ليلى أحمد الهوني
(Laila Ahmed Elhoni)
الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 16:33
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
✍ بقلم: ليلى أحمد الهوني
حين يطول التعب، يصعب على الإنسان أن يتخيّل حياةً لا يتعب فيها بالطريقة نفسها.
وحين تتكرر الخيبات، يصبح الحديث عن الأمل ثقيلًا على قلبٍ سمع الوعود كثيراً، وانتظر أكثر، ثم عاد في نهاية كل يوم يحمل همومه نفسها.
ولهذا أفهم المواطن الليبي الذي لم يعد يسأل متى تتحسن الأحوال، بل صار يتساءل: وهل يمكن أن تتحسن أصلًا؟
أفهم خوف الأم على أبنائها، وقلق الأب على رزق أسرته، وحيرة الشاب الذي تمضي سنوات عمره وهو يؤجل أحلاماً بسيطة، لا يريد بها أكثر من حياة آمنة، وعمل كريم، ومستقبل يستطيع أن يطمئن إليه.
لا أكتب لأقول لهؤلاء إن آلامهم صغيرة، ولا إن الصبر كلمة نلقيها على مسامعهم، ثم نتركهم وحدهم يواجهون ما لا نحتمل نحن مواجهته.
أكتب لأنني أخشى أن يأخذ الظلم من الإنسان، إلى جانب حقوقه، قدرته على تصوّر انتهاء الظلم.
أن يصبح الواقع، بكل ما فيه من قسوة، هو الصورة الوحيدة الممكنة في ذهنه، وأن يظن أن الذين ضيّقوا عليه حياته قد امتلكوا الزمن أيضاً.
لكن طول البقاء ليس خلوداً.
والإنسان الذي يملك اليوم قراراً أو مالًا أو سلاحاً، يظل إنساناً محدود العمر والقدرة. قد يطول نفوذه، وقد تبقى آثار ظلمه بعده، لكن سلطانه لا يجعله فوق الحساب، ولا يجعل الحال الذي صنعه قدراً يجب أن نرضى باستمراره.
وفي المقابل، فإن رحيل شخص لا يكفي وحده لإقامة العدل.
فقد يذهب الظالم وتبقى وسائل الظلم، وقد تتبدل الوجوه وتستمر الممارسات نفسها.
لذلك نحتاج إلى إصلاح يحفظ الحقوق، وقانون يسري على الجميع، ومؤسسات لا تتوقف كرامة المواطن فيها على رضا صاحب النفوذ.
فأين نضع رجاءنا ونحن نعيش هذا الطريق الطويل؟
قبل كل شيء وأي شيء، أضع رجائي في الله، وأدعو إلى الثقة به، مع إدراكي أنني لا أملك أن أحدد للناس موعد الفرج، ولا أن أخبرهم بأي صورة سيأتي.
وفي سورة إبراهيم يقول الله تعالى:
{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}.
[إبراهيم: 42]
هذه الآية تخاطب النبي ﷺ، وتأتي في سياق الوعيد للظالمين والتذكير بمشهد الحساب.
إنها تنفي أن يكون تأخير العقوبة غفلةً عمّا يفعلونه، وتذكّر بأن الحساب الذي قد يغيب عن محاكم الأرض، لا يغيب عن عدل الله.
ولهذا لا أقرأها وعداً بأننا سنشهد عقوبة كل ظالم في حياتنا، ولا أستعملها لتحديد نهاية حاكم أو جماعة.
أقرأ فيها ما يحفظ للمظلوم يقينه، بأن حقه لا يصبح باطلًا لأن من اعتدى عليه ظل قويًا، وأن طول الإمهال لا يعني البراءة.
ولست هنا أريد أن أعيد على القارئ دروساً في التاريخ، فمعظمنا يعرف من التاريخ ما يكفيه للعبرة، ولكنني أستدعي بعض الشواهد للتذكير لا أكثر.
ففرعون، الذي جعله القرآن لنا مثالًا للطغيان والاستعلاء، لم يخلد له ملك، ولم تنفعه قوته حين جاء أمر الله.
وكذلك تخبرنا ذاكرة الأمم، أن حكاماً وجماعات ظنوا أن البلاد صارت ملكاً لهم، وأن أصوات الناس خمدت إلى الأبد، ثم انتهى أمرهم وبقيت العبرة.
وفي زمننا العربي القريب، رأينا أن أنظمة بدت لعقود كأنها لا تزول، في العراق وتونس ومصر وليبيا وسوريا وغيرها، قد تغيرت صورها أو سقطت أو دخلت في امتحانات قاسية، وإن لم يتحقق العدل الكامل بعدها في كل مكان.
وهذا مهم جداً: فزوال الطاغية لا يعني بالضرورة زوال الظلم كله، ولا سقوط رأس النظام يعني وحده قيام الدولة العادلة.
لكن التاريخ يعلّمنا أن الاستبداد، مهما طال، ليس قدراً أبدياً، وأن من واجب الشعوب هنا، أن تتعلم من سقوط الظالمين كما تتعلم من بقاء آثار ظلمهم.
وقد يشتد البلاء على المؤمن حتى تضيق به نفسه، ويتعب قلبه، ويستبطئ الفرج. ولم يُخفِ القرآن هذا الجانب من التجربة الإنسانية.
قال تعالى:
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.
[البقرة: 214]
تذكّر الآية الكريمة هنا المؤمنين بشدة ما أصاب من سبقهم، حتى بلغ بهم الكرب هذا المبلغ.
فوجود الألم والخوف وطول الانتظار ليس تجربة تخصنا وحدنا، ولا يصح أن نتخذ معاناة إنسان دليلًا على أن الله نسيه أو أنه قليل الإيمان.
وحين نستحضر ابتلاء الأنبياء وأتباعهم، فإننا نستحضر ما يثبّت القلوب، دون أن نطالب المتألم بأن يخجل من ألمه.
ومن أكثر المشاهد التي تستوقفني في هذا المعنى موقف يعقوب عليه السلام في سورة يوسف.
ففي سياق حزنه على يوسف، ثم فقد أخيه، قال لبنيهِ:
{يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ}.
[من الآية 87 من سورة يوسف]
ورَوْح الله هنا بمعنى فرجه ورحمته.
وأتأمل ترتيب الكلمات: "اذهبوا فتحسسوا" ابحثوا، واسألوا، وابذلوا ما تستطيعون، ثم "ولا تيأسوا من روح الله".
لقد اجتمع في هذا الموقف الرجاء والسعي. كان الحزن حاضراً، وكانت أسباب الاطمئنان قليلة، ومع ذلك ظل هناك عمل يمكن القيام به، وباب للرحمة لا ينبغي إغلاقه في النفس.
وفي واقعنا، نحتاج إلى هذا المعنى دون أن نجعل من قصة نبي وعداً بتكرار تفاصيلها في حياتنا.
نحتاج إلى أن نسأل: ما الذي نستطيع فعله اليوم، ولو كان صغيراً، ليصبح الغد أقل قسوة؟
وجاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن رسول الله ﷺ قال:
"احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ".
رواه مسلم، رقم 2664، وهو جزء من حديث صحيح.
هذا التوجيه يجمع الحرص على النافع والاستعانة بالله ومقاومة الاستسلام للعجز. ومن هنا أفهم أن الدعاء والسعي يستطيعان أن يسيرا معًا في حياة الإنسان.
ندعوا الله أن يرفع الظلم، ونمتنع نحن عن ظلم من نقدر عليهم.
ونسأل الله أن يصلح أحوال بلادنا، ونتحرى الصدق فيما ننشره عنها.
ونسأله جلّ في عُلاه أن يرزقنا مسؤولين أمناء، ونرفض أن نبرر الفساد حين يكون صاحبه قريباً منا أو موافقاً لرأينا.
وندعوه أن يجمع القلوب على الخير، ونكفّ ألسنتنا عن إشعال العداوات بين المدن والعائلات والقبائل.
هذه مسؤوليات متفاوتة بحسب القدرة والموقع.
والمسؤولية الأكبر تقع على من يملك القرار والموارد والسلطة.
ولا يجوز أن نحمّل المواطن المرهق وزر ما ارتكبه أصحاب النفوذ، أو أن نجعل عجزه عن تغيير واقع أكبر منه تهمةً أخرى نضيفها إلى أوجاعه.
لكن ما يستطيع كل واحد منا فعله يظل مهماً: حق يعيده، ومظلوم يسانده، وشهادة لا يحرّفها، وعلم ينفع به، ومطالبة سلمية بالعدل لا يتخلى عنها.
وحين ندعوا الله بالخلاص، فلنراجع ما نقصده بالخلاص أيضاً.
هل نريده أمناً وكرامةً لكل الليبيين، أم نريده انتصاراً لنا يتيح أن يذوق غيرنا ما ذقناه؟
هل نرفض الظلم لأنه ظلم، أم لأننا هذه المرة من ضحاياه؟
صدق النية يبدأ حين نطلب للآخرين الحق الذي نطلبه لأنفسنا، وحين نرفض أن تصبح آلامنا مبرراً لآلام جديدة نصنعها بأيدينا.
ومع ذلك، لا يحق لأحد أن يفتش في قلوب المتعبين، أو أن يقول لهم إن الفرج تأخر لأن دعاءهم غير صادق.
نحن لا نعلم الغيب، ولا نملك الحكم على نيات الناس، ولا نستطيع أن نحصر حكمة الله في تفسير يخدم رأينا السياسي.
إنني أدعو إلى رجاء يعين الإنسان على مواصلة الحياة، وإلى إيمان يحفظ رحمته بالناس، وإلى دعاء يخرج من قلب يريد الخير، دون أن يتحول إلى وعد باسم الله بنتيجة نحدد نحن تفاصيلها.
ولا نعلم كم بقي لنا من أعمارنا، ولا متى تقوم الساعة. وليس من حاجتنا، كي نؤدي واجبنا اليوم، أن نجزم بما سنشهده غداً.
نسأل الله العافية والثبات والوقاية من الفتن، ونعمل في الوقت الذي أتاحه لنا بما نستطيع من صدق وعدل ورحمة.
كتبتُ ذات مرة: "وستُنسى هذه الأيام أيضًا".
وأقول اليوم إن بعض الأيام قد تمر دون أن تُنسى، وإن بعض الخسارات يبقى أثرها في القلب ما بقي العمر.
لكن بقاء الذكرى لا يعني أن نظل أسرى للحظة التي جرحتنا، ولا أن نمنح من ظلمونا حق تحديد كل ما يمكن أن تكون عليه حياتنا.
للمتعب حق في الراحة، وللمظلوم حق في الإنصاف، وللوطن حق في أن نحاول إصلاحه، حتى حين يبدو الطريق أطول مما نحتمل.
لا أعرف موعد الفرج، لكنني لا أريد لليأس أن يقرر عني أن كل محاولة ستكون بلا جدوى.
وأثق بالله، وأدعوه، وأتمسك بما أستطيع فعله من خير، وأرجو لأهلي ووطني عدلاً لا يستثني أحداً، وأمناً لا يُشترى بالصمت عن المظالم.
اللهم ارفع الظلم عن المظلومين، وفرّج كرب أهلنا، واحفظ دماءهم وكرامتهم، وأصلح أحوال بلادنا، وارزقنا صدق النية وحسن العمل.
اللهم لا تجعل آلامنا طريقاً إلى القسوة، ولا تجعل اختلافنا سبباً لعداوة جديدة، وأعذنا اللهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ومن فتنة المسيح الدجال.
ليس للظلم خلود.
ولنمنح ما بقي من أعمارنا للعدل والرحمة، ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.
#ليلى_أحمد_الهوني (هاشتاغ)
Laila_Ahmed_Elhoni#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟