أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - ليلى أحمد الهوني - ماذا يفعل من لا يعلم!؟















المزيد.....

ماذا يفعل من لا يعلم!؟


ليلى أحمد الهوني
(Laila Ahmed Elhoni)


الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 13:01
المحور: حقوق الانسان
    


في بعض المدن الليبية يعرف المواطن إلى أي جهة يتوجه، وأي إدارة يراجع، وأين يمكن أن يبدأ معاملته.

لكن المأساة الحقيقية، التي قد لا يعلم الكثيرون حجمها، تبدأ في تلك المناطق التي تتداخل فيها السلطات ومراكز القرار؛ حيث لا يعرف المواطن الليبي أحيانًا إلى أي جهة يتبع، ولا أي إدارة تعترف بمعاملته، ولا من المسؤول فعليًا عن تسجيل مولوده، أو اعتماد وثيقته المهمة، أو إنجاز شأن بسيط من شؤون حياته.

وهنا يصبح السؤال موجعًا ومؤلمًا للغاية، وبسيطًا في آنٍ واحد:

ماذا يفعل المواطن الذي لا يعرف إلى من يتبع؟

هل يطرق باب هذه الجهة؟
أم يسافر إلى جهة أخرى؟
وإذا قيل له: أنت لا تتبع لنا…
إلى أين يذهب بعد ذلك؟

هذه ليست مشكلة سياسية مجردة، بل مشكلة وطنية حقيقية تمس حياة الإنسان اليومية، وكرامته، وحقه الطبيعي في أن يجد دولة واضحة المعالم حين يحتاج إليها.

قد تبدو هذه أسئلة إدارية بسيطة؛ لمن يعيش داخل دولة موحدة المؤسسات، لكنها بالنسبة لبعض الليبيين اليوم؛ أصبحت جزءًا من مأساة حياتهم اليومية.

مولود جديد يحتاج إلى تسجيل…
شهادة ميلاد يحتاج صاحبها إلى استخراجها…
وثيقة تحتاج إلى اعتماد…
جواز سفر يحتاجه مواطن، اضطر إلى السفر لعلاج مريض له في تونس أو غيرها…
وثائق وفاة لا بد منها لاستكمال الإجراءات الرسمية للدفن …
ومعاملات أخرى كثيرة لا تحتاج في النهاية إلا إلى توقيع أو اعتماد من جهة رسمية واضحة، تكون وثيقتها معترفًا بها في ليبيا كلها.

أليس هذا من أبسط حقوق المواطن في دولته؟

مواطن في قرية ما، أو في منطقة بعيدة، لا يريد المستحيل؛ يريد فقط أن يعرف:

من هي الجهة المسؤولة عنه؟

ومن هنا قد تبدأ الرحلة:

اذهب إلى هذه الجهة…
لا، أنت لا تتبع لنا…
راجع الجهة الأخرى…
وهناك قد يسمع الجواب نفسه.

وفي النهاية يبقى المواطن واقفًا، والمعاملة في يده، بينما المسؤولية تنتقل من باب إلى آخر.

هذه ليست حالة ينبغي أن يعتاد عليها المواطن في وطنه.

فالدولة، في أبسط تعريفاتها، ليست مباني ومسميات، ولا حكومات ومجالس تتنافس في البيانات؛ الدولة هي أن يعرف المواطن أين يذهب عندما يحتاج إليها، وأن يجد مؤسسة تعترف به، وتعرف حقه، وتتحمل مسؤوليتها تجاهه.

أما حين تتعدد السلطات ومراكز القرار، وتتداخل الاختصاصات، ويصبح المواطن هو من يبحث عن الدولة بدلًا من أن تكون الدولة هي التي تصل إليه، فإن ثمن الانقسام لا يدفعه السياسيون وحدهم.

يدفعه ذلك المواطن الكادح البسيط.

يدفعه المتقاعد…
والمريض وذو الإعاقة…
والأم التي تحتاج إلى خدمة لطفلها…
والشاب الباحث عن عمل يؤمّن له مستقبله ولقمة عيشه…
ويدفعه، بصورة أشد إيلامًا، هؤلاء أهل القرى والمناطق البعيدة.

ويبقى الأكثر معاناة ذلك الإنسان الذي لا يمتلك واسطة، ولا يعرف شخصًا يفتح له بابًا مغلقًا.

وهنا تكمن مأساة أخرى:

أن يتحول سؤال:
"من تعرف؟"

في بعض الأحيان إلى سؤال أهم من:
"ما حقك؟"

وفي الأيام الصعبة، تظهر لنا مفارقة أخرى تستحق التأمل.

حين تشتد الحرارة، وتنقطع الكهرباء، وتتعب الطرق، وتطول طوابير الوقود، نرى مواطنين بسطاء يحملون زجاجات الماء البارد ويوزعونها على غيرهم.

شخص يساعد شخصًا لا يعرفه…
وجار يسند جاره…
وأناس بإمكانات محدودة يفعلون ما يستطيعون لتخفيف التعب عن بعضهم بعضاً.

وهذا شيء جميل يفتخر به المجتمع الليبي، ويستحق أصحابه منا كل الثناء والامتنان.

لكن هذا العبء، لا ينبغي أن يُلقى دائمًا على أكتاف المواطنين.

فجمال التكافل بينهم، يجب ألا يتحول إلى ستار نخفي وراءه غياب المؤسسات.

رحمة الناس ببعضهم فضيلة…
لكنها ليست بديلًا عن اهتمامات الدولة.

والمبادرات الفردية تستحق الشكر…
لكن المواطن، لا ينبغي أن يعيش حياته كلها؛ معتمدًا على المصادفة، والواسطة، وطيبة الآخرين من حوّله.

اليوم لا يحتاج المواطن الليبي إلى مزيد من الشعارات حول الوحدة، بقدر ما يحتاج إلى أن يراها واقعًا ملموسًا في حياته اليومية.

يريد جهة واضحة.
إجراءً واضحًا.
قانونًا واحدًا يُطبق عليه وعلى غيره.
وثيقة تُقبل في شرق البلاد وغربها وجنوبها.
وخدمة لا تتغير قيمتها أو شرعيتها بتغير المدينة أو الجهة التي يقيم تحت إدارتها.

إن توحيد الدولة لا يبدأ فقط من الاجتماعات السياسية الكبرى.

يبدأ أيضًا، من شباك صغير يقف أمامه مواطن يحمل ورقة.

يبدأ من شهادة ميلاد.
ومن جواز سفر.
ومن مستشفى.
ومن مدرسة.
ومن بلدية.
ومن كهرباء وماء ووقود.
ومن موظف يعرف صلاحياته، ولا يرسل المواطن مُكرهًا، في رحلة بين مؤسسات تتنازع على الاختصاص ومراكز القرار.

ولهذا، فإن أي مشروع سياسي لا يجعل حياة المواطن أسهل، ولا ينهي ارتباكه أمام مؤسسات دولته، سيبقى بالنسبة إليه كلامًا بعيدًا عن واقعه.

وقد تتغير الحكومة غدًا…
وقد تتبدل الأسماء والوجوه والمواقع…

لكن السؤال الذي سيبقى حاضرًا معنا:

هل سيتغير مصير المواطن إلى الأفضل أيضًا؟

فالمواطن لا يعنيه كثيرًا من جلس على الكرسي بقدر ما يعنيه:

هل سيجد دولة يعرف بابها؟
هل تُنجز معاملته؟
هل يُسجل مولوده؟
هل تُحفظ حقوقه؟
هل يصل إليه الماء والكهرباء والدواء والخدمة، دون أن يُسأل في كل مرة:

أنت تابع لمن؟

إن تغيرت الحكومات، وبقي المواطن حائرًا بين الجهات، فالمشكلة لم ولن تتغير!…

إنما تغيرت أسماؤها فقط.

المواطن الليبي لا يطلب المستحيل.

إنه يريد ببساطة، أن يشعر أن خلفه دولة واحدة تعرفه، وتحمي حقه، وتجيبه عندما يطرق بابها.

ولعل السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس فقط:

من يحكم ليبيا؟

بل السؤال الأهم:

من يتحمل مسؤولية المواطن الليبي، عندما تتعدد السلطات ويضيع بين أبوابها؟

ليبيا لا ينقصها المواطن الذي يحب وطنه.
ولا ينقصها من يسند أخاه وقت الشدة.

ما ينقصها حقًا هو أن تعود للدولة بوصلتها…
وللمؤسسة مسؤوليتها…
وللمواطن حقه في أن يعرف، دون حيرة أو واسطة:

هذا وطني…
وهذا باب دولتي…
وهنا لن يقول لي أحد:

اذهب إلى غيرنا!.



#ليلى_أحمد_الهوني (هاشتاغ)       Laila_Ahmed_Elhoni#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الراتب وغلاء المعيشة!
- لماذا الآن؟
- مصلحة ليبيا أولًا*
- لا للتأفف*
- الحل… دستور*
- لنبدأ من هنا… (2)
- لنبدأ من هنا*
- ما قبل المولات!
- عندما تُسيَّس الفيفا
- عُدْتُ وشيئاً ما في وطني*
- إلى الجمهورية الإيطالية
- تدرّجية الاخطاء
- إنها الجفرة
- لو قمتي بذلك يا صين!
- كورونا وباء أم حرب!؟
- الفيدرالية حل
- أحقادكم لن تُنسى
- قالك ... ملك ورجال!
- فن إخفاء الجرائم!
- كر وفر


المزيد.....




- الأونروا تدين اقتحام الاحتلال لمركز تدريب قلنديا وتتمسك باست ...
- الأمم المتحدة تعرب عن قلقها إزاء منع طلاب السويداء من الوصول ...
- السعودية.. الداخلية تعلن إعدام مواطن -تعزيرا- في المدينة وتك ...
- نحو 3 آلاف مفقود في فيضانات نيبال.. -اليونيسف-: أكثر من 17 أ ...
- هل تكرر سيناريو وفاة جورج فلويد في مركز للاجئين بألمانيا؟
- بطلان اعترافات غوانتانامو.. قاضٍ أمريكي يستبعد أهم أدلة محاك ...
- إصابات واعتقالات باقتحامات للاحتلال في الضفة الغربية
- تركيا.. اعتقال -معلمة- شهيرة جمعت مليون ليرة شهريا من محتوى ...
- كولومبيا.. اعتقال مشبوه قد يكون زعيما في عصابة فنزويلية
- -الأونروا- ذاكرة النكبة.. من وكالة مؤقتة إلى سجل لجوء لم يغل ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - ليلى أحمد الهوني - ماذا يفعل من لا يعلم!؟