فرست مرعي
كاتب
(Farsat Marie)
الحوار المتمدن-العدد: 8870 - 2026 / 10 / 26 - 02:53
المحور:
القضية الكردية
لم يكن بناء الدولة الحديثة في أوروبا وكوردستان مسارًا منفصلًا عن التحولات التي أصابت العلاقة بين السلطة المركزية والقوى الاجتماعية والمحلية. ففي كلتا التجربتين واجهت السلطة المركزية مشكلة أساسية تمثلت في وجود قوى محلية تمتلك نفوذًا على الأرض والسكان، وتستطيع أن تمارس وظائف تتصل بالحكم والأمن والجباية والقضاء والتجنيد. غير أن طبيعة هذه القوى اختلفت بحسب الظروف التاريخية؛ ففي أوروبا ظهرت في صورة البارونات والكونتات والنبلاء وأصحاب الإقطاع، بينما ظهرت في كوردستان في صورة الأمراء والبكوات والأعيان وشيوخ القبائل ورؤساء العشائر والزعامات الدينية. ومن ثم فإن المقارنة بين التجربتين لا ينبغي أن تقوم على اعتبار البارون الأوروبي مساويًا لشيخ القبيلة الكوردي، وإنما على دراسة الوظيفة السياسية والاجتماعية التي أدتها هذه النخب المحلية في مواجهة السلطة المركزية.
كانت الدولة الأوروبية في مراحلها الأولى مضطرة إلى التعامل مع النبلاء المحليين باعتبارهم أصحاب نفوذ فعلي، إذ كانت قدرتها على الوصول المباشر إلى السكان والأرض محدودة. وكان البارون أو الكونت يستطيع أن يجمع الموارد، ويحتفظ بقوة مسلحة، ويفرض نفوذه القضائي والإداري في نطاق إقطاعه، ويؤدي دور الوسيط بين السكان والملك. ومع تطور الملكيات المركزية بدأت هذه الصلاحيات تنتقل بصورة تدريجية إلى أجهزة الدولة، وأخذت الإدارة الملكية تحل محل السلطات المحلية في مجالات الجباية والقضاء والأمن والتجنيد. وبذلك لم يكن بناء الدولة الأوروبية الحديثة مجرد تغيير في شكل الحكم، وإنما كان عملية طويلة لنقل وظائف السلطة من الأشخاص والعائلات والنخب المحلية إلى المؤسسات المركزية.
وتكشف التجربة الكوردستانية، ولا سيما في العهد العثماني، عن مسار يمكن مقارنته بهذه العملية، مع اختلاف الظروف والنتائج. فقد اعتمدت الدولة العثمانية في أجزاء واسعة من كوردستان على الإمارات والأمراء المحليين بوصفهم وسطاء بينها وبين السكان. وكانت الإمارات الكوردية، مثل: بهدينان وبابان وسوران وبوتان، أشكالًا من الحكم المحلي غير المباشر؛ إذ كان الأمير يتمتع بسلطة واسعة داخل إمارته، بينما يعترف في الوقت نفسه بسيادة الدولة العثمانية. ويصف الباحث التركي "صبري عتيق" الإمارات الكوردية بأنها من أطول أشكال الإدارة المحلية غير المباشرة استمرارًا، ويرى أن صعود الدولة الحديثة وتوسع مؤسساتها قللا الحاجة إلى العلاقة التكافلية بين المركز الإمبراطوري والقوى المحلية في الأطراف.
وهكذا كان الأمير الكوردي يؤدي وظيفة شبيهة، من الناحية البنيوية، بالوظيفة التي أداها بعض النبلاء الأوروبيين: فهو صاحب نفوذ محلي، ووسيط بين المركز والمجتمع، وقادر على حشد القوة البشرية والعسكرية، ويمتلك شبكة من العلاقات مع القبائل والعشائر والزعامات الدينية. لكن الفارق أن الإمارة الكوردية نشأت في سياق الحدود الإمبراطورية والصراع العثماني الصفوي، وكانت ترتبط بنظام الولاء والسيادة الإمبراطورية، بينما تطورت الإقطاعيات الأوروبية داخل بنية تاريخية مختلفة.
ومع صعود المركزية العثمانية في القرن التاسع عشر بدأ هذا النظام يتعرض للتفكيك. فقد سعى السلطان محمود الثاني ثم إصلاحات التنظيمات إلى إخضاع الأطراف لإدارة أكثر مباشرة، وإلى تقليص استقلال الإمارات والقوى المحلية. وكان القضاء على الإمارات الكوردية جزءًا من هذه العملية. وقد أظهرت دراسة "متين أتماجا" أن بابان كانت آخر الإمارات الكوردية التي تخلت عن مقاومتها لإصلاحات المركزية العثمانية، وأن إصلاحات التنظيمات أدت جزئيًا إلى تحويل بعض الأعيان الكورد إلى عناصر في جهاز الدولة، في الوقت الذي فشلت فيه الإدارة الجديدة في إقناع السكان بسهولة بجدوى النظام المركزي.
لكن القضاء على الإمارة لم يعنِ القضاء على المجتمع الذي كانت الإمارة تستند إليه. وهذه نقطة أساسية في فهم التطور السياسي الكوردي. فعندما أزيل الأمير، لم تختفِ القبيلة، وإنما أعيد توزيع السلطة داخل المجتمع المحلي. فقد انتقل جانب من النفوذ من الأمير إلى شيوخ القبائل ورؤساء العشائر والزعامات الدينية. بل إن الإدارة العثمانية نفسها اضطرت في بعض المناطق إلى تعيين شيوخ القبائل في وظائف إدارية، لأن الدولة لم تكن قادرة على إدارة المناطق الطرفية بصورة مباشرة. وتبين المصادر أن الإدارة العثمانية استخدمت رؤساء القبائل أحيانًا لإدارة النواحي، في محاولة للسيطرة على الأمن والضرائب والتجنيد من خلال الشخصيات التي تتمتع أصلًا بنفوذ اجتماعي محلي.
وهنا يظهر تشابه مهم مع التجربة الأوروبية؛ فالدولة المركزية لم تنتقل من مرحلة «النخبة المحلية» إلى مرحلة «الموظف الحكومي» دفعة واحدة، وإنما حاولت تحويل صاحب النفوذ المحلي من منافس للدولة إلى أداة من أدواتها. ففي أوروبا أصبح النبيل، في مراحل لاحقة، جزءًا من الدولة المركزية أو من الطبقة الإدارية والسياسية الجديدة، بينما حاولت الدولة العثمانية تحويل بعض الأعيان والأمراء المحليين إلى موظفين أو متعاونين معها. وتظهر دراسة أتماجا أن بعض النخب الكردية التي فقدت سلطتها الإميرية دخلت لاحقًا في جهاز الدولة البيروقراطي.
وبذلك يمكن تصور التحول في كوردستان على النحو الآتي: انتقلت السلطة من «الأمير» إلى «شيخ القبيلة»، ومن شيخ القبيلة إلى «الزعيم المحلي المرتبط بالإدارة»، ثم إلى «القائمقام والمتصرف والموظف الحكومي»، إلا أن هذه المراحل لم تكن منفصلة تمامًا، بل تداخلت، وظلت العلاقات الاجتماعية التقليدية تعمل داخل المؤسسات الحديثة. ومن هنا فإن الدولة الحديثة لم تقضِ على السلطة التقليدية بقدر ما أعادت تنظيمها وإدماج بعضها في مؤسساتها.
غير أن التحول الأهم حدث مع ظهور الأفكار القومية الحديثة والحركات السياسية الكردية في أواخر العهد العثماني وبدايات القرن العشرين. فقد كانت القومية نفسها، بوصفها فكرة سياسية، جزءًا من التحولات الأوروبية الحديثة التي انتقلت إلى الشرق عبر التعليم والصحافة والبعثات والجامعات والمدن الكبرى والنخب المثقفة. ولم تكن القومية الكوردية استثناءً من هذه العملية؛ فقد بدأ المثقفون والسياسيون الأكراد يستخدمون مفاهيم جديدة مثل الأمة والحقوق القومية والوطن واللغة والتمثيل السياسي والاستقلال أو الحكم الذاتي. وتشير الدراسات الخاصة بتاريخ القومية الكردية إلى أن بدايات السياسة الكوردية الحديثة تشكلت في البيئة المتأخرة للإمبراطورية العثمانية، ثم تطورت بصورة أكبر بعد سقوطها وتقسيم المناطق الكوردية بين دول جديدة.
وهنا دخل عنصر جديد إلى المعادلة، هو «الحزب السياسي». فالحزب لم يكن مجرد استمرار للقبيلة، وإنما كان مؤسسة حديثة نشأت متأثرة بالنماذج الأوروبية للأحزاب والحركات القومية والاشتراكية. وقد أخذت التنظيمات الكوردية الحديثة من التجربة السياسية الأوروبية فكرة التنظيم والعضوية والبرنامج والقيادة واللجان والصحافة السياسية والتعبئة الجماهيرية، كما تأثرت التيارات الكوردية اليسارية بصورة واضحة بالأفكار الاشتراكية والماركسية التي انتشرت في المنطقة خلال القرن العشرين. ومن ثم فإن ظهور الحزب الكوردي يمثل انتقالًا مهمًا من السياسة القائمة على الزعامة الشخصية والعائلية إلى السياسة القائمة نظريًا على التنظيم والفكرة والبرنامج.
لكن المفارقة أن الحزب الحديث، عندما دخل إلى المجتمع الكوردي، لم يجد مجتمعًا خاليًا من البنى التقليدية. فقد واجه مجتمعًا تتداخل فيه العائلة والعشيرة والمنطقة والزعامة الدينية مع السياسة. ولذلك لم يستطع الحزب، مهما كان خطابه قوميًّا أو اشتراكيًّا أو يساريًّا، أن يتجاهل هذه البنية. وهنا بدأت عملية إعادة إنتاج العلاقة القديمة في شكل جديد: فكما كانت الدولة العثمانية تتعامل مع الأمير ثم مع شيخ القبيلة، أصبح الحزب يتعامل مع الزعيم المحلي والعشيرة والعائلة. وبذلك انتقل جزء من العلاقة من «الأمير والقبيلة» إلى «الحزب والقبيلة».
وتتضح هذه الظاهرة بصورة خاصة في التجربة الكوردية العراقية. فقد تأسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني سنة 1946م في سياق قومي حديث، وكان متأثرًا بالتطورات السياسية التي شهدتها الحركة الكوردية في إيران والعراق وبالتجارب الحزبية القومية في القرن العشرين. وفي الوقت نفسه احتفظت القيادة السياسية بصلات قوية مع البنية الاجتماعية والعشائرية في المناطق التي تحركت فيها. ولم يكن ذلك بالضرورة تناقضًا مع الحداثة الحزبية، بل كان نتيجة لطبيعة المجتمع الذي عمل الحزب داخله. وقد أظهرت الدراسات الحديثة أن اختزال الحزب الديمقراطي الكوردستاني في كونه «حزبًا قبليًا» يظل تبسيطًا؛ إذ كان حزبًا حديثًا في تنظيمه وخطابه، لكنه عمل داخل شبكة من الولاءات الاجتماعية والعائلية والعشائرية.
أما الاتحاد الوطني الكوردستاني، الذي تأسس سنة 1975م، فقد جاء في سياق مختلف وأكثر تأثرًا بالخطاب اليساري والاشتراكي والتنظيمات الثورية في الشرق الأوسط والعالم. وكان جلال طالباني وإبراهيم أحمد يمثلان تيارًا سياسيًا أكثر ارتباطًا بالفكر اليساري، وبذلك بدا أن هناك محاولة للانتقال من نموذج القيادة التقليدية إلى نموذج الحزب الحديث. إلا أن هذا الانتقال لم يؤدِّ إلى اختفاء العلاقات المناطقية والعائلية والعشائرية، لأن الحزب كان يعمل داخل المجتمع نفسه، ويحتاج إلى بناء قواعد اجتماعية وعسكرية وسياسية محلية. ولذلك فإن الفرق بين الحزبين لا يمكن تفسيره ببساطة على أساس أن أحدهما «قبلي» والآخر «يساري»، فكل منهما جمع بدرجات مختلفة بين التنظيم الحديث وشبكات المجتمع التقليدي.
وهذا يوضح أن التأثير الأوروبي في الأحزاب الكوردية لم يكن تأثيرًا يؤدي بالضرورة إلى القطيعة مع الماضي، وإنما كان تأثيرًا في شكل التنظيم السياسي ولغته ومفاهيمه. فقد انتقلت من أوروبا مفاهيم الأمة والقومية والاشتراكية والحزب والبرنامج والتنظيم والتمثيل السياسي، لكن هذه المفاهيم أعيد تفسيرها داخل بيئة كوردية لها تاريخ طويل من الإمارة والقبيلة والعشيرة والزعامة الدينية. ولهذا لم تنتج الحداثة الحزبية نسخة مطابقة للحزب الأوروبي، وإنما نشأ نموذج هجين يجمع بين التنظيم الحديث والروابط الاجتماعية التقليدية.
وتظهر هذه المفارقة بصورة أوضح إذا قورنت الأحزاب الكوردية بالتطور الأوروبي. ففي أوروبا ساهم تطور الدولة المركزية في تراجع السلطة السياسية للنبلاء المحليين، ثم ظهر الحزب السياسي الحديث بوصفه مؤسسة منفصلة نسبيًا عن العلاقات القرابية والإقطاعية. أما في كوردستان فقد ظهرت الأحزاب الحديثة قبل اكتمال عملية بناء الدولة القومية الكوردية، بل في ظل دول مركزية أخرى، ولذلك اضطرت إلى الجمع بين الوظيفة الوطنية والوظيفة الاجتماعية والعسكرية. ومن هنا أصبح الحزب في بعض المراحل يؤدي وظائف تشبه تلك التي كانت تؤديها الدولة نفسها: توفير الحماية، وتنظيم القوة، وحل النزاعات، وتقديم الخدمات، والتفاوض مع القوى المحلية والدولية.
ولهذا فإن انتقال السلطة من القبيلة إلى الدولة في كوردستان لم يكن انتقالًا مباشرًا، بل مر بسلسلة من الوسائط: الأمير، ثم شيخ القبيلة، ثم الإدارة العثمانية، ثم القائمقام والمتصرف والموظف، ثم الحزب السياسي، وأخيرًا مؤسسات الحكم الذاتي والدولة الإقليمية. وكل مرحلة لم تلغِ السابقة بصورة كاملة، بل حملت معها بعض عناصرها. فالشيخ قد يصبح مسؤولًا إداريًا، والزعيم المحلي قد يتحول إلى قائد حزبي، والحزب قد يتحول إلى مؤسسة حاكمة، بينما تستمر الشبكات العائلية والعشائرية داخل المؤسسات السياسية الحديثة.
وهنا تكمن أهمية المقارنة مع أوروبا؛ إذ إن المسألة المشتركة في التجربتين هي انتقال السلطة من الأشخاص والجماعات المحلية إلى المؤسسات، لكن الاختلاف في سرعة هذا الانتقال ومداه. فقد استطاعت الدولة الأوروبية الحديثة، بعد صراعات طويلة، أن تضعف بصورة أكبر الاستقلال السياسي للنبلاء المحليين وأن تجعل الجيش والشرطة والقضاء والجباية وظائف مؤسسية. أما في كوردستان والشرق الأوسط عمومًا فقد ظلت الدولة في مراحل مختلفة بحاجة إلى القوى المحلية، بسبب ضعف مؤسساتها أو اتساع الأطراف أو الظروف العسكرية والجغرافية، فاستمر التداخل بين الدولة والمجتمع المحلي.
ومن ثم فإن تأثير أوروبا في الحركة السياسية الكوردية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد تقليد للنموذج الأوروبي، بل بوصفه عملية انتقاء وإعادة صياغة. فقد أخذت النخب الكردية من أوروبا فكرة القومية والدولة والحزب والاشتراكية والتنظيم الحديث، لكنها لم تستطع أن تبدأ من مجتمع أوروبي افتراضي، وإنما كانت تعمل داخل مجتمع له ذاكرة سياسية واجتماعية مختلفة. ولهذا ظلت البنية العشائرية حاضرة حتى داخل بعض التنظيمات التي تبنت شعارات يسارية، كما استمرت الزعامة العائلية داخل بعض التنظيمات القومية.
وبهذا يمكن القول إن التاريخ السياسي الكوردي الحديث لم يكن صراعًا بين «القديم» و«الجديد» بقدر ما كان عملية تفاعل بينهما. فالحداثة السياسية لم تقضِ على القبيلة، والحزب لم يقضِ على الزعامة المحلية، والدولة لم تستطع دائمًا أن تستغني عن الوسيط الاجتماعي. وإنما أعادت كل مرحلة تعريف وظيفة القوة المحلية. فالأمير أصبح تاريخًا، وشيخ القبيلة أصبح وسيطًا، والوسيط أصبح موظفًا أو حليفًا، والزعيم المحلي أصبح في بعض الحالات قائدًا حزبيًا، والحزب نفسه تحول في مراحل لاحقة إلى أحد مكونات الدولة.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم التجربة الكوردستانية بوصفها جزءًا من تاريخ أوسع لبناء الدولة في الشرق الأوسط. فالسؤال لم يكن فقط: كيف انتقلت المجتمعات من القبيلة إلى الدولة؟ وإنما: كيف أعادت الدولة والحزب والإدارة الحديثة تشكيل القبيلة والزعامة المحلية؟ وهذه الصياغة أكثر دقة؛ لأنها لا تفترض اختفاء البنية التقليدية بمجرد ظهور المؤسسات الحديثة، بل تدرس قدرتها على التكيف وإعادة إنتاج نفسها داخل النظام الجديد.
وعليه، فإن المسار التاريخي يمكن اختصاره في سلسلة متداخلة لا متعاقبة بصورة صارمة: «الأمير والقبيلة، ثم الإدارة المركزية، ثم القائمقام والمتصرف، ثم الحزب السياسي، ثم الدولة الحديثة». وفي كل انتقال كانت هناك عملية نقل لبعض وظائف السلطة من شخص إلى مؤسسة، ومن العائلة إلى الإدارة، ومن الولاء المحلي إلى التنظيم السياسي، غير أن هذه العملية لم تكن كاملة. ولذلك بقيت العلاقات القبلية والعشائرية والعائلية قادرة على التأثير في السياسة حتى بعد ظهور الأحزاب الحديثة.
إن هذه الرؤية تسمح بفهم أكثر توازنًا لتاريخ الأحزاب الكوردية؛ فلا يصح وصفها بأنها مجرد امتداد للقبيلة، كما لا يصح اعتبارها قطيعة كاملة معها. لقد كانت أحزابًا حديثة في أفكارها وتنظيماتها، وتأثرت بدرجات مختلفة بالقومية الأوروبية والاشتراكية والتيارات السياسية الحديثة، لكنها اضطرت في الوقت نفسه إلى العمل داخل مجتمع يحمل إرثًا طويلًا من الإمارة والعشيرة والزعامة المحلية. ومن هنا جاءت خصوصية التجربة الكوردية: استيراد أدوات الحداثة السياسية الأوروبية، مع استمرار البنى الاجتماعية المحلية في التأثير في طريقة استخدام تلك الأدوات.
وهكذا فإن بناء الدولة في كوردستان لم يكن انتقالًا بسيطًا من القبيلة إلى الدولة، بل كان انتقالًا متدرجًا من سلطة الشخص إلى سلطة المؤسسة، ومن الأمير إلى الموظف، ومن شيخ القبيلة إلى الوسيط السياسي، ومن الزعيم المحلي إلى الحزب، ثم من الحزب إلى مؤسسات الحكم. غير أن كل مرحلة حملت معها آثار المرحلة السابقة، الأمر الذي جعل الدولة والحزب والقبيلة عناصر متداخلة في عملية سياسية واحدة. وهذه هي النقطة التي تجعل المقارنة بين أوروبا وكوردستان ذات قيمة تفسيرية؛ فالتجربتان تشتركان في صراع المركز مع القوى المحلية، لكن كوردستان احتفظت بصورة أطول وأوضح بالتداخل بين السلطة الرسمية والسلطة الاجتماعية، وهو ما انعكس لاحقًا على طبيعة الأحزاب الكوردية نفسها وعلى علاقتها بالدولة والمجتمع.
#فرست_مرعي (هاشتاغ)
Farsat_Marie#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟