خلف الناصر
(Khalaf Anasser)
الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 15:29
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
بالتأكيد أن الكثيرين ممن سيقرأون هذا العنوان سيستغفرون الله ألف مرة ويلعنون دارون ومن والاه، ويعتبرون جمعنا للاثنين معاً كفر وزندقة وبهتان!
في حين أن معظمهم لم يقرأ لدارون ولم يقرأ القرآن، ولا يعرف من كتاب الله سوى البسملة وبعض آيات قصار وما فسره له منها فلان وعلان، وكذلك لا يعرفون عن دارون ونظريته وكتابه "أصل الأنواع" إلا العنوان وما أشاعه عنه الآخرون من هذيان!
وهذه هي بالضبط الإشكالية الخطيرة التي تعاني منها مجتمعات المسلمين:
فهم: يتهمون قبل أن يتأكدون، ويكفرون قبل أن يفهمون، ويحرضون قبل أن يقرأون، ويقتلون قبل أن يتيقنون.....الخ
ونحن هنا نحاول فتح [كوة صغيرة] لندخل الضوء منها إلى هذه الشبكة من العقد المركبة عند المسلمين، والمساهمة مع الآخرين في إزالة هذه العقد المجتمعية، وتقليل حجم سوء الفهم المركب والهائل هذا عند اغلبية المسلمين، وبودنا أن نشهد ـ بعد حين ـ مصالحة حقيقية بين الاسلام والعلم الحديث، وبين المسلمين والعصر الحديث المجتمع الحديث، لأننا بصراحة لا نستطيع أن نتصالح مع العلم الحديث مالم تتصالح مع العصر الذي أنتجه، على أن تبدأ المصالحة من أرضية إسلامية تقنع أغلبية المسلمين!
لأننا نعتقد أن تراثنا الحضاري والفكري والديني، يؤهلنا لأخذ مثل هذه الخطوة المصيرية نحو العلم الحديث والعصر الحديث، ويشهد لنا الماضي بأننا قد خضنا مثل هذه التجربة العظيمة، وعقدنا مثل هذه (المصالحة الحضارية) مع حضارات كبرى سبقتنا: كالإغريقية والفارسية والهندية وغيرها!
والقرآن الكريم نفسه يحوي (مواد خام) ـ سنأتي بأمثال منها ـ يمكنها أن تشكل لنا جسراً يعبر بنا إلى العلم الحديث والعصر الحديث والمجتمع الحديث!
فالإسلام الحقيقي ـ وليس المصنع أو المسيس ـ يمتلك أدوات البداية لنهوض العرب والمسلمين، وهذا ما سنحاول البرهنة عليه في بعض مقالاتنا المستوحاة من القرآن نفسه، مبتدؤون مشوارنا هذا بمقالنا المتواضع هذا!
****
وقبل أن نبدأ:
علينا أن نتمهل قليلاً قبل الالتقاء بدارون، ولنذهب إلى موضوعتنا الأهم مباشرة ونفتح بعض نوافذها الضيقة، ونطل منها على حقائق ذكرها القرآن لكن لم يعرفها الأولون بالتأكيد، بحكم ظروفهم الموضوعية وحدود العلم الذي اغترفوا منه علومهم ومعارفهم ومجمل مقومات تفكيرهم منه أنذك، والتي دبجوا بها كل تصوراتهم ومعارفهم عن الكون والحياة والوجود، عند تفاسيرهم لبعض الكتب السماوية وأولها القرآن:
ففي القرآن الكريم ـ وطبعاً في كتب دينية أخرى ـ إشارات ورموز متفرقة مبثوثة هنا وهناك، تتماها مع العلم الحديث وتشير إلى الكثير من الحقائق العلمية أو على الأقل لا تتعارض معها، والتي أثبت العلم الحديث صحة بعضها.
وهذه قضية أو ظاهرة تستحق الالتفات والاهتمام بها والنظر إليها بعيون علم محايدة، وبدون أحكام مسبقة أو إيديولوجيا مانعة أو نمطية فكرية سائدة ـ عند الكاتب والمتلقي ـ وليتجاوزوا معا، الصنمية والنمطية المتفشية بين بعض النخب الثقافية والإيديولوجية، التي ينظرون بها إلى مثل هذه القضايا المهمة، والتي لا تعرف أهميتها إلا بعد الانغماس في تفاصيلها.
كما أن الدين نفسه: بحاجة لتجاوز التفكير النمطي الذي ينظر به إليه، فالدين يعد واحداً من أهم الظواهر اللصيقة بــ (الإنسان وحده) من بين جميع المخلوقات، وهو الوحيد الذي رافقه في جميع مراحل حياته منذ الخليقة إلى اليوم!
وليس معلوماً أو وارداَ وحتى ليس معقولا، أن يختفي الدين أو ينتهي من حياة البشر في أي عصر أو زمن آت. فالواجب إذا تصحيح زاوية النظر في رؤية رفيق الانسان الأبدي، بواقعية وليس نظرية نمطية فقط!
****
فالقرآن مثلاً:
كتاب ديني وليس كتاباً علمياً بحتاً، حتى يطلب منه وضع نظريات علمية ويشرحها شرحا رياضياً مفصلاً، إنما هو يرمز إلى بعض تلك الحقائق العلمية ترميزاً أو إيحاءً، ويترك استنباط معرفتها وتفاسيرها إلى عموم الناس، وليس للمتصدرين لمنبر التفسير وحدهم، ومن الطبيعي أن كل من هئولاء سيفسرها حسب علمه وفهمه المشتق من العلوم السائدة في عصره، وطبيعي أيضاً أن يفسرها كل منهم في حدود معرفته الشخصية ومستواه العلمي والعقلي وفهمه لحقائق ما توصل إليه العلم في عصره، وكذلك من الطبيعي جداً أن تختلف التفاسير باختلاف الاشخاص وباختلاف العصور وباختلاف المجتمعات، ووفق نضج العلوم في كل منها في كل عصر تاريخي على حدة.. ومن الواجب على عصرنا هذا أن يبدي رأيه ويقول كلمته في مثل هذه المواضيع هو أيضاً!
ففي القرآن ترد آيات كثيرة ذات منطوق علمي:
تفسر طبيعة الكون والوجود والحياة، وتتطرق إلى عمليات خلق الكائنات الحية وأولها الإنسان، وتطوره البايالوجي بأطواره المختلفة وتطوره الحضاري أيضاً، فتعالوا معنا لنرى مدى علمية بعض الآيات القرآنية ذات المنطوق العلمي الظاهر، لنتعرف من خلالها على مدى صدقية أو عدم صدقية بعضها، من خلال التفسيرات التي وضعت لها من قبل الأولين وأخذ بها المحدثون كما هي!
فهل كانت تفسيراتهم قريبة من الصحة أم أنها كانت تلفيقيه وخرافية كما يراها البعض؟
****
وعودة على بدأ:
إن هدفنا من طرح مثل هذه الآراء ليس لغايات دينية أو دعوية ـ فنحن لسنا من هئولاء ـ إنما هي محاولة منا لاكتشاف ما في تراثنا، وللفت الانظار إلى بعض الحقائق العلمية التي تحويها بعض الكتب الدينية والقرآن في طليعتها، والأهم أنها محاولة لإقامة رؤوس جسور تربط بين المسلمين والعلم الحديث والعصر الحديث بأدوات اسلامية، تقبلها أغلبية المسلمين، وذلك من خلال تراثهم الفكري والديني والحضاري، الذي لا يتعارض في الجوهر مع العلم الحديث والعصر الحديث حسب اعتقادنا، وبداية مشوارنا هذا ستكون من القرآن الكريم!
****
وسنبدأ بالآيات التي تعطينا معلومات أولية عن كيفية خلق الكون وولادة الحياة فيه أولاً
فمثلاً: نقرأ في القرآن آية تقول:
"ان السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما.. وجعلنا من الماء كل شيء حي" (سورة الأنبياء آية: 30.(
فنلاحظ أن هذه الآية ذات منطوق ظاهره علمي، وهي تتكون من شقين:
شق أول: يصف انفصال السماء عن الأرض وولادة الكون بكل مكوناته!
وشق ثاني: يعرفنا بأن الحياة بكل درجاتها ـ "كل شيء حي" ـ قد انبثقت من الماء"!
فلنرى مدى علمية وصدقية ما احتوته هذه الآية:
لقد فسرت هذه الآية بشقيها في الماضي تفسيرات مختلفة ومتعددة في عصور مختلفة. ففي الشق الأول: وفي حدود المعرفة العلمية التي كانت سائدة في كل تلك العصور، وتحت سقف معرفة كانت تقول: أن الكون هو عبارة عن: [سماء وأرض فقط]! وهما اللذان يشكلان ـ حسب معرفتهم ـ كل الكون، وعلى شكل (كتلة واحدة متماسكة). أي أنهما حسب التعبير القرآني: "كانتا رتقا": أي، أنهما كانتا كتلة واحدة صماء! "ففتقناهما": أي، جعلناهما كتلاً كثيرة متعددة!
[لغوياً: الــرتــق: الجسم الواحد المتماسك.. والــفــتــق: تفتت أو تفتيت الجسم الواحد إلى أجساما كثيرة!]
لكن في هذا العصر وفي ضوء ما توصل إليه العلم الحديث:
يمكن القول أو الافتراض أن هذه الآية تشير إلى أو تتماها مع نظرية "الانفجار العظيم" الذي أنبثق عنه كوننا الحالي بكل مجراته وسدمه وشموسه وكواكبه وأرضينه!
فنظرية "الانفجار العظيم" تقول: أن الارض والسماء ـ وكل مكونات الوجود ـ كانتا عبارة عن سديم واحد عظيم الحجم، فوقع انفجار هائل لذلك السديم العظيم أدى إلى انفصال جميع محتوياته عن بعضها، فتكونت بفعلها جميع السدم والمجرات والنجوم والشموس والأرضين والكواكب ....الخ
والآية في شقها الأول تقول: "ان السماوات والارض كانتا رتقا ففتقناهما" وهي بمضمونها ومنطوقها هذا، تكاد أن تتطابق حرفياً مع نظرية "الانفجار العظيم". فمقابل نظرية "الانفجار العظيم" الحديثة، تأتي هذه الآية لتقول النظرية نفسها تقريباً، لكن بتعابير أخرى وألفاظ مختلفة: فذلك السديم العظيم الهائل [القرآن يسميه: "كانتا رتقاً".] أي، أنهما كانتا كلاً واحداً أو كتلة واحدة متماسكة..
فـ "الــرتــق" في القرآن يعني ذلك "السديم العظيم الهائل" عينه، الذي وصفته نظرية "الانفجار العظيم".. و"فتقناهما" في القرآن: أي، فصلنا السماء عن الأرض، تعطي معنى "الانفجار العظيم" نفسه، الذي تشكل الكون بجميع سدمه ومجراته ونجومه...الخ
وهكذا لا نرى فرقاً كبيراً بين:
نظرية "الانفجار العظيم" ومنظور "الرتق و الفتق" الذي ورد في القرآن إلا في التعبير اللفظي وحده، فهما متفقان ومتماهيان في جوهر المعنى، لكنهما مختلفان في التعبير اللفظي عن ذلك الجوهر الواحد.. فالقرآن يتكلم بالرمز والإيحاء، والنظرية تتكلم بشروحات تفصيلية فتفهم محتوياتها أكثر!
****
أما الشق الثاني من الآية: "وجعلنا من الماء كل شيء حي": بعد أن ["فتقناهما" الذي يعني "الانفجار العظيم"] وتكون السدم والمجرات والكواكب والأرض....الخ، ونتيجة "لــفــتـــق" (السماء والأرض) وبعد عصور كثيرة تلت ذلك الانفجار، ظهر الماء على الأرض فجاءت كل الكائنات الحية إلى الوجود مقرونة بالماء اقتران النتيجة بالسبب! وبالماء ومنه تم خلق كل الكائنات الحية بدليل: أن نسبه الماء في أجساد جميع المخلوقات الحية تشكل أكبر كتلة من حجمها الكلي، بما يعني ويشير إلى أن ظهور الحياة بكل صورها بدأت في الماء ومن الماء، ثم انتقلت بعدها الى اليابسة على شكل مخلوقات مائية في البداية، ثم تطور كل جنس منها إلى نوع مستقل بنفسه عنها جميعها، فبقي بعضها مائياً وتطور بعضها إلى كائن برمائي، وبعضها الآخر إلى كائن بري!
فهذا الشق من الآية:
((وجعلنا من الماء كل شيء حي)) بمنطوقه وجوهر فكرته يتوافق ً تماماً مع النظرية العلمية الحديثة التي تقول: بأن الحياة بدأت في البحار وانبثقت منها وانطلقت عنها، وتدرجت المخلوقات ـ بما فيها الإنسان ذاته ـ تتطور بيولوجيا إلى أن وصل كل كائن منها إلى صورته الحالية!
لــكـــن:
هل فهم أو فسر المفسرون الأولون هذه الآية بشقيها بهذه الصورة أو بصور أخرى؟
يمكن القول: بحدود العلم المتاح لهم أنذك، كان مستحيلاً عليهم أن يصلوا إلى مثل هذا الفهم في تفسيراتهم لتلك الآية؟ فلهم العذر بأنهم فسروها بتفسيرات أخرى بعيدة كل البعد عن جوهرها الحقيقي هذا، كما أن لهم العذر أيضاً بأنهم فهموا القرآن وفسروه لفظيا فقط، وبعيداً عن حقيقة كل ما ورد فيه!
****
قد لا يصدق البعض مثل كل هذه التصورات عن الدين وعن وجود حقائق علمية في القرآن والكتب الدينية الأخرى وهذا حقه، لكن هناك حق مماثل للذن يصدقونها ويعتقدون بها، ومن الواجب سماعهم هم أيضاً.
فالمهم أن تسمع كل الآراء مهما اختلفت، والأهم ألا يحجر على الآراء المخالفة لبعض القناعات النمطية السائدة!
يـــتــبــــعه
تطور الانسان بين دارون والقرآن!؟
#خلف_الناصر (هاشتاغ)
Khalaf_Anasser#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟