|
|
لسنا آخرَ الليبيين
ليلى أحمد الهوني
(Laila Ahmed Elhoni)
الحوار المتمدن-العدد: 8844 - 2026 / 9 / 30 - 17:32
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
(ما لم تكتبه مقالاتي من قبل - 2)
الجزء الأول من أربعة أجزاء
(ليبيا أعمق من أمسنا القريب)
✍ بقلم: ليلى أحمد الهوني
ليس المطلوب منا أن نتطابق في آرائنا، ولا أن ننظر إلى ليبيا جميعًا من النافذة نفسها؛ فالاختلاف بين الناس سنة من سنن الحياة، ولن تقوم دولة حقيقية على رأي واحد، ولا على صوت واحد، ولا على قراءة واحدة للتاريخ. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن نختلف حول كيفية بناء الوطن، وبين أن يتحول اختلافنا إلى سبب جديد لتمزيقه. وهنا أجدني أسأل نفسي، وأسأل كل ليبي: ماذا سيبقى منا؟ بعد سنوات، وربما بعد عقود، لن تبقى منشوراتنا ولا مشاحناتنا اليومية، ولا أسماء أغلب الذين تصدروا خلافات هذا الزمن. لكن ستبقى وحدها النتائج! سيبقى وطن، إما أننا ساهمنا في جمع أجزائه وبناء مؤسساته، أو أننا أضفنا إلى انقساماته انقسامًا جديدًا. وسيأتي أبناؤنا وأحفادنا يومًا، فينظرون إلى هذه السنوات ويسألون: ماذا فعل الذين سبقونا عندما كانت ليبيا في أشد حاجتها إليهم؟ ولعل أول ما ينبغي أن نتذكره، قبل أن نختلف على شكل ليبيا ومستقبلها، أن ليبيا لم تبدأ بالأمس القريب. لم تبدأ من انقلاب، ولا من ثورة، ولا من انتفاضة، ولا من دستور، ولا من نظام حكم، ولا من شعار سياسي رفعه جيل ثم مضى. ليبيا أعمق من ذلك بكثير. هذه الأرض التي نختلف عليها اليوم، ونشتد في الخصام حول إدارتها وشكل دولتها، ليست أرضًا بلا ذاكرة، ولا رقعة صامتة على الخريطة، تنتظر من يقرر مصيرها وكأنها وُلدت في زمننا نحن. إنها أرض مرّت عليها أزمنة طويلة، وتعاقبت فوقها حضارات، وقوى، وسلطات، وتجارب بشرية مختلفة؛ من الصحراء إلى الساحل، ومن الشرق إلى الغرب، ومن الواحات إلى المدن، ومن طرق القوافل إلى موانئ البحر المتوسط. ومن المهم، ونحن نقرأ تاريخ ليبيا بتمعن، أن نبدأ من حقيقة أساسية: ليبيا القديمة لم تكن دولة واحدة بحدودها الحالية. فالحدود التي نعرفها اليوم تشكلت في العصر الحديث، أما في العصور القديمة والوسطى فقد كانت هذه الأرض فضاءً واسعًا تتجاور فيه أقاليم كبرى، أهمها برقة في الشرق، وطرابلس أو طرابلس الغرب في الساحل الغربي، وفزان في الجنوب. لذلك فإن تاريخ ليبيا ليس في بداياته تاريخ دولة مركزية واحدة، بل تاريخ أرض وسكان وطرق تجارة وحضارات متداخلة. ومن لا يفهم هذه الحقيقة، قد يخطئ في فهم ليبيا كلها من الأساس. قبل أن تكون لنا دولة حديثة باسم ليبيا، كانت لهذه الأرض ذاكرة إنسانية ضاربة في القدم. في تادرارت أكاكوس وفزان، ترك الإنسان القديم رسومًا ونقوشًا صخرية تعود إلى آلاف السنين مضت، تحكي عن حياة بشرية فيها صيد ورعي وحيوانات وطقوس ومشاهد اجتماعية. وجميع تلك الرسومات والنقوش تدل بوضوح على أن الصحراء الليبية لم تكن دائمًا كما نراها اليوم، وأن الإنسان قد عاش في الجنوب الليبي قبل قيام المدن والدول بآلاف السنين. كانت الحياة في تلك الأزمنة مرتبطة بالماء، والبيئة، والتنقل، والقدرة على البقاء. وكان الاقتصاد فيها بسيطًا، يقوم على الصيد، ثم الرعي، والتنقل حول الواحات ومصادر الحياة. أما المعتقدات فكانت محلية وبدائية، مرتبطة بالطبيعة والخصب والحيوان والأسلاف، قبل أن تعرف هذه الأرض الديانات المنظمة التي جاءت في مراحل لاحقة. ومع مرور الزمن ظهرت الجماعات الليبية القديمة، وهي التي يرتبط بها الجذر الأمازيغي في شمال أفريقيا. وقد عرف المصريون القدماء بعض هذه الجماعات بأسماء مثل الليبو والمشوش، وظهرت في النصوص المصرية بوصفها جماعات تتحرك على أطراف مصر الغربية، تارة في صورة جيران، وتارة في صورة محاربين، وتارة في صورة قبائل لها حضورها وقوتها. لم يكن هؤلاء السكان شعبًا واحدًا موحدًا تحت دولة مركزية، بل كانوا قبائل ومجموعات متعددة تنتشر بين الساحل والداخل والواحات. كانت حياتهم الاجتماعية قبلية، وكان اقتصادهم يقوم على الرعي، والزراعة المناسبة لمناخ المنطقة المحدودة، والتجارة المحلية، ثم على القوافل في المناطق الصحراوية. وفي فزان برز الجرامنت، وهم من أهم القوى الصحراوية القديمة. فقد أقاموا مجتمعًا منظمًا حول الواحات وطرق القوافل، وربطوا بين شمال أفريقيا وعمق الصحراء. ومن هنا ينبغي أن نفهم أن الجنوب الليبي لم يكن يومًا هامشًا مهمشًا بلا تاريخ، بل كان فضاءً بشريًا واقتصاديًا وسياسيًا له دوره وصلاته وذاكرته. وهنا لا بد من تصحيح فكرة شائعة عند البعض، وهي أن سكان ليبيا قبل الإسلام كانوا على دين واحد أو معتقد واحد. هذا الأمر في واقعه غير دقيق تاريخيًا. فليبيا قبل الإسلام كانت متعددة الديانات والمعتقدات. بعض سكانها كانوا على معتقدات محلية أمازيغية أو ليبية قديمة، وبعضهم تأثر بمصر القديمة، ثم دخلت عبادات فينيقية وبونية ويونانية ورومانية، ثم انتشرت الديانتان اليهودية والمسيحية في مراحل لاحقة. لذلك لا يصح اختزال ليبيا القديمة في عبارة عابرة أو حكم عام. فالأدق هنا أن نقول: إن هذه الأرض مرت من معتقدات محلية إلى وثنيات متوسطية، ثم إلى حضور يهودي ومسيحي، ثم إلى الإسلام الذي أصبح لاحقًا هو الدين الغالب والمكوّن الأعمق لهوية الدولة الليبية. وفي الألفية الأولى قبل الميلاد (1)، دخل الفينيقيون إلى الساحل الليبي الغربي كتجار وبحارة. لم يأتوا في البداية ليحكموا الداخل، بل ليؤسسوا مرافئ ومحطات تجارية على البحر المتوسط. وقد نشأت مدن مثل لبدة الكبرى وصبراتة وأويا، وهي طرابلس الحالية لاحقًا. أصبحت هذه المدن جزءًا من العالم البوني المرتبط بقرطاج. وكانت المدن الساحلية أقرب إلى مراكز تجارية بحرية منها إلى ممالك برية عميقة في الداخل. وازدهرت اقتصاديًا بفضل التجارة بين البحر والداخل الأفريقي، من زيتون وحبوب ومنتجات قادمة من الصحراء. واجتماعيًا امتزج الفينيقيون بالسكان المحليين، فظهرت ثقافة بونية ليبية في الساحل الغربي، لها طابعها الخاص. وفي الشرق، وبخاصة في برقة، دخل الإغريق منذ القرن السابع قبل الميلاد. أسس مهاجرون من جزيرة ثيرا مدينة قورينا، التي صارت من أهم مدن العالم الهلنستي. وحول قورينا نشأت مدن أخرى، وأصبحت برقة ذات طابع إغريقي واضح، مختلف عن الطابع البوني في الغرب. كانت قورينا مدينة زراعية وتجارية وفكرية، واشتهرت بخصوبة أرض الجبل الأخضر، وبنبات السلفيوم الشهير في المصادر القديمة. أما سياسيًا فقد عرفت برقة أنظمة حكم وتحولات متعددة، وتأثرت لاحقًا بالبطالمة في مصر. واجتماعيًا كان هناك إغريق وسكان ليبيون محليون، وكان بينهما تفاعل، لكنه لم يكن دائمًا تفاعلًا متساويًا؛ فالمدن كانت أكثر تأثرًا بالثقافة الإغريقية، بينما حافظت الأرياف والقبائل على شخصيتها المحلية. ثم جاء العصر الروماني، وهو من أعظم العصور العمرانية في ليبيا القديمة. بعد سقوط قرطاج وتوسع روما، دخل الساحل الليبي ضمن العالم الروماني. في الغرب ازدهرت لبدة الكبرى وصبراتة وأويا، وفي الشرق استمرت قورينا ومدن برقة تحت الحكم الروماني. ولم تكن ليبيا كلها رومانية بالدرجة نفسها. فالمدن الساحلية كانت أشد ارتباطًا بروما، أما الداخل والصحراء فاحتفظا باستقلال نسبي أو بعلاقات غير مباشرة مع السلطة. واقتصاديًا ازدهرت الزراعة، خصوصًا الزيتون والحبوب، ونشطت التجارة البحرية والقوافل، وظهرت طبقات محلية متعلمة وغنية، حصل بعضها على المواطنة الرومانية. ومن أعظم رموز هذه المرحلة الإمبراطور سيبتيموس سيفيروس، المولود في لبدة الكبرى، والذي جعل مدينته واحدة من أجمل مدن الإمبراطورية. وليست لبدة وصبراتة وقورينا مجرد حجارة جميلة من زمن مضى، بل هي شواهد على أن هذه الأرض قد عرفت العمران، والقانون، والتجارة، والمدينة قبل قرون طويلة من نشوء الدولة الحديثة. دينيًا بدأ العصر الروماني بالوثنيات الرومانية واليونانية والبونية، ثم انتشرت المسيحية تدريجيًا في المدن. وبحلول القرون الميلادية الأولى، صارت المسيحية حاضرة في شمال أفريقيا كله، بما في ذلك المدن الليبية الساحلية. كما وجدت جماعات يهودية، خاصة في برقة وبعض المراكز الحضرية. ثم دخل الوندال شمال أفريقيا في القرن الخامس الميلادي، بعد ضعف الإمبراطورية الرومانية الغربية. وكان حكمهم مرحلة اضطراب وتراجع لبعض المدن. وبعد ذلك استعاد البيزنطيون المنطقة في القرن السادس في عهد الإمبراطور جستنيان، وحاولوا إعادة بناء السلطة الرومانية المسيحية، حيث رمموا بعض الحصون والكنائس، لكن سيطرتهم بقيت في الغالب ساحلية ومحدودة. أما الداخل الليبي، وخاصة القبائل والواحات، فلم يكن خاضعًا بعمق للدولة البيزنطية. وبنهاية هذه المرحلة، كانت ليبيا الساحلية قد عرفت المسيحية والسلطات المتوسطية، لكنها كانت سياسيًا ضعيفة ومهيأة لدخول قوة جديدة. في القرن السابع الميلادي دخل العرب المسلمون إلى ليبيا ضمن الفتوحات الإسلامية لشمال أفريقيا. بدأ دخولهم من جهة مصر نحو برقة، ثم طرابلس وفزان. ولا ينبغي فهم الفتح الإسلامي كأنه غيّر كل شيء في يوم واحد. عسكريًا دخلت الجيوش الإسلامية في زمن مبكر، لكن انتشار الإسلام بين السكان وتعريب المجتمع احتاجا إلى قرون. بعض المدن خضعت صلحًا أو بعد مقاومة، وبعض القبائل قاومت أو تفاوضت، وبعضها دخل في الإسلام تدريجيًا. كان رد فعل السكان متنوعًا؛ فهناك من رأى في الحكم الجديد قوة سياسية ودينية صاعدة، وهناك من قاوم حفاظًا على استقلاله أو دينه أو مصالحه، ثم مع الوقت دخلت أغلب الجماعات في الإسلام. كان دخول الإسلام أعظم تحول ديني وثقافي في تاريخ ليبيا. فقد انتقلت البلاد تدريجيًا من عالم بيزنطي مسيحي متوسطي إلى عالم إسلامي مرتبط بالمشرق والمغرب معًا. لكن المسيحية واليهودية لم تختفيا فورًا، بل بقيتا مدة في بعض المدن والمناطق الليبية. أما اللغة العربية، فلم تصبح لغة جميع السكان مباشرة. فقد بقيت الأمازيغية ولهجات محلية حاضرة، خصوصًا في الجبال والواحات. وانتشر الإسلام أولًا كدين وحكم، ثم جاء التعريب ببطء، وذلك عبر الإدارة، والقرآن، والتجارة، والهجرات، والعلاقات الاجتماعية. بعد الفتح الإسلامي، دخلت ليبيا في إطار الخلافة الأموية ثم العباسية، لكنها بحكم موقعها بين مصر وإفريقية لم تكن دائمًا مركزًا مستقلًا للحكم. كان الشرق الليبي يتأثر بمصر، وكان الغرب الليبي يتأثر بتونس والقيروان، وظلت فزان مرتبطة بالصحراء وطرق القوافل. وفي هذه المرحلة ظهرت تأثيرات مذهبية وسياسية متعددة؛ فإلى جانب الإسلام السني، وجدت تيارات إباضية في بعض البيئات الأمازيغية، وظهرت لاحقًا الدعوة الفاطمية ذات الطابع الشيعي الإسماعيلي في شمال أفريقيا. وهذا يعني أن الإسلام في ليبيا في بداياته لم يكن صورة واحدة جامدة، بل مر بتنوع مذهبي وسياسي قبل أن يغلب عليه الطابع السني المالكي في القرون اللاحقة. وفي العصور الإسلامية الوسطى تعاقبت على ليبيا قوى كثيرة: الأغالبة، والفاطميون، والزيريون، ثم قوى محلية ومغاربية مختلفة. لم تكن البلاد موحدة دائمًا؛ فقد كانت طرابلس وبرقة وفزان تتبع أحيانًا سلطات مختلفة. طرابلس كانت مدينة بحرية وتجارية، وبرقة طريقًا بين مصر والمغرب، وفزان مركزًا صحراويًا للقوافل. واستمرت التجارة عبر البحر والصحراء، وبقيت القبيلة والمدينة والزوايا والواحة عناصر أساسية في الحياة الليبية. في هذه الفترة بدأ الإسلام يترسخ أكثر في الحياة اليومية، من القضاء والتعليم والعلماء إلى العادات الاجتماعية. ومن التحولات الكبرى في تاريخ ليبيا هجرات بني هلال وغيرها في القرن الحادي عشر وما بعده. هذه الهجرات العربية غيرت البنية السكانية واللغوية في ليبيا وشمال أفريقيا. قبلها كان الإسلام منتشرًا، لكن العربية لم تكن لغة كل السكان في البلاد. وبعد هذه الهجرات تعمق التعريب، خاصة في البوادي والقبائل، وصارت العربية أقوى في الحياة اليومية. لكن ذلك لم يلغ اللغة الأمازيغية، التي بقيت في مناطق مثل جبل نفوسة وزوارة وغدامس وبعض الواحات. وهذا وحده يعلّمنا أن الهوية الليبية لم تتكون من عنصر واحد، بل من تراكم طويل بين العرب والأمازيغ، وبين المدينة والقبيلة، وبين الساحل والصحراء. وفي القرن الثاني عشر ظهر نفوذ النورمان، حكام صقلية، على بعض سواحل شمال أفريقيا، ومنها طرابلس لفترة قصيرة. لم يكن هذا حكمًا شاملًا لكل ليبيا، ولم يكن عميقًا في الداخل، بل كان نفوذًا بحريًا وسياسيًا على مدينة ساحلية ضمن صراع البحر المتوسط. وأهمية هذه المرحلة أنها تبين أن طرابلس كانت جزءًا من عالم متوسطي متصارع؛ بين قوى إسلامية ومسيحية وتجارية. بعد ذلك دخلت طرابلس في نفوذ الحفصيين في تونس، بينما ظلت برقة كثيرًا ما تتأثر بمصر، وظلت فزان مرتبطة بالصحراء والقوافل. وهذه المرحلة، من القرن الثالث عشر إلى الخامس عشر، تبين، بل تؤكد لنا مرة أخرى، أن ليبيا لم تكن دولة موحدة بحدودها الحديثة، بل هي مجموعة أقاليم متجاورة؛ تتبدل ولاءاتها بحسب القوة القريبة منها. وفي بداية العصر الحديث دخلت القوى الأوروبية المتوسطية إلى المشهد. فقد احتل الإسبان طرابلس سنة 1510 تقريبًا، ثم سلموها إلى فرسان القديس يوحنا، المعروفين لاحقًا بفرسان مالطا. وكانت هذه المرحلة جزءًا من الصراع الكبير بين إسبانيا المسيحية والدولة العثمانية والقوى الإسلامية في البحر المتوسط. ولم يستمر الحكم الإسباني المالطي طويلًا، لأن العثمانيين دخلوا طرابلس سنة 1551، وبدأ بذلك عهد عثماني طويل. في العهد العثماني الأول، من 1551 إلى 1711، أصبحت طرابلس إيالة عثمانية. كانت السلطة باسم السلطان العثماني، لكن الإدارة المحلية والجيش والبحرية كان لهم دور كبير. سياسيًا، كانت طرابلس مرتبطة بإسطنبول، لكن بعدها الجغرافي عنها، جعلها تتمتع في الكثير من الأحيان بقدر من الاستقلال العملي. اقتصاديًا، اعتمدت على التجارة، والضرائب، والقوافل، والنشاط البحري. واجتماعيًا، بقيت القبائل قوية خارج المدن، وكانت العلاقة بين المدينة والقبيلة علاقة تفاوض وصراع ومصلحة. ولم تكن السيطرة العثمانية على فزان والداخل مثل سيطرتها على طرابلس والساحل؛ فالداخل كان يحكم غالبًا عبر التحالفات والولاءات. وفي سنة 1711 قامت الأسرة القرمانلية، فدخلت طرابلس مرحلة حكم شبه مستقل مع بقاء الولاء الاسمي للعثمانيين. وهذه المرحلة تعد مهمة جدًا، لأنها منحت طرابلس شخصية سياسية أكثر وضوحًا. حكم القرمانليون طرابلس حتى سنة 1835، ودخلوا في علاقات ومعاهدات وصدامات مع الأوروبيين والولايات المتحدة. كان الاقتصاد يعتمد على التجارة البحرية والقوافل والضرائب، لكن الصراعات الداخلية أضعفت الأسرة القرمانلية آنذاك. اجتماعيًا ظلت القبائل والزوايا والمدن أطرافًا أساسية في الحكم. ومع تدهور الحكم القرمانلي، أعاد العثمانيون السيطرة المباشرة سنة 1835. في العهد العثماني الثاني، من 1835 إلى 1911، حاولت الدولة العثمانية تحديث الإدارة والجيش والضرائب، خاصة مع تصاعد الضغط الأوروبي على شمال أفريقيا. وفي هذه الفترة ظهرت الحركة السنوسية التي أسسها محمد بن علي السنوسي. انتشرت السنوسية خصوصًا في برقة والصحراء، ولم تكن مجرد طريقة دينية، بل كانت شبكة اجتماعية وتعليمية وتنظيمية عبر الزوايا التي تتبعها، حيث ربطت بين القبائل، ونشرت التعليم الديني، ونظمت الحياة في مناطق واسعة. ولاحقًا صارت السنوسية في ليبيا قوة مقاومة ضد الاستعمار الإيطالي، ومنها خرج الملك محمد إدريس السنوسي. كل هذا يعني لنا أن ليبيا لم تكن فراغًا قبل الاحتلال الإيطالي، ولذلك ها أنا أشرح لكم وأوضح (2). كانت هناك مدن، وقبائل، وزوايا، وواحات، وأسواق، وقوافل، وتجارة، وسلطات محلية، وعلاقات خارجية، ومذاهب، وتحولات اجتماعية. لذلك لا يجوز أن نبدأ تاريخ ليبيا من الغزو الإيطالي، كما لا يجوز أن نبدأه من الاستقلال سنة 1951، ولا من انقلاب سنة 1969، ولا من انتفاضة سنة 2011. هذه الأرض كانت تحمل ذاكرة طويلة قبل أن تصبح دولة حديثة. وفي الجزء الثاني ننتقل من هذه الذاكرة الطويلة إلى واحدة من أقسى مراحل التاريخ الليبي الحديث: الغزو الإيطالي والمقاومة، ثم الطريق إلى الاستقلال وميلاد الدولة الليبية الحديثة. يتبع في الجزء الثاني من أربعة أجزاء: من الاحتلال الإيطالي إلى ميلاد الدولة. ——————————— (1) يجدر التنبيه هنا إلى أن التواريخ التي تقع قبل ميلاد المسيح، عليه السلام، تُقرأ في اتجاه عكسي؛ فكلما ابتعدنا عن سنة الميلاد ازداد الرقم، بخلاف التواريخ التي جاءت بعد الميلاد، حيث تسير تصاعديًا مع مرور الزمن. (2) كانت هذه الدراسة ثمرةَ بحثٍ علمي لدراساتي، كان في إمكاني أن أحتفظ به لنفسي ولأسرتي فحسب، غير أنني، إيمانًا مني بأن العلم النافع من أجلِّ ما يخلِّفه الإنسان من أثرٍ بعد رحيله، واستحضارًا لقول رسول الله ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، رأيتُ أن من واجبي أن أنشر هذه الدراسة التاريخية، لعلَّ فيها علمًا قد يُنتفع به، وفائدةً قد تبقى للأجيال من بعدنا. آمين.
#ليلى_أحمد_الهوني (هاشتاغ)
Laila_Ahmed_Elhoni#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
لم تكن هدية
-
ماذا يفعل من لا يعلم!؟
-
بين الراتب وغلاء المعيشة!
-
لماذا الآن؟
-
مصلحة ليبيا أولًا*
-
لا للتأفف*
-
الحل… دستور*
-
لنبدأ من هنا… (2)
-
لنبدأ من هنا*
-
ما قبل المولات!
-
عندما تُسيَّس الفيفا
-
عُدْتُ وشيئاً ما في وطني*
-
إلى الجمهورية الإيطالية
-
تدرّجية الاخطاء
-
إنها الجفرة
-
لو قمتي بذلك يا صين!
-
كورونا وباء أم حرب!؟
-
الفيدرالية حل
-
أحقادكم لن تُنسى
-
قالك ... ملك ورجال!
المزيد.....
-
مسؤول يكشف لـCNN رفض السعودية طلبًا إسرائيليًا بعد حادث رحلة
...
-
كيف علّق السفير الأمريكي لدى إسرائيل على حادث -فلاي دبي-؟
-
شاهد.. ركاب رحلة فلاي دبي يحتفلون بعد هبوطها بسلام في السعود
...
-
-فلاي دبي- تكشف لـCNN تفاصيل حادث رحلة تل أبيب وتدعو لعدم إط
...
-
العراق يعلن انتهاء مهمة التحالف الدولي ضد داعش رسميًا
-
-سمعنا صراخًا ورأينا الدماء-.. ركاب رحلة فلاي دبي إلى تل أبي
...
-
بين الإصابات والمتابعة القضائية.. حكيمي أمام تحد جديد في بار
...
-
ما مستقبل الفصائل العراقية المقربة من طهران بعد انسحاب التحا
...
-
لحظة بلحظة.. رحلة فلاي دبي بركاب إسرائيلين: عراك بالسكاكين ف
...
-
ماكرون: وعود -بريكست- لم تتحقق… وبريطانيا أصبحت أفقر
المزيد.....
-
المرأة ملاك أم شيطان؟
/ مريوان هلبجي
-
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
/ نور الدين البوثوري
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|