أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - ​دلالات -تَمّ- وتفريعاتها: من جذور الفصحى الى الشارع العراقي














المزيد.....

​دلالات -تَمّ- وتفريعاتها: من جذور الفصحى الى الشارع العراقي


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 19:15
المحور: الادب والفن
    


لم تكن اللهجة العراقية عبر تاريخها الحافل مجرد أداة للتواصل اليومي الجاف، بل كانت دائماً مطبعةً بلاغية حية، تعيد صياغة الوافد اللغوي وتصهر المفردات الطارئة في بوتقة وجدانها المتجدد.
وفي عصر منصات التواصل الاجتماعي، يتجلى هذا التطويع اللغوي في أبهى صوره البلاغية حين تلتقي التقنية الرقمية بالحركة التجارية اليومية، وتحديداً في ظاهرة "البث المباشر" لعروض الملابس.

​لقد دخلت اللفظة الرقمية (تَمَّ / Done) إلى الفضاء العربي كرمز إلكتروني صامد ومجرد يُراد به الإشعار بالقراءة أو تثبيت الإعجاب، غير أن المخيلة العراقية لم تقف عند حدود هذا الاستعمال الساكن، بل استدعت عمقها الفصيح وأدخلتها في المعمل الصرفي للسان الدارج لتولد منها أفعالاً وتصاريف تتنوع بين الماضي والمضارع والمخاطب والجمع؛ فصار اللفظ يتحرك بحرية بين: (تمّ، تمّم، تمّمتي، تمّموا، تمّينا).

​ولم يكن هذا التوليد بمعزل عن جذور العربية الفصحى؛ فالفعل (تَمَّ) في المعاجم وتراثنا البلاغي مثّل طاقة تعبيرية واسعة؛ استعملته العرب مجازاً للتعبير عن كمال العقل والفضيلة كقولهم: «رجلٌ تامٌّ» و«تَمَّ عَقْلُهُ»، واستعملت «تَمَّتِ الصلاةُ أو الحجُّ» مجازاً عن القبول وتمام الأركان واستيفاء الشروط الشرعية على وجه الرضا (كما في قوله تعالى: ‏( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ‏) ، بل وصل الأمر في لسان العرب إلى قولهم «تَمَّمَ الصبيَّ» أي علّق عليه التَّمِيمَةَ طلباً لتمام الحفظ والوقاية.

​هذا العمق التراثي تسرّب بوعي أو بغير وعي إلى وجدان العراقي، ليتحول الفعل الرقمي الطارئ في "سوق البث المباشر" إلى ظاهرة أسلوبية ونفسية متكاملة يمكن تأطيرها في المحاور الآتية:

𔁯. الإيقاع والتكرار (البلاغة الصوتية والإغراء)

​إن التكرار المتلاحق لـ (تمّم.. تمّمت.. تمّ تمّ) في أثير البث المباشر لا يُقصد به الإخبار التقني المجرد، بل يتحول صوتاً وإيقاعاً إلى "ترنيمة تسويقية" تُحفّز المتلقي وتستحثه على الاتخاذ السريع لقرار الشراء. التكرار هنا يؤدي وظيفة التنبيه والحث النفسي، تماماً كما كان يفعل "المُنادي" في الأسواق والقيصريات التراثية القديمة، ولكن بلغة إلكترونية مُصرفة.

𔁰. التنوع التصريفي للسيطرة على الخطاب

​يُظهر تطويع المفردة عبر الضمائر المختلفة مرونة هائلة في تحويل اللفظة إلى أداة تواصل شاملة تُدير سياق الخطاب:


​استفهام واستحثاث: (أكو واحد تمّم؟) لنقل اللفظ من التقرير إلى استدعاء التفاعل الشغوف.

​تأكيد للأنثى المخاطبة: (تمّمتي؟) لبناء جسر من المودة المباشرة مع الزبونات.

​إعلان الجاهزية والجمع: (تمّموا / تمّينا) لإيجاد حالة من الحماس الجمعي توحي بأن البضاعة في طريقها للنفاذ.
𔁱. الانزياح الدلالي (اختزال العقد في حرفين)

​في أصل البيئة الرقمية، تعني (Done) مجرد الإطلاع أو التفاعل الرمزي، لكنها في "سوق البث المباشر للملابس" شهدت انزياحاً دلالياً كاملاً؛ إذ أصبحت تعني: إبرام البيع، وحجز قطعة القماش، والاتفاق التام على السعر والتوصيل. لقد اختزلت المخيلة العراقية عقداً تجارياً وشَفَهياً كاملاً بكل بنوده وشروطه في حرفين اثنين، وهو عين ما تقرره البلاغة العربية من أن "البلاغة هي الإيجاز".

​خاتمة

​إن هذه الحيوية البلاغية لمفردة (تَمَّ) وتفريعاتها تؤكد أن اللسان العراقي لا يكتفي باستيراد الأدوات التقنية الصماء، بل "يُعرّبها وجدانياً" ويصل حاضرها بجذورها الفصيحة، ليصنع منها لغة حية تشحذ الأسواق وتدير العلاقات اليومية بمرونة بلاغية عالية تثبت أن البلاغة كائن حي يتنفس في الشارع وعلى شاشات الهواتف في كل لحظة.



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثورة تشرين ( 2019) اعظم انتفاضة عراقية
- ​أفراد الكتلة السوداء ومجموعات التخريب تحرق مبنى بلدية ...
- المجاز والاستعارة في اللهجة العراقية
- ​حركة السترات الصفراء والتظاهرات الأوروبية: بضاعة الغر ...
- المادة (56) والمجاز المرسل: عندما يُصنّف الشارعُ القانونَ مج ...
- د. تمام حسان والثورة الصرفية في ‏(اللغة العربية: معناها ومبن ...
- الباب ج٢ ...قصيدة
- الباب ...قصيدة ج١
- تخدير الضجر ..قصيدة
- المقبرة : عظام تطحن واسرار ابدية السر
- حجم ولون وحركة الصدور في التراث العربي
- الخصيان وعملية صنعهم: بحث معمق للجاحظ وشولتز
- ( مقابلة اخرى مع البريكان في الكويت
- جمال وعيوب القافية
- مراقبة...قصيدة
- الفعلان (طَقَّ) و(طَگ) عراقياً وتطورهما المجازي
- اضاءة على النص التراثي ...كتاب كامل
- أصناف النظرات في التراث العربي
- طرديات أبي نواس
- من السحر إلى الضبط: التشريع ملاذاً من الجفاف الأدبي بالفترة ...


المزيد.....




- بعد جدل الاعتذار.. علي الحجار يعود إلى مهرجان الموسيقى العرب ...
- في الحاجة إلى صوت جيل جيلالة
- شخصية الميرزا في رواية -سلسلة النار-.. من بلاط الصفويين إلى ...
- -قطع اليد عقابا على التقصير- أو نشر ثقافة العمل على الطريقة ...
- تركي آل الشيخ يرد على بيان لنقابة المهن التمثيلية في مصر
- الأحزاب العربية وحسابات المنافسة بين نتنياهو وآيزنكوت مع تق ...
- يحيى الفخراني يختتم عروض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي ...
- بين الوحدة والتشرذم.. كيف تطور التمثيل العربي في الكنيست؟
- ركين سعد تنوه لدور الهيئة الملكية الأردنية للأفلام في دعم -ب ...
- آلية توزيع المقاعد ونظام التمثيل النسبي في انتخابات الكنيست ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - ​دلالات -تَمّ- وتفريعاتها: من جذور الفصحى الى الشارع العراقي