خلف الناصر
(Khalaf Anasser)
الحوار المتمدن-العدد: 8763 - 2026 / 7 / 11 - 14:20
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لو أردنا البحث عن العلماء العرب والمسلمين الذين قدموا إنجازات عظيمة في مجالات النشوء والارتقاء ـ ومجلات حيوية غيرها ـ فستكون مهمتنا عسيرة وربما مستحيلة أيضاً، لأن عملاً كبيراً بهذا الحجم لا يستطيع أنجازه فرد واحد ولا حتى عدة أفراد، إنما يحتاج إلى مؤسسة متخصصة متكاملة مكتملة الأدوات المساعدة لإنجازه!
وعليه سنكتفي [هنا] بذكر ثلاثة علماء عرب طرقوا أبواب موضوعة النشوء والارتقاء، تفاوتت اختصاصاتهم وأزمانهم في طرح هذا الموضوع تفاوتاً كبيراً.
****
أولهم العلامة "أبي علي أحمد بن محمد بن مسكويه الخازن" المتوفى عام 421 هجرية، وله كتابان في هذا الموضوع: أولهما كتاب «الفوز الأصغر» والثاني «تهذيب الأخلاق»، ذكر فيهما أموراً كثيرة، بل شروحا واضحة تنم عن آراء أهل ذلك العصر في النشوء، وعن كيفية تحول بعض الأحياء من بعض، ويبدو أن هذا الرأي كان شائعاً ومعروفا بين علماء تلك العصور ـ وربما حتى بين العامة ـ من بعد أن أبتكره أخوان الصفا، فأخذوا يكررونه من بعدهم بطرق مختلفة، مع إضافات مهمة من بعض أولئك العلماء!
فقد قال العلامة "أبي علي أحمد بن محمد بن مسكويه الخازن" في «الفوز الأصغر":
((إن أول أثر ظهر في عالمنا من نحو المركز، بعد امتزاج العناصر الأولى، أثر حركة النفس في النبات؛ وذلك أنه تميز عن الجماد بالحركة والاغتذاء. وللنبات في قبول الأثر مراتب مختلفة لا تُحصى، إلا أنا نقسمه إلى ثلاث مراتب: الأولى، والوسطى، والأخيرة؛ ليكون الكلام عليه أظهر، وإن لكل مرتبة من هذه المراتب غرضا كبيًراً، وبين المرتبة الأولى والوسطى مراتب كثيرة، وبهذا الترتيب يمكننا أن نشرح ما قصدنا إليه من إظهار هذا المعنى اللطيف))
وهي نفس قاعدة التقسيم الأولي التي يعتمدها المؤلفون العصريون في كتابة مؤلفاتهم.. وقد مييز "أبن مسكويه" بين الحيوان والنبات في الترتيب الزماني، فذكر أن النبات أسبق بالوجود من الحيوان؛ لأن حركة أثر النفس أي الحياة في النبات كانت أول ما ظهر في الأرض بعد امتزاج عناصرها الأولى: التراب، الماء، الهواء، النار!
ثم قال في مرتبة النباتات الأولى:
"إن مرتبة النبات الأولى في قبول هذا الأثر الشريف هو ما نجم من الأرض، ولم يحتج إلى بذور ولم يحفظ نوعه ببذر كأنواع الحشائش، وذلك أنه في أفق الجماد، والفرق بينهما هو هذا القدر اليسير من الحركة الضعيفة في قبول أثر النفس"
وهي النباتات التي تتكاثر بوساطة الخلايا الجرثومية، التي يقول فيها علماء النبات العصريون: إنها تشكل قسماً عظيماً من أقسام العالم النباتي وتحتوي على الفطريات والطحالب وغيرها من نباتات بسيطة التركيب (الثالوسيات)، التي تتركب من خلية واحدة، أو من عدد من الخلايا المتصلة، تتكون من طبقة أو طبقتين أو أكثر من الأنسجة الخلوية، ولا يتميز فيها الجذر من الساق أو الورق، ويقولون بأن الجسم الخلوي عبارة عن مجموعة من الأنسجة الخلوية يتركب عادة من طبقتين أو أكثر من الطبقات تكون في أغلب الأحيان مسطحة أو مستطيلة أو متفرعة، ومنها تتكون مادة النباتات ذوات الخلايا الجرثومية، ويقصد "ابن مسكويه" بها مرتبة الحشائش والأعشاب لكنه استدرك بعد ذلك، فقال: "إلا أن أول هذه المرتبة متصل بما قبله، واقع في أفقه، وهو ما كان من الشجر على الجبال وفي البراري المنقطعة، وفي الغياض، وجزائر البحار، ولا يحتاج إلى غرس بل ينبت لذاته، وإن كان يحفظ نوعه بالبذر، وهو ثقيل الحركة بطيء النشوء". "ولا يزال هذا الأثر يقوى في نبات آخر يليه في الشرف والمرتبة إلى أن يصير له من القوة في الحركة، بحيث يتفرع وينبسط ويتشعب ويحفظ نوعه بالبذر ويظهر فيه من أثر الحكمة أكثر مما يظهر في الأول، ولا يزال هذا المعنى يزداد في شيء بعد شيء ظهورا إلى أن يصير إلى الشجر الذي له ساق وورق وثمر يحفظ نوعه، وغراس يضعونها بها حسب حاجته إليها، وهذا هو الوسط من المنازل الثلاث"
ثم قال في المرتبة الثالثة من مراتب النبات: "ثم يتدرج في هذه المرتبة، ويقوى هذا الأثر فيه، ويظهر شرفه على ما دونه حتى ينتهي إلى الأشجار الكريمة التي تحتاج إلى عناية من استطابة التربة واستعذاب الماء والهواء لاعتدال مزاجها، وإلى صيانة ثمرتها التي تحفظ بها نوعها، كالزيتون، والرمان، والسفرجل، والتفاح، والتين وأشباهها". ويقصد بذلك النباتات ذات البذور من مرتبة ذوات الفلقتين، حسب التقسيم الذي يجري عليه النباتيون في هذا العصر.. ثم تدرج من ذلك إلى القول بأنه:
"إذا انتهى إلى ذلك — أي النبات — صار في الأفق الأعلى من النبات، وصار بحيث إن زاد قبوله لهذا الأثر لم يبق ٍ له صورة النبات، وقبل حينئذ صورة الحيوان." وبعد أن ذكر في النخل حالات تشابه ما ذكره إخوان الصفا، أي حدثت له حالة انقلابية من النباتية إلى الحيوانية (أي حدثت له طفرة) حسب التعبير الدارويني.
"أن هذه المرتبة الأخيرة من النبات، إن كانت في شرفه فإنها أول أفق الحيوان، وهي أدون مرتبة فيه واخسها، وأول ما يرقى النبات في منزلته الأخيرة ويتميز به عن مرتبته الأولى، هو أن ينقلع من الأرض ولا يحتاج إلى إثبات عروقه فيها بما يحصل له من التصرف بالحركة الاختيارية، وهذه المرتبة الأولى من الحيوان ضعيفة لضعف أثر الحس فيها، وإنما يظهر فيها بجهة واحدة أعني حس واحد هو الحس العام الذي يُقال له: حس اللمس، كما في الصدف وأنواع الحلزون الذي يوجد في شواطئ الأنهار وسواحل البحار"
وهذه هي المراتب الانتقالية التي ذكرها "ابن مسكويه" أي نشوء بعض الأحياء من بعض. أي نشوء النبات من الجماد، ونشوء الحيوان من النبات، يشمل بالضرورة نشوء صوره العديدة التي تُساق الصور الحية متدرجة فيه نحو كل مرتبة من هذه المراتب التي ذكرها، ولقد نستدل على ذلك أنه قد وصل إلى النقطة الحاسمة التي يتفق بها مع [دارون] بقوله: إن الإنسان ناشئ من آخر سلسلة البهائم، وإنه بقبول الآثار الشريفة من النفس الناطقة وغيرها يرتقي حتى رتبة أعلى من مراتب البشر، فقال في المراتب التي تدرج الإنسان ممعنًا فيها حتى حصلة على صورته الحاضرة: إنها «مراتب القرود وأشباهها من الحيوان الذي قارب الإنسان في خلقة الإنسانية، وليس بينها إلا اليسير الذي إذا تجاوزه صار إنسان [أي نفس ما قاله دارون بعده بثمانية قرون]
كما أنه قال في كتابه "تهذيب الأخلاق" في "الأجسام الطبيعية" بعد أن ذكر انتقال الحيوانات التي لم تُعط من قوة الفهم إلا النزر اليسير إلى مرتبة القرود، وانتقال هذه إلى مرتبة الإنسانية ما نصه:
"ثم يصير من هذه المرتبة إلى مرتبة الحيوان الذي يحاكي الإنسان من تلقاء نفسه، ويشبهه من غير تعليم كالقرود وما أشبهها، وتبلغ من ذكائها أن تستكفي من التأديب بأن ترى الإنسان يعمل عملا فتعمل مثله من غير أن تحوج الإنسان إلى تعب بها ورياضة لها. وهذه غاية أفق الحيوان التي إن تجاوزها وقبل زيادة يسيرة خرج بها عن أفقه وصار في أفق الإنسان الذي يقبل العقل والتمييز والنطق والآلات التي يستعملها والصور التي تلائمها، فإذا بلغ هذه المرتبة تحرك إلى المعارف، واشتاق إلى العلوم، وحدثت له قوى وملكات ومواهب من الله عز وجل يقتدر بها على الترقي والإمعان في هذه المرتبة، كما كان ذلك في المراتب الأخرى التي ذكرناها، وأول هذه المراتب من الأفق الإنساني المتصل بآخر ذلك الأفق الحيواني، مراتب الناس الذين يسكنون في أقاصي المعمورة من الأمم التي لا تميز عن القرود إلا بمرتبة يسيرة، ثم تتزايد فيهم قوة التمييز والفهم إلى أن يصيروا إلى أواسط الأقاليم، فيحدث فيهم الذكاء وسرعة الفهم والقبول للفضائل، وإلى هذا الموضع ينتهي فعل الطبيعة التي وكلها الله عز وجل بالمحسوسات."
****
وتناول "ابن خلدون" ـ ولد في تونس عام 732هـ ـ 1332م، وتوفي في القاهرة عام 808هـ ـ 1406م تناول في مقدمته الشهيرة وجهاً آخر من وجوه النشوء والارتقاء وهو: تأثير طبيعة الأقاليم في البشر من سواد وبياض وطبائع في الأبدان والألوان والألسن، وكذلك تأثيرها في الحيوان، كما أنه جاء على ذكر الخلق وتدرج المخلوقات من التراب وترقيتها حتى وصولها إلى الإنسان نفسه على الصورة التالية:
"ولا شك أن للجوع أيضا آثارا في الأبدان؛ لأن الضدين على نسبة واحدة في التأثير" ولقد قال في "تفسير حقيقة النبوة" شارحا تسلسل بعض الأحياء من بعض: "ثم انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج؛ فآخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات مثل الحشائش وما لا بذر له، وآخر أفق النبات مثل النخل والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف، ولم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط. ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد الغريب لأن يصير أول أفق الذي بعده، واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه، وانتهى في تدريج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر والروية، ترتفع إليه من عالم القدرة الذي اجتمع فيه الحس والإدراك ولم ينته إلى الروية والفكر بالفعل، وكان ذلك أول أفق من الإنسان بعده وهذا غاية مشهودنا".. هذا ما قاله ابن خلدون، وهو لا يبعد عما ذكره كثيرون قبله وحتى من بعده!
****أما
وأما الجاحظ ـ ولد في مدينة البصرة عام 159 هـ ــ 776 م تقريبًا، وتُوفي فيها عام 255 هـ ــ868 فقد أورد في كتابه "الحيوان" مشاهدات يعتبرها الباحثون من مقومات مذهب النشوء، منها ما قاله في التلاقح وتزاوج الضروب وإنتاج الأنسال الجديدة، فقال: "إن بني ذكورة الخنافس والجعلان تسافد، وإنهما ينتجان خلقً ينزع إليهما جميعا." وقال في ظهور الخاصيات المتوارثة على قدر من العمر:
"إن الجعل يظل دهرا ولا جناح له، ثم ينبت له جناحان كالنمل الذي يغبر دهرا لا جناح له ثم ينبت له جناحان، وذلك عند هلكه، والدعاميص قد تغري حينًا ثم تصير فراشا، وليس كذلك الجراد والذباب؛ لأن أجنحتها تنبت على مقدار من العمر ومرور من الأيام."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ:
مراجع هذه الدراسة:
القرآن الكريم. (1
2) كتاب جارلس دارون: "أصل الأنواع" ومقدمته المهمة التي كتبها "إسماعيل مظهر" قبل قرن تقريباً ـ عام 1928 ـ وهي مقدمة مهمة جداً اعتمدنا بعضاً منها في بحثنا هذا!
3) رسائل "أخوان الصفا وخلان الوفا" (الرسالة العاشرة).عن مؤسسة هنداوي!!
4) بالإضافة إلى كتب ومجلات وكتابات متفرقة كثيرة أخرى.
#خلف_الناصر (هاشتاغ)
Khalaf_Anasser#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟