ليلى أحمد الهوني
(Laila Ahmed Elhoni)
الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 09:18
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
(لكل مواطنة ليبية ومواطن ليبي)
لا أكتب اليوم لأعاتب المواطن الليبي، ولا لأقول له إن مطالبته بتحسين مرتبه كان خطأ؛ فمن يعيش ارتفاع الأسعار، ويرى احتياجات أسرته تكبر بينما تتراجع قيمة دخله، يملك كل الحق في أن يطالب بحياة كريمة تليق به.
لقد ارتفعت أصواتكم الغالية حتى وصلتني هنا وأنا المقيمة في بريطانيا، وسمعت في هتافاتكم وجعًا حقيقيًا لا يمكن إنكاره أو الاستهانة به، او حتى التخفيف من آلامهِ.
لكنني، بمحبةٍ صادقة وحرصٍ مني على ما تبقى من مقدرات بلادنا لأجلكم، أتساءل: هل كانت زيادة المرتبات هي المطلب الذي ينبغي أن يقف عنده صوت المواطن وهتافهِ، أم كان ينبغي أن تكون جزءاً من سؤال أكبر يتعلق بأصل الأزمة؟
حين يهتف الناس باسم مسؤول بعينه مطالبين إياه بالزيادة، فقد يبدو الأمر، من حيث لا يقصدون، كأن المرتب هبةٌ سيقدمها لهم ذلك المسؤول من ماله الخاص، أو صدقةٌ يمنحها متى شاء ويمنعها متى شاء!
والحقيقة أن المال مال الشعب، والخزينة خزينته، والمرتب ليس زكاةً ولا "تكية" وليس منّةً من رئيس حكومة أو وزير. إن هذا المال الذي يريده، إنه أجرٌ يتقاضاه مقابل ما يؤديه من عمل، وتدفعه الدولة من مواردها العامة، التي يُفترض أن تخضع جميعها للقانون والرقابة والمساءلة.
لذلك لا ينبغي أن تُختزل علاقة المواطن بالدولة في سؤال:
كم سيمنحنا هذا المسؤول؟
بل يجب أن يتسع السؤال ليصبح:
كيف تُدار أموالنا؟ ومن يراقب إنفاقها؟ ومن يحمي قيمة ما نتقاضاه؟
وحين تأتي الزيادة، ماذا يحدث بعدها؟
قد يحدث ما يشبه المثل الليبي القائل: زد الماء (الميه)، زد الطحين (الدقيق).
يرتفع الرقم المكتوب في المرتب، ثم تتحرك الأسعار لتلتهم جزءاً كبيراً منه. وليس معنى ذلك أن زيادة الأجور تؤدي وحدها، وبصورة آلية، إلى ارتفاع الأسعار؛ فارتفاعها يرتبط أيضًا بتراجع قيمة الدينار، وكلفة الاستيراد، واتساع السوق الموازية، وغياب الرقابة، والاحتكار، وعدم المسؤولية، واضطراب الإنفاق العام.
لكن الزيادة التي لا تستند إلى إنتاجٍ أقوى، وميزانية موحدة وشفافة، وتمويل منضبط، وسياسة تحمي العملة، قد تتحول سريعاً إلى زيادة اسمية لا يشعر بها المواطن إلا أياماً معدودة، ثم يجد نفسه بعد ذلك يحمل دنانير أكثر ليشتري بها سلعاً أقل، وهكذا دواليك.
وهنا يكمن الفارق بين زيادة المرتب وزيادة القدرة الشرائية.
الأولى رقم تصدره الحكومة في قرار، أما الثانية فهي القيمة الحقيقية لذلك الرقم، وذلك حين يذهب المواطن إلى السوق أو الصيدلية، أو عندما يدفع تكاليف العلاج والدراسة والسكن والكهرباء وغيرهم.
وقد تعرض الدينار الليبي لتخفيضين رسميين خلال مدة قصيرة: تخفيض بنسبة 13.3 في المئة دخل حيز التنفيذ في 6 أبريل 2025، ثم تخفيض آخر بنسبة 14.7 في المئة دخل حيز التنفيذ في 18 يناير 2026.
وبلغ متوسط السعر الرسمي للجنيه الإسترليني في نشرة مصرف ليبيا المركزي بتاريخ 22 أكتوبر 2026 نحو 8.6 دنانير. أما خارج القنوات الرسمية، فقد بلغني، حتى اليوم يوم كتابة هذه المقالة، أن هناك من يشتري الجنيه بأربعة عشر دينارًا في بعض المعاملات؛ وهو ما أنقله هنا بوصفه سعراً بلغني عن معاملات بعينها.
هذه الفجوة ليست مجرد أرقام تتغير على شاشات الصرافين؛ إنها جزء من الطعام، والدواء، والعلاج، والدراسة، والادخار، وكله يضيع من دخل المواطن كل يوم.
فما قيمة أن تزداد ورقة المرتب إذا كانت قيمة الدينار نفسه تتناقص؟
وما جدوى زيادةٍ تدخل من باب المصرف، ثم يلتهمها غلاء السلع، وارتفاع أسعار العملات في السوق الموازية؟
إن الاعتراض هنا ليس على حق المواطن في تحسين دخله، بل على تحويل هذا الحق إلى مُسكّنْ مؤقت يُستخدم لتهدئة الغضب العارم، بينما تبقى أسباب ذلك الغضب والتظاهر مازالت قائمة.
فليبيا لا تعاني أزمة مرتبات فقط، بل تعاني أزمة وجود دولة: سلطات تنفيذية متعددة، ومؤسسات منقسمة، وشرعيات انتقالية طال أمدها، ومجلس نواب تجاوز المدة الأصلية التي انتُخب من أجلها، وحكومات جاءت عبر مسارات سياسية أو برلمانية انتقالية، كان يُفترض أن تنتهي بإجراء انتخابات وتجديد الشرعية، لكنها بقيت وتنازعت لأجل كرسي السلطة والموارد.
وهنا تجب الدقة: ليست المسألة أن هذه المؤسسات قد ظهرت من فراغ كامل؛ فلكل منها مسار سياسي أو برلماني تستند إليه. لكن تلك المسارات كانت في معظمها انتقالية ومؤقتة، ولم تُجدَّد عبر انتخابات وطنية عامة منذ سنوات طويلة.
وهكذا تحول المؤقت إلى واقع دائم، وأصبح المواطن يعيش بين سلطات تختلف وتتنازع على الاعتراف، بينما تتفق جميعها في مسألة البقاء.
تعدد الحكومات لا يعني تعدد الخدمات، بل يعني تعدد أبواب الإنفاق، وتضارب القرارات، وضعف الرقابة، واتساع مساحة التنصل من المسؤولية.
فإذا ارتفعت الرواتب في جانب، انتقلت المطالب إلى الجانب الآخر، ثم ازداد العبء على الخزينة العامة، بينما تظل العملة والأسعار والخدمات تحت الضغط.
والمشكلة الأعمق أن المواطن قد يُدفع إلى الانشغال بالفرع عن الأصل: يطالب بزيادة مؤقتة، ويُستنزف في انتظارها، بينما تتراجع الأسئلة عن الموازنة الموحدة، وحجم الدين العام، ومصير عائدات النفط، وازدواج الإنفاق، وغياب الحساب الختامي، والفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، وموعد الانتخابات التي طال انتظارها.
إن ليبيا لا تحتاج إلى مجرد استبدال اسم باسم، ولا إلى نقل السلطة من حكومة مؤقتة إلى حكومة مؤقتة أخرى؛ فهي تحتاج إلى إنهاء منطق المرحلة الانتقالية التي لم تنتهِ بعد، ونحن نقترب من إكمال ستة عشر عامًا منذ 17 فبراير 2011.
ويبدأ ذلك بمسار دستوري يملك الليبيون زمامه وقراره، تشارك فيه كفاءات قضائية وقانونية ودستورية مشهود لها بالنزاهة والاستقلالية، مع مشاركة مجتمعية حقيقية تشمل مختلف مناطق البلاد ومكوناتها، بعيداً عن هيمنة الحكومات القائمة، أو القوى المسلحة، أو المصالح الشخصية.
أما دور الأمم المتحدة، فينبغي أن يكون دوراً مساعداً وميسراً وداعماً لضمانات المسار، لا بديلاً عن الإرادة الليبية؛ فالدستور لا يُفرض على الليبيين من خارج بلادهم، ولا ينبغي أن تُتخذ القرارات التي تخص مستقبلهم بالنيابة عنهم.
بل يجب أن يصنع الليبيون دستورهم لأنفسهم وبأنفسهم، ثم يقرّوه وفق آلية عامة واضحة ومتفق عليها، تضمن مشاركة واسعة وقبولًا شعبياً حقيقياً.
ويجب أن يرافق ذلك إطار انتخابي قابل للتنفيذ، ضمن جدول زمني محدد، وقوانين غير مفصلة على مقاس أي مرشح أو جهة، وقضاء قادر على الفصل في الطعون، ومفوضية مستقلة، وضمانات أمنية توقف استخدام السلاح والمال السياسي في مصادرة إرادة الناس.
فالانتخابات وحدها لا تكفي إذا أُجريت في ظل قواعد متنازع عليها، ومؤسسات منقسمة، وسلاح منفلت، وسلطات لا تتعهد مسبقاً باحترام النتائج.
لكن غياب الانتخابات إلى أجل غير معلوم، أو تكرار تأجيلها لأسباب ممنهجة، يظل خطراً جسيماً؛ لأنه يرسّخ كل سلطة انتقالية بوصفها أمراً واقعاً مفتوح المدة. وقد طال بنا هذا الواقع، ولا نريد له مزيداً من التكرار.
أما اقتصادياً، فلا تُحمى معيشة المواطن بقرار زيادة منفرد، بل بحزمة مترابطة تشمل ميزانية وطنية موحدة وشفافة، ونشر الإيرادات والمصروفات، وإخضاع جميع الجهات للرقابة، وحماية استقلال مصرف ليبيا المركزي، وتقليص الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية، ومكافحة الاحتكار والفساد، وربط سياسات الأجور بالقدرة الشرائية الحقيقية، لا بالمزايدات السياسية.
كما أن العدالة في الأجور والمرتبات لا تعني توزيع الزيادات عشوائيًا، بل تعني بناء سلم مرتبات منصف، يراعي الكفاءة وطبيعة العمل وتكاليف المعيشة، ويحفظ حقوق المعلمين والأطباء والموظفين وسائر العاملين، من دون أن تتحول خزينة الدولة الليبية إلى وسيلة لشراء رضا المواطن المؤقت بجزء من حقه في المال العام، أو أن يستغل المسؤولون هذه الزيادات؛ للتلاعب ببنود الإنفاق وفتح أبواب إضافية للهدر والاختلاس.
ليس المقصود أن يصمت المواطن أو أن يتنازل عن حقه في المرتب العادل؛ بل المقصود ألا يُختزل صوته في مبلغ قد تلتهمه السوق قبل أن يهنأ به.
ومن حقه، في إطار التعبير السلمي والقانوني، أن يطرح الأسئلة الأسبق والأعمق:
أين الدستور؟
متى تُجرى الانتخابات؟
متى تتوحد مؤسسات الدولة وميزانيتها؟
من يراقب المال العام؟
كيف تُحمى قيمة الدينار؟
ومتى تتحول الوظيفة العامة من باب للترضيات والمحاصصة، إلى مسؤولية يحكمها القانون والكفاءة؟
عزيزي المواطن، إن حاجتك إلى الزيادة حقيقية، ووجعك لا يحتاج إلى من يزايد عليك بمالك. لكن حقك أكبر من الزيادة، وكرامتك أثمن من أن يُراد لهتافاتك أن تبدو كأنها طلب منّة من مسؤول ينفق عليك جزءاً ضئيلاً من مالك.
أنت لا تطلب صدقة، ولا تنتظر هبة من أحد؛ أنت صاحب المال وصاحب الحق نفسه، والمسؤول تظل مكانته؛ موظف لدى الدولة الليبية لا مالكٌ لخزينتها.
والمشكلة لم تكن يوماً في أنك طالبت بالكثير، بل ربما في أنهم أقنعوك بأن حقك لا يتجاوز راتباً أعلى، بينما حقك الحقيقي هو دولة واحدة، ودستورٌ يحميك، وقانونٌ يسري على الجميع، وعملةٌ تحفظ تعبك، وسلطةٌ تستمد شرعيتها من الشعب وتعود إليه حين تنتهي مدتها.
فلا تُقاس استجابة الدولة بعدد الدنانير التي تضيفها إلى المرتب، وإنما بقدرتها على حماية قيمة تلك الدنانير، وصيانة حقوق الناس، وبناء مؤسسات لا تتغير فيها حياة المواطن تبعاً لاسم الحاكم أو مكان إقامته.
عندها فقط تصبح الزيادة تحسيناً حقيقياً للمعيشة، لا رقماً جديداً يطارده الغلاء حتى يسبقه ويسبق فرحتك به.
يا سيدي المواطن، تمسّك بحقك في المرتب العادل، وبحقك في دولة تحمي قيمته؛ ولا تدع زيادة المرتب تحجب عنك أصل الأزمة.
—————————-
* أخاطب المواطن هنا بصيغة المذكر اختصارًا، والخطاب في حقيقة الأمر موجّه إلى المواطنات والمواطنين على حدّ سواء، مع تقدير خاص للمعلمات اللواتي ارتفعت أصواتهنّ مطالباتٍ بحقوقهنّ؛ فمطالبهنّ في صميم هذه المقالة.
#ليلى_أحمد_الهوني (هاشتاغ)
Laila_Ahmed_Elhoni#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟