أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليلى أحمد الهوني - لماذا الآن؟















المزيد.....

لماذا الآن؟


ليلى أحمد الهوني
(Laila Ahmed Elhoni)


الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 18:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم/ ليلى أحمد الهوني

دعونا نجلس معًا قليلًا…
هناك سؤال يتردد في مجالسنا، ويتكرر في أحاديثنا، ويكاد لا يخلو منه نقاش يدور بين الليبيين:
لماذا الآن؟

لماذا أصبحت انقطاعات الكهرباء أكثر حضورًا في حياتنا اليومية؟
ولماذا ارتفعت تكاليف المعيشة إلى مستويات لم نكن نتوقعها؟
ولماذا باتت أبسط تفاصيل الحياة أكثر مشقة مما كانت عليه؟
ولماذا أصبح كثير من الناس يستحضرون الماضي بحنين، مع أن كثيرين منهم كانوا، في ذلك الوقت نفسه، يتطلعون إلى مستقبل مختلف، يأملون فيه أن يلتحق وطنهم بعالم كان يتقدم بخطى متسارعة في مجال العلم والتكنولوجيا والتنمية؟

قبل أن أواصل…
دعوني أوضح أمرًا أراه ضروريًا.
فأنا هنا لا أكتب هذه السطور دفاعًا عن مرحلة سياسية، ولا إدانةً لأخرى، كما أنني لا أسعى إلى إقناع أحد بتغيير قناعته تجاه أحداث أصبحت جزءًا من تاريخنا، ولكل إنسان حقه، في أن يقرأها من زاوية تجربته الشخصية.

إنما أكتب لأنني بت أخشى أن تكون ضغوط الحاضر قد جعلتنا ننظر إلى الماضي بعين واحدة.

فالإنسان بطبيعتهِ، عندما تثقل عليّه هموم اليوم، يستدعي من ذاكرته أكثر اللحظات كانت طمأنينة له، ويميل إلى تذكر ما كان يبعث في نفسهِ شعورًا بالأمان والاستقرار.
وهذا شعور إنساني لا يُلام عليه أحد منا.

لكن الإنصاف يقتضي أن ننظر إلى الصورة كاملة، لا إلى الجزء الذي يوافق مشاعرنا وحده.

فكما يوجد هناك أشياء نفتقدها اليوم، كانت هناك أيضًا أمور يتمنى فيها الكثير من الناس؛ لو أنها لم تكن موجودة أصلًا.

لقد عرفنا الاستقرار في جوانب، كما عرفنا القيود في جوانب أخرى.

وقد كان التعبير عن الرأي محدودًا، وكانت الكلمة تُحسب كثيراً قبل أن تُقال، كما أن الوصول إلى المعلومة، وإيصال الصوت، لم يكن بالمساحة التي نعرفها اليوم.

وفي المقابل، فإن من الإنصاف أيضًا ألا نتجاهل ما يعيشه المواطن الليبي اليوم من تحديات حقيقية، سواء في الخدمات، أو الاقتصاد، أو الانقسامات السياسية، أو تفاصيل الحياة اليومية التي أصبحت أكثر صعوبة.

ولهذا…
فإن الحنين إلى الماضي مفهوم، كما أن القلق من الحاضر مفهوم أيضًا.

لكن…
هل تكفي هذه الصورة وحدها لفهم ما جرى ويجري؟

هنا تحديدًا تبدأ الفكرة التي أود أن نتأملها معًا.

كثير من الأسئلة التي نطرحها اليوم، لا يمكن الإجابة عنها إذا نظرنا إليها من زاوية واحدة فقط، لأن ما نعيشه اليوم ليس نتيجة عامل واحد، ولا نتيجة لحدث واحد، بل هو حصيلة تحولات متداخلة، محلية وعالمية، تتابعت خلال سنوات متتالية، حتى صنعت الواقع الذي نراه بهذا الشكل اليوم.

لقد جاءت الانتفاضات التي عُرفت لاحقًا بـ "الربيع العربي" في مرحلة كان العالم كله يشهد تغيرات متسارعة، لم تقتصر على السياسة وحدها، بل امتدت إلى الاقتصاد، والتكنولوجيا، ووسائل الاتصال، وسوق العمل، وطبيعة الحياة نفسها.

وفي نفس الفترة أيضًا، عاد الكثير من الليبيين الذين كانوا يقيمون في الخارج إلى وطنهم، مدفوعين بالأمل في المشاركة في بناء مرحلة جديدة.

وكانت تلك العودة، من حيث المبدأ، أمرًا طبيعيًا ومفهومًا، بل وحملت معها خبرات وتجارب فكرية وعلميّة متنوعة، يمكنها - بلا شك - أن تسهم في خدمة المواطن والمجتمع والوطن.

غير أن هذه الزيادة في عدد السكان، وما صاحبها من تغيرات ديموغرافية، وضعت بدورها ضغطًا إضافيًا على الخدمات العامة، والإسكان، والكهرباء، والمياه، والتعليم، والرعاية الصحية، وسوق العمل، في وقت كانت فيه مؤسسات الدولة تمر بمرحلة انتقالية معقدة.

ولعل من المفيد أن نتذكر أن آخر تعداد رسمي للسكان في ليبيا قد أُجري عام 2006، وكان عدد السكان آنذاك ما يقارب خمسة ملايين ونصف المليون نسمة فقط، بينما شهدت البلاد بعد ذلك تغيرات كبيرة في أعداد المقيمين داخلها، الأمر الذي جعل حجم الطلب على الخدمات أكبر بكثير مما كانت عليه من قبل.

وفي الوقت نفسه، كان العالم يعيش ثورة تكنولوجية غير مسبوقة.

أصبحت وسائل الاتصال أكثر تطورًا، واتسع الفضاء الرقمي، وتغيرت طبيعة المعرفة والعمل والإعلام بسرعة هائلة، حتى إن دولًا كثيرة كانت تجد صعوبة في مواكبة هذا التحول المتسارع.

ولم تقف التحولات عند هذا الحد.
ففي السنوات نفسها، بدأ العالم يولي اهتمامًا متزايدًا بقضايا التغير المناخي، وأمن الطاقة، والتصحر، والأمن الغذائي، وأصبحت هذه الملفات جزءًا من النقاشات الدولية، لما لها من تأثير مباشر في الاقتصادات، وأسعار السلع، ومستقبل التنمية.

ولا أقول هذا لأجعل من هذه العوامل مبررًا لكل ما نعيشه، ولا لأربط كل مشكلة بسبب واحد، وإنما لأذكر بأن الصورة كانت - وما تزال - أكثر تعقيدًا من أن تُفسَّر بعامل واحد، أو تُختزل في مرحلة واحدة.

فالسياسة كان لها أثرها.
والاقتصاد العالمي كان له أثره.
والتطور العلمي والتكنولوجي كان له أثره.
والزيادة السكانية والضغط على الخدمات كان لهما أثرهما أيضًا.
ثم جاءت الخلافات السياسية، وتعدد الرؤى، والصراع على السلطة، لتضيف طبقة أخرى من التعقيد، إلى مشهد لم يكن بسيطًا منذ البداية.

أعتقد أن كثيرًا من الأسئلة التي نطرحها اليوم لا يمكن أن نجد لها جوابًا واحدًا، لأن الواقع بطبيعته أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في تفسير واحد، أو أن يُحمَّل مسؤولية ما جرى لطرف واحد أو مرحلة واحدة.

ولهذا…
فأنا لا أطلب من أحد أن يغيّر قناعته، ولا أسعى إلى أن يتبنى وجهة نظري أحد أو اية جهة ما ذلك.

كل ما أرجوه الآن، هو أن نمنح أنفسنا فرصة للنظر إلى الصورة كاملة، لا إلى الجزء الذي يؤيد ما نؤمن به فقط.

فالأوطان لا تُبنى بالحنين وحده، كما أنها لا تُبنى بالغضب وحده.
ولا تُبنى بإنكار الماضي، ولا بتقديسه، ولا بالاكتفاء بتحميل الحاضر وحده مسؤولية كل ما نعيشه.

بل تُبنى عندما نتحلى بالشجاعة الكافية للاعتراف بما كان صوابًا، والصدق الكافي للاعتراف بما كان خطأً، والحكمة الكافية والتامة؛ هي ان نتعلم من التجربتين معًا.

فالأمم التي تتقدم ليست تلك التي لا تختلف، وإنما تلك التي تعرف كيف تجعل من اختلافها وسيلة للبناء، لا سببًا في الهدم.

ومن هنا…
فإن ما تحتاجه ليبيا اليوم، كما تحتاجه كل دولة مرت بظروف مشابهة، ليس البحث عن منتصر في الماضي، ولا عن مهزوم في الحاضر، وإنما في بناء المستقبل على أسس راسخة.

ويبدأ ذلك بالإسراع في استكمال دستورٍ يجمع الليبيين، وترسيخ دولة القانون، وبناء مؤسسات قوية، وتعزيز التوافق الوطني، لأن هذه هي القاعدة التي تقوم عليها التنمية، والاقتصاد، والتعليم، والخدمات، وحياة المواطن الكريمة، وإقامة "دولة ليبيا" الحقيقية.

وربما…
عندها نستطيع أن ننظر إلى الماضي بعين الإنصاف، وإلى الحاضر بعين المسؤولية، وإلى المستقبل بعين الأمل…

ولن نسأل أنفسنا بعدها:
لماذا الآن؟
بل سنسأل:
كيف نصنع غدًا لا يكرر أخطاء الأمس، ولا أن نُضيف إليها أخطاءً جديدة، حتى نُورّث لأبنائنا وطنًا يتسع للجميع؟
————————
هامش
إذا كان البعض يعزو ما تعانيه بعض الدول العربية إلى الانتفاضات الشعبية، فكيف يمكن تفسير موجات الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة التي تشهدها دول كثيرة لم تعرف لا ربيعاً ولا خريفاً ولا غيره؟ أليس هذا دليلًا على أن جزءًا من الأزمة، يرتبط بتحولات اقتصادية عالمية؟



#ليلى_أحمد_الهوني (هاشتاغ)       Laila_Ahmed_Elhoni#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مصلحة ليبيا أولًا*
- لا للتأفف*
- الحل… دستور*
- لنبدأ من هنا… (2)
- لنبدأ من هنا*
- ما قبل المولات!
- عندما تُسيَّس الفيفا
- عُدْتُ وشيئاً ما في وطني*
- إلى الجمهورية الإيطالية
- تدرّجية الاخطاء
- إنها الجفرة
- لو قمتي بذلك يا صين!
- كورونا وباء أم حرب!؟
- الفيدرالية حل
- أحقادكم لن تُنسى
- قالك ... ملك ورجال!
- فن إخفاء الجرائم!
- كر وفر
- انها المأس.....اة!
- براڤو خليفة حفتر


المزيد.....




- حساب مسلسل -هذا البحر يفيض- على منصة -إكس- يرحب بمحمد صلاح
- -اقتلوا قاتلكم-.. لوحات دعائية بشوارع طهران تدعو للانتقام من ...
- سكان مبنى -سبين تايم- في روما ينامون خارجا بعد حريق وسط موجة ...
- تزامنا مع محادثات روما.. تصعيد في جنوب لبنان ومقتل جنديين إس ...
- ماسك يعود لحلبة السياسة ويؤجج مع عبدول معركة انتخابات التجدي ...
- ألمانيا تفتح تحقيقا عاجلا في تسلل مسيرة مفخخة لاستهداف طائرة ...
- الخارجية الروسية: موسكو سترد على طرد دبلوماسي روسي من روماني ...
- سرعة فائقة ودقة أعلى.. روسيا تطور ذخيرة صيد جديدة
- الجيش الإسرائيلي يعلن مهاجمة بنى تحتية تابعة لـ-حزب الله- في ...
- فرق البحث البولندية تعثر على رفات 243 من ضحايا مجزرة فولين


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ليلى أحمد الهوني - لماذا الآن؟