استخدم معاوية مفهوم (أن الإنسان مسيّر لا مخيّر) لتصوير نفسه كـ "خليفة" الذي وضعه الله في هذا المكان، مما يعني أن الاعتراض على حكم معاوية هو اعتراض على حكم الله وإرادته!
وهذا الطرح ساهم في ترسيخ مفهوم استبدادي مبكر في الفكر السياسي الإسلامي، حيث أصبحت الطاعة واجبة استناداً إلى الحتمية القدرية.
ويُذكر أن هذا النهج كان جزءاً من سياسة أوسع اعتمدت في العصر الأموي، إلى جانب المهارة القيادية المعروفة لمعاوية (وشعرته التي لا تقطع في العلاقة مع الناس) وفي إدارته للصراعات المختلفة)) "الجزيرة نت"
****
كما أنه استخدم فكرة وعقيدة الجبر لتبرير اكتنازه الأموال، سواء عندما كان والياً على الشام في خلافة عثمان أو في خلافته هو!
وقد تصدى له بعض الصحابة كالصحابي (أبا ذر الغفاري) الذي وقف له بالمرصاد في كل خطوة يخطوها ومناسبة يحيها يحاججه بحدة أحيانا، عن المال العام وعائديته لجميع المسلمين وليس له هو! .. ففي احدى خطبه قال معاوية ما معناه:
ــ إن هذا المال هو مال الله وأنا وكيله عليه، أمنحه لمن أشاء وأمنعه عمن أشاء بإرادة الله!
ــ فرد عليه أبو ذر: لا.. هذا المال مال الناس وعليك أن تنفقه في مصلحة المسلمين وفيما ينفع عامتهم!
وفي واقعة أخرى صاح أبو ذر في وجه معاوية قائلاً له بما معناه:
ــ يا معاوية أنت أفقرت الفقير وزدت الغني غناَ!
رد عليه معاوية:
ــ المال مالنا والفيء فيؤنا نمنحه كما نشاء لمن نشاء!
فصرخ أبو ذر:
ــ بل المال مالنا والفيء فيؤنا ومن يمنعنا عنه سنتقرب به إلى الله بسيوفنا!
لكن جرأة وجدية وإسلامية أبا ذر جلبت عليه كوارث لا حصر لها،
(سنرويها يوماً مفصلة)!
[يتبعه]
(الجزء السابع): الصحابة والمال والآل:
#خلف_الناصر (هاشتاغ)
Khalaf_Anasser#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟