خلف الناصر
(Khalaf Anasser)
الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 14:48
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
فجميع تلك الاجتهادات والآراء الأولية الثلاثة المختلفة التي مرت بنا ـ انظر ج2ـ عن بعضها، والتي كانت عبارة عن إجابات عن سؤال كبير طرحه واقع إسلامي جديد في حينه.. وكان السؤال:
هل أن الانسان: مسير أم مخير؟ ، مجبر أم مفوض؟ ، حر أم عبد؟ ..في افعاله واعماله وسائر شؤون حياته؟
ورغم اختلاف وتناقض تلك الإجابات على ذلك السؤال الكبير، كانت اختلافات صارخة وبعيدة عن بعضها بمسافات ضوئية، إلا أنها هي التي تطورت فيما بعد واتسعت اتساعاً هائلاً، وتحولت تدريجياً إلى مذاهب اسلامية كبيرة كاملة الملامح، لكن باكتمالها دفنت "اسلام الوحي" تحت ركامها الكثيف وتقاسمت اشلاءه الإلهية فيما بينها، وأعطتنا (إسلاماً موازياً) له وبديلاً عنه، وكان لسلاطين المسلمين أيد طويلة في صناعته!
فكل تلك النتائج المتناقضة التي تمخضت عن حركة المجتمع الإسلامي واختلافات فقهائه في اجاباتهم عن ذلك السؤال الكبير، الذي هز المجتمع والفكر والتاريخ الإسلامي هزاً عنيفاً وبقوة شديدة، وهي الحالة التي لاحظها كثير من المفكرين وأصحاب الرأي من المسلمين والأجانب في عصرنا الحالي هذا، وهي نفسها التي أوحت للمفكر الاسلامي الراحل "محمد شحرور" تلخيصها في سؤال بسيط:.. ما هو الإسلام؟؟
ونضيف نحن إليه سؤالا فنيا.. هو:
كيف يمكننا إذاً معرفة الاسلام (إسلام الوحي) منه أو العثور عليه، بين كل هذا الركام والكم الهائل من الفقه والتراث الإسلامي المتشعب والمتناقض والمتراكم، عبر إضافات لأجيال وأجيال بشرية اسلامية في حقب تاريخية كثيرة مر بها الإسلام والمسلمون؟
وعند مَن من مذاهب وطوائف وفرق المسلمين الكثيرة والمتنوعة سنجده؟:
هل يمكننا أن نجده عند الشيعة أم عند السنة مثلاً؟ أم نجده عند المعتزلة أو عند الاشاعرة؟ .. أم عند المتصوفة أو الخوارج؟ .....الخ، أو اسلام الوحي الذي نبحث عنه، هو اسلام آخر لا نعرفه نحن ولا هم؟
****
وعلى كل حال، فإذا كان المقصود بذلك السؤال هو "اسلام الشيعة" فعلينا إذاً أن نفتش جعبة الشيعة وما تحويه من مذاهب وفرق وطوائف واجتهادات ومعتقدات...الخ:
في أيٌ من مذاهب الشيعة يمثل إسلام الوحي الصحيح؟
أهم الاثنى عشرية؟ ، أم الإسماعيلية؟ ، أم الزيدية؟
أم يمكننا أن نجده عند فرق الشيعة الكثيرة المتفرعة عن مذاهبهم تلك، والمتناثرة في كل مكان، ويصل عددها ـ كما تقول بعض المصادر ـ إلى خمسة وأربعين فرقة:
منهم: البهرة، والواقفية، والشيخية، والبابية، والباقرية، والثلاث عشرية، والمشعشعية، والراوندية ...الخ من فرق دينية شيعية، بعضها انقرض وبعضها الآخر لا زال حي يرزق.. فهل يمكننا أن نجد "إسلام الوحي" عند احدى هذه الفرق الدينية الشيعية؟ وربما نجده عند فرقهم الدينية الجديدة التي لا زالت تتوالد: كالصدرية، والصرخية، واليماني، وأصحاب القضية...الخ؟ أو يمكننا أن نجده عند بعض فقهائهم ومؤرخيهم ورواة الحديث عندهم؟ ومعرفة من منهم هو الأصوب رأياً والأكثر أمانة في رواياته واجتهاداته، وأكثرهم قرباً من اسلام الوحي؟:
المفيد أم الطوسي؟ مثلا: الصدر أم الطبرسي؟ الحكيم أم اليعقوبي؟ ...الخ، وربما نجده عند "ميليشياتهم" الحديثة التي قاومت الغزو والإرهاب الأمريكي في هذا العصر؟
ويمكننا أن نستمر ـ بظنيات ـ (ربما وقد).. واستفهامات (أم و أو) إلى ما لا نهاية.
فجوهر (إسلام الشيعة) يقوم على فكرة القرابة من شخص رسول الله(ص) والولاء لأهل بيته، وأس الأساس عند الشيعة هو (الإمامة) وشرعية الإمام ـ حسب معتقداتهم ـ تتأتى من انتساب الإمام إلى بيت النبوة نفسه، ولا تصح خلافة الرسول وإمامة لمسلمين إلا إذا كان هذا الخليفة من آل بيت الرسول محمد، وذلك حسب وصية أوصى بها الرسول نفسه في حياته، لكن لم يأخذ بها أحد!
وإذا وضعنا هذه الفكرة على طاولة التشريح نجد أنها لا تصمد طويلاً.. لأن:
النبي محمد(ص) لم يكن ملكاً أو سلطاناً أو امبراطوراً حتى يرث أبنائه تاجه ومملكته، إنما كان محمد "رسولا نبياً" فالمنطقي، أن تورث رسالته ودعوته الدينية وليس مملكته وسلطته الدنيوية. وحتى إن صحت ـ وهي صحيحة في أغلب المصادر الاسلامية ـ وصيته بالإمامة من بعده، فهي "إمامة روحية" لمواصلة الدعوة والتبشير بالإسلام، وليست "إمامة دنيوية" لمواصلة السلطة والحكم والتحكم في رقاب الناس!
وكل هذا هو أمر قد يقربنا خطوة باتجاه ما نريد، لكنه لا يجيبنا إجابة شافية ووافية عن (إسلام الوحي) ولا يقول لنا: "ما هو الاسلام"؟
فجولتنا النسبية هذه بين مسميات واجتهادات الشيعة المختلفة، لم نصل إلى شيء أو خيط رفيع قد يدلنا أو يوصلنا إلى جوهر اسلام الوحي عندهم!
****
أما إذا كان المعني بالسؤال هو اسلام السنة، فإسلام السنة هو الآخر موجود في مذاهبهم وفرقهم المتعددة!
إذاً لنفتش داخلها لنفتش داخلها هي الأخرى، لنعرف أيٌ منها هي التي تمثل الإسلام الصحيح (اسلام الوحي).. أهي المذاهب الأربعة عندهم مثلا: وأي منها هو الأقرب إلى روح الإسلام (اسلام الوحي):
أهو المذهب الحنفي أم هو المذهب الشافعي؟
المذهب المالكي أم هو المذهب الحنبلي؟
لكن هناك من يعترض عليها عقلياً ومنطقياً ويتساءل عن هذه المذاهب الأربعة، وعن الذي منحها صكاً يقول: أن الإسلام الصحيح "إسلام الوحي" ـ كما يدعون ـ موجود في هذه المذاهب الأربعة حصراً، ولا مذاهب تمثل الإسلام غيرها، ولا يجوز (شرعاً) الاجتهاد خارج هذا المربع المذهبي؟ .. ويتسألون أيضاً:
عن الذي خول هئولاء الأئمة: مالك بن أنس ، والنعمان ابن ثابت ، ومحمد بن إدريس لشافعي ، والإمام أحمد بن حنبل.. وقال لهم:
أنتم وحدكم المخولون (شرعاً) بصناعة المذاهب الإسلامية، ومحرم على غيركم (حراماً مطلقاً) صناعة مذهب إسلامي خامس أو سادس أو أو أو.... الخ، وحتى وإن وجد من يدعي أنه (مذهب خامس) فلا تعدوه مذهباً إسلامياً خامساً؟
وكذلك يتساءلون عن الذي أعطا لهئولاء الأئمة الأربعة ق الاجتهاد الحصري لهم وحدهم من دون الناس جميعا:
أهو الله؟.. أم هو وحي نزل على بعضهم؟.. أم هو بشر مثلهم مخول من الله؟
أم هم أعطوا لأنفسهم مثل هذا الحق المطلق، الذي يسمح بحصر كل الاجتهاد الاسلامي بأشخاصهم وحدهم، وأقفاله ـ بالضبة والمفتاح ـ على غيرهم؟
وكذلك من الذي أوصى خلفائهم بالاكتفاء بمقولة: ((صحيح المنقول (عن الأئمة الأربعة وحدهم) يقدم على صحيح المعقول)) (الآتي من غيرهم)؟
ثم لماذا أصبح (دين الإسلام بكل تفرعاته الهائلة) مؤمماً ـ ومنذ من ألف عام ـ لهم وحدهم ومحصوراً بهم وحدهم؟ (وأقفال باب الاجتهاد) بعدهم؟ واقفل معه (باب العقل والمنطق والمعقول) وعزل بستارة سميكة عن أي فكر أو علم أو تطور آتٍ من غيرهم، من على طول مساحة الأرض وعرضها!
وبأقفال (باب الاجتهاد) هذا، أوصدت كل أبواب الحياة الروحية والفكرية والاجتماعية في حياة المسلمين، وأصبحت جميعها تدور في دائرة مقفلة تكرر نفسها في كل الاجيال، وتظهر على شكل انفجارات دينية ونفسية وعقلية متتالية تتكرر في كل جيل وكل عام تقريباً، فمرة تكون على شكل انفجارات دينية أو مذهبية أو طائفية، ومرة على شكل انفجارات اجتماعية وحقوقية وسياسية، ومرات ومرات على شكل انفجارات عبثية غير مفهومة، إنما تعبر عن كبت نفسي وعقلي وصل حد الانفجار!
فأجيالنا الإسلامية ـ الحالية خصوصاً ـ عاشت كل اصناف تلك الانفجارات مجتمعة ومتداخلة في بعضها: من الطائفية إلى المذهبية إلى القاعدية والداعشية والنصروية والمليشيوية.... الخ بعد الغزو الأمريكي الظاهر والباطن لبلادنا العربية والإسلامية، وأجيالنا التعيسة الحالية هذه صاحبة حظ عاثر، جعل منها أداة ووقود وضحايا في آن واحد لكل تلك الانفجارات بكل وجوهها المرئية وغير المرئية!
فبينما كانت الحياة من حولنا تتقدم باضطراد دائم والعالم يتطور باضطراد أكثر، كنا نحن مسمرون في محطة انتظار: ((صحيح المنقول يقدم على صحيح المعقول!)) حتى أضعنا العقل والمعقول والناقل والمنقول، وعانقنا الجهل والخرافة وسرنا بخطىً ثابتة نحو هاوية لا قرار لها!
وبعد هذه الجولة النسبية بين أروقة "إسلام السنة" و "إسلام الشيعة" يحق لنا أن نقول:
أن السنة والشيعة معاً في (قفص اتهام واحد) والاثنان مسؤولان معاً عن ضياع "إسلام الوحي" وضياع الأمة كلها معه، لكن ليس بدرجة متساوية بين الاثنين:
فالسنة حاكمون والشيعة محكومون، ولا يمكن أن تتساوى مسؤولية ـ الحاكم والمتحكم دائماً ـ مع مسؤولية ـ الضعيف المحكوم دائماً أيضا ـ عن ذلك الضياع الشامل!
****
وعودة على بدأ:
وبعد هذه الجولة المختصرة في وسط ذلك الكم الهائل من الأسماء والمسميات والشيوخ والفقهاء والمذاهب والادعاءات والدعوات والبدع والمبتدعات الدينية والسياسية والفكرية المتناقضة، تجد نفسك في متاهة واسعة ليس لها باب تدخل إليها منه، ولا منفذاً لها تهرب عنها من خلاله. وفي النتيجة لن تحصل على جواب شافي عن ماهية إسلام الوحي أو ما هو الإسلام؟
كما أن أيٌ منها لا يعطيك جواباً مقنعاً عن سؤال: ما هو الإسلام؟ كذلك هي لا تعطيك إيماناً صادقاً ويقيناً راسخاً وطمأنينة روحية وعقلية قطعية، بأنك على صواب فيما تعتقده أو أن ما تعتنقه أنه هو "إسلام الوحي" الصحيح، الذي أنزله الله على نبيه محمد!
وعليه: سيبقى سؤال محمد شحرور "ما هو الاسلام" معلقاً إلى حين، ومفتوحاً على العشرات مما تبقى عند الطرفين من فرق وفقهاء وأسماء ومسميات كثيرة أخرى!
فكل تلك المذاهب والفرق والرواة والفقهاء من السنة والشيعة، تدعي بأنها تمثل "الإسلام الصحيح، بل أن بعضها يزايد على الجميع ويدعي بأنه هو وحده الإسلام الصحيح ووحده "الفرقة الناجية" وما عداه، من فرق ومذاهب إسلامية جميعها في النار"!ً .. فأيٌ من كل هئولاء نصدق؟ .. أم أن الإسلام الصحيح (اسلام الوحي) قد توزع كحصص بينهم جميعهم وعلينا جمعه من جديد؟
****
والنتيجة من كل ذلك الذي عاشه وعايشه المسلمون في تاريخهم وحاضرهم، كانت نتائجه عليهم طبيعية جدا ومنطقية جداً:
لأن وضعاً روحياً وسياسياً وفكرياً واجتماعياً إسلامياً متناقضاً ومأزوماً كهذا وبيئة فكرية واجتماعية وسياسية متنافرة إلى هذه الدرجة، سوف لن ينتج عنها إلا مجتمعا ممزقاً ومفككاً ومتصارعاً دائماً، ولا تتبلور داخلها إلا مدارس فكرية تنشر الجهل والشلل، لا يتخَرج منها إلا (أنصاف متعلمين) و (أرباع مفكرين) وقلائل من المتفلسفين المحبطين، العاجزون عن الوصول إلى جوهر الأشياء وحقائق الوجود والحياة، والذين ليس بإمكانهم أن يتحولوا إلى فلاسفة أصحاب مشاريع فلسفية متكاملة، ترسم للأجيال مسارات الحياة وطرق المستقبل الآمنة والمؤمَنَة!
لأن مثل هئولاء المفكرين في بيئة دينية واجتماعية وفكرية كهذه: لابد من أن يكونوا ممزقين بين تناقضات بيئتهم الدينية ومحدداتها الفكرية والاجتماعية بطبيعتها المحافظة، وبين ما توحيه إليهم قدراتهم العقلية والفكرية التي تتطلب بيئة حرة، تسمح للفكر أن يحلق في أجواء حرة وآمنة، لا تحدها حدود ولا توقفها قيودّ ولا تمنعها سدود!
إذاً لنبحث عن "إسلام الوحي" في مكان آخر؟
[يــتــبــعــه]
(الجزء الرابع): قوانين التغير الحتمية؟؟
#خلف_الناصر (هاشتاغ)
Khalaf_Anasser#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟