أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - الزقاق الخرافي














المزيد.....

الزقاق الخرافي


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8869 - 2026 / 10 / 25 - 22:07
المحور: الادب والفن
    


تدفقت الذكريات المختزنة من نصف قرن في هذا الزقاق ...تغيرت اسماء المحال واستبدلت الشناشيل بقسوة الاسمنت,لكن مساحته لم تتغير, يبدا مستقيما من ساحة مركز للمدينة يتعرج قليلا ثم يستقيم..
المقهى اربع تخوت خشبية متلاصقة تفصلها عن تخوت مقهى مجاور قطعة خشب ظهر منها بخط رديء ‏( ومن يتق الله..‏) وضاعت التكملة بين التخوت.
يتقدم شاب رشيق بقميص مصفر وعينين ناطقتين , يقعي لثلث ساعة ساكنا وهو يدخن , يكفنه الصمت والتحديق!!.
يمر شرطيا مرور ,ثالثهم يزن ١٥٠ كيلو, يشغله سحل كرشه والعجيزة..
‏( العلامة المكردي ...ههه خوش كيس حب ..هه‏) اطلقها الرجل الخمسيني , ساخرا , وهو يرتدي دشداشة بلون الكمون .
– من هو المكردي ?
سأله صاحبي دافقا موجة من المرح.
– عالم سرسري
اجاب مبتسما وهو يمسك بالجريدة..
جذور المشاهد المعتقة تستعيد توهجها بمستويات ,مبتورة او ناضجة ,ثقلى او متدفقة حيوية التدرجات او مضببة..مخبأ للسياسيين في المقهى بين المهربين والسكارى والمشردين , بيت مستاجر لراقصة مصرية شهيرة ,حيث الملهى على بعد مائة متر يطل على الشارع الرئيسي..
شعر مرهان الذهبي اللامع المتدفق حتى ربلة ساقها حفيدة الاثرياء , تشل الزبائن وهي تخطو كل عصر لترصدهم من ثقوب الخشب .في الطابق العلوي من الشناشيل قبيل مهرجان الخفافيش مع اول الظلمة.
لساعتين يحاول ان يذيب اقراطها والاساور في طاولة ونار بريمز ,تلح زوجته المؤمنة ان يرميه خارجا.. ( وان كانت راقصة ,ليس لك الحق بسرقتها‏). مع الفجر رمى المصوغات في النهر..
قال رجل نحيل شبه مسن .. ‏ :
– ماذا عن زبون
– اسود رشيق طويل جدا يستدعى لحمل اثقال من البنايات الشاهقة يضع على كتفه ستين كيلو وينزل بها وهو يعلك ..مرددا اغنية ‏( عمي يا بياع الورد...‏).. فان شح العمل فرغيف ساخن وقطعة زبد ملفوفة بنايلون شفاف...تموع على الرغيف الناضج..
يتذكره الان بوضوح , في ظهيرة ساخطة تتلظى جمرا ,امسك بيد صبي نحيلة ومررها على سلاحه الفتاك ,اقشعر الصبي , عبثا حاول انقاذ يده من عمود تضخم بين الفخذين... وهو يجلس مستقرا على حصير تخت المقهى محركا عينيه حذر الانكشاف .

اضاف المسن النحيل :
– التحقت بالخدمة في اول العهد الجمهوري
– وكيف رأيت العهد الملكي
– ‏(عصر ذهبي..ليته يعود ....بعدها حدد هويات المحال القديمة وموقعها‏( هنا كان فرن ..هناك الحلاق الذي غسل عاره..ذلك مكوى , صاحبه يخدم بيوت الاثرياء ويذود عنهم مقابل مبلغ ووجبة شهية ‏) ..
في الفرع المجاور امراة انجبت عشرين صبيا يملؤون الدرب خراء ومرحا بلا ملابس داخلية ..يقابلهم نجارون خرسان مهرة.
خرسان...بدأ المشهد يتدفق واضحا فقد تزوج الرجل الذي شوه وجهه الجدري امرأة قصيرة خرساء يتصدر عربته فجرا ويصيح ‏( عدس..عدس‏) ومع كل كلمة يطرق المس على حافة القدر مشكلا نغما رتيبا جاذبا..
عدس علق بالساحة على مقربة منه مع اخرين اتهموا بالتجسس..
تتوهج الذكريات تتوقد وتخبو تبتر او تتسلط بكامل مشهديتها مع المشاعر المتزامنة..
ياتي شبه مسن مبتسما يحتفل صاحب المكردي به .... يقول عامل المقهى البدين‏( كملت السبحة..‏) على بعد اربع تخوت يتبادلان الشفرات الاباحية ويقهقهان.
تجلس امرأة من العصر الحجري امام بسطة الشاي وسط الزقاق تتلفع بعباءة حائلة ولا وجه لها او يصعب تصنيفه , وجه يجسد الذل البشري ..تجلس وسط الزقاق منحنية الظهر بعيون رمداء ..تقلب كيس الخوص ,انشغلنا عنها , حين نهضت ودبت , كان بيديها اكياس خضراء للتسوق تعرضها للبيع.
يمرون منهمكين بهواتفهم...معقّلين ,شبان عاطلون,عشاق كاذبون,امهات مجهدات...سيل لا يتوقف, عيونهم في هواتفهم.... أحوازي شاب يلح ‏( ساعدوني واشتروا مني‏) في يديه فرش اسنان , شحاذ بهيئة بائع.
ينهض المكردي يواجهنا , يعرض الجريدة ,يقرأ ‏ كذبا( حصرها خمسة بين افخاذهم,‏) يقهقه...اقرأ خبرا ادبيا في الصحيفة ..شخابيط من الكلمات مقنعة معنونة ‏ ..
اقول لصاحبي ‏(قرأت فاين نفر من وهم كتّاب ؟!..‏).
صاحب المقهى المجاور لا يتوقف عن الحركة , يثبت طرف دشداشته بحزام جلدي عريض كاشفا عن سروال اسود . باكتاف ملاكم وكفين منتصبين توقعته نازحا من الهور معتادا على تربية الجواميس وفي حذر محارب .. اطلعت صاحبي على هواجسي فقصده واتاني بسيرة له خالفت توقعي... / من عقود نزحوا للبصرة وامتهنوا بيع الشاي.. / رغم ذلك تمسكت بحدسي.. الجينات واضحة انه رجل هور.
اين هم ,اولئك الذين شاهدتهم صبيا ومراهقا ومررت عليهم بعد سن الرشد,,
كل ظل قصة لم تخلد وتم نسيانها...طوفان من الامنيات تكلست قبل بلوغها الفجر, ودموع تخلت عنها الاسّرة التي فنيت وتلاشت في آبار ارتوازية وقد تحولت كبريتا او صدأ على علب فاخرة,كانوا يسعون متمسكين بخيوط واهية ,قلاعا من الرغبات شيدتها العناكب..

الصياد
تشرين
٢٠٢٦



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ​دلالات -تَمّ- وتفريعاتها: من جذور الفصحى الى الشارع ا ...
- ثورة تشرين ( 2019) اعظم انتفاضة عراقية
- ​أفراد الكتلة السوداء ومجموعات التخريب تحرق مبنى بلدية ...
- المجاز والاستعارة في اللهجة العراقية
- ​حركة السترات الصفراء والتظاهرات الأوروبية: بضاعة الغر ...
- المادة (56) والمجاز المرسل: عندما يُصنّف الشارعُ القانونَ مج ...
- د. تمام حسان والثورة الصرفية في ‏(اللغة العربية: معناها ومبن ...
- الباب ج٢ ...قصيدة
- الباب ...قصيدة ج١
- تخدير الضجر ..قصيدة
- المقبرة : عظام تطحن واسرار ابدية السر
- حجم ولون وحركة الصدور في التراث العربي
- الخصيان وعملية صنعهم: بحث معمق للجاحظ وشولتز
- ( مقابلة اخرى مع البريكان في الكويت
- جمال وعيوب القافية
- مراقبة...قصيدة
- الفعلان (طَقَّ) و(طَگ) عراقياً وتطورهما المجازي
- اضاءة على النص التراثي ...كتاب كامل
- أصناف النظرات في التراث العربي
- طرديات أبي نواس


المزيد.....




- فوز فيليب جاينادا بجائزة غونكور 2026.. انتصار البحث الأرشيفي ...
- -إلى من يشبهونني في الحطام-… مرح دلول تكتب الصمت والنجاة في ...
- باتمان: نايت فول.. قراءة سينمائية في الاحتراق النفسي وهشاشة ...
- وثائقي جديد يعيد فتح ملف مأساة فيلم «راست» ومحاكمة أليك بالد ...
- رحيل الفنان الكويتي كاظم الزامل بعد مسيرة حافلة في الإبداع و ...
- بعد توقف قلبه.. نجل الفنان محمد الحلو يكشف تطورات حالته الصح ...
- وفاة الفنان الكويتي كاظم الزامل بعد سنوات من الغياب وفقدان ا ...
- باربيس- حي ينبض بالموسيقى
- ميلوني تدعو لتوحيد التمثيل الأوروبي في مفاوضات السلام الأوكر ...
- مليون كتاب للبنان .. استعادة المكتبات من ركام الحرب


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - الزقاق الخرافي