أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبدالله عطوي الطوالبة - شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (3)















المزيد.....

شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (3)


عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 12:08
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


نبدأ هذا المقال بما ختمنا به المقال السابق تحت العنوان ذاته بخصوص "التناخ"، أحد أهم الكتب المقدسة لدى اليهود، حيث يجزم المؤرخ شلومو ساند أنه كُتِب على أيدي عدد كبير من الكَتَبَة، وأُعيد تحريره على أيدي آخرين على امتداد فترات طويلة من الزمن.
أفرد ساند الفصل الثالث في كتابه "اختراع الشعب اليهودي" لأسطورة المنفى، بحسبانها اختراعًا صهيونيًّا بحتًا لإبقاء ثالوث الاقتلاع والتشرد والعودة مغروسًا في أعماق التقاليد اليهودية. أما الهدف المنشود دائمًا، فهو تكريس حق وسيادة مزعومين لـشعب فريد متنقل ومنعزل، على "أرض بلا شعب" موعودة لـ"شعبٍ بلا أرض".
ويلفت النظر تردد أصداء مفاهيم المهجر والشتات، بصورة مباشرة أو مجازية، في قصص التوراة وكتب الأنبياء، إذ تبدو العقيدة اليهودية وكأنها تنهل دائمًا من الاقتلاع والتشرد والعودة؛ بدءًا بطرد آدم (آدام) وحواء (حافا) من الجنة، ومجيء ابراهيم إلى أرض كنعان، وهجرة يعقوب إلى مصر، وهي أحداث دينية لا تاريخية كما هو معلوم.
لقد ضَخَّمت الصهيونية ثيمة الاقتلاع والطرد، ووظفتها من أجل بناء ذاكرة ذات مدى بعيد، كما يرى ساند، صُوِّرَ فيها شعب عرقي متخيل ومنفي على أنه استمرار مباشر لشعب التناخ السابق له.
وفي دحض هذه الأكاذيب والتلفيقات بدءًا بالجلاء المزعوم سنة 70 ميلادية على أيدي الرومان، يؤكد ساند من موقع المؤرخ الواثق أنهم لم يقوموا قط بنفي أحد. ويستحضر أيضًا حقيقة وثيقة الصِّلة بالسياق، مفادها أن الآشوريين والبابليين لم يلجأوا بدورهم في تاريخهم إلى إبعاد السكان الخاضعين لاحتلالهم.
ويخلو التوثيق الروماني الحافل من أي إشارة إلى نفي اليهود، كما لا تتوفر للباحثين أدلة على تجمعات سكانية كبيرة للاجئين منهم، في أعقاب تمرد "الزيلوت" المزعوم ضد الرومان.
يُعرف عن حكام روما قمع السكان الثائرين، حيث أعدموا محاربين، واقتادوا أسرى وباعوهم كعبيد، ونفوا ملوكًا وأمراء، لكنهم قطعًا لم يلجأوا إلى اقتلاع جمهورٍ كاملٍ من سكان المناطق التي احتلوها في الشرق؛ إذ لم تكن تتوافر لديهم وسائل النقل المعروفة لنا اليوم، كالشاحنات والقطارات والسفن الضخمة.
ولم يُؤثر عن الآشوريين والبابليين في سياسة النفي، سوى إبعاد النُّخَب الرسمية والمثقفة عن مواطنها.
لكن من أين جاءت فكرة نفي الشعب اليهودي عقب خراب الهيكل المزعوم؟
يستعين ساند في الإجابة بالباحث في جامعة بار إيلان، حاييم ميلكوفسكي، الذي أثبت استنادًا إلى شهادات العديد من التنائيم (الفقهاء) أن مصطلح جلوت (منفى) وصف في القرنين الثاني والثالث للميلاد عملية استبعاد وليس عملية اقتلاع. وأدلى المؤرخ في الجامعة العبرية، يسرائيل يعكوف يوفال، بدلوه في قضية النفي المزعوم، مؤكدًا أنه صُمِّمَ في فترة متأخرة نسبيًا بعد ظهور الميثولوجيا المسيحية المتعلقة بنفي اليهود كعقاب لهم على صلب المسيح ورفض بشارته.
ويذكِّر شلومو ساند قراءه بوجود جالية يهودية في بابل منذ القرن السادس قبل الميلاد، لم تسعَ قط إلى "العودة" حتى في زمن المملكة الحشمونائية. ويضيف إلى ذلك تواجد أتباع الديانة اليهودية عشية خراب الهيكل، في سائر أنحاء الامبراطورية الرومانية. وكانوا يفوقون بكثير يهود شمال افريقيا وأرمينيا عددًا؛ فمن فارس وحتى روما نمت جاليات يهودية تركزت في المدن الآهلة بالسكان، كما شهدت "يهودا" حركة نزوح كثيفة في ضوء حروب الاسكندر الأكبر.
ويستشهد بأبحاث رصينة، منها رسالة دكتوراة للباحث أوريئيل راببورت عام 1965؛ أكد فيها خلافًا للخطاب الصهيوني السائد، أن انتشار اليهودية في العالم القديم لم يكن مرهونًا بالهجرة، ولا بأي تفسير آخر يُغفل حركة اعتناق اليهودية من مختلف الأعراق. وهنا، يشير ساند إلى أمر لافت يخص الديانة اليهودية، يخالف الصورة النمطية المعروفة عنها اليوم كعقيدة منغلقة؛ إذ يقول : "لقد كان يملؤها الحماس للتهويد بدرجة لا تقل عن المسيحية والاسلام".
ولا يفوته تثبيت حقيقة تاريخية تتعلق باستخدام مملكة الحشمونائيم السيف، "ليس من أجل توسيع رقعة سيطرتها الجغرافية وحسب بل وتوسيع جمهور المؤمنين بعقيدتها". كان التهويد قسريًّا في حقبة حكام الحشمونائيم، في نهاية القرن الثاني قبل الميلاد، وكان جزءًا جوهريًّا في السياسة اليهودية.
ويُذْكَر أن الحكام الحشمونيين، وعلى رأسهم يوحنا هيركانوس نحو سنة 125 قبل الميلاد، خيّروا مجموعات معينة، مثل الأدوميين بين اعتناق اليهودية بالختان والاندماج، أو الرحيل.
ويسترعي الانتباه أن ما يسمونه "أرض يهودا" كانت تُسمى"بلستينا" (فلسطين)، منذ القرن الثاني الميلادي على ألسنة الحكام الرومان وورثتهم. وكَرَدَّة فعل التفافية على ذلك، أخذ حاخامات يهود يسمونها "ايريتس يسرائيل"(أرض اسرائيل).
ويعزز شلومو ساند رؤيته بالقول إن المؤرِّخَيْن المِهَنِيَّيْن الرياديين في الجامعة العبرية، يتسحاق باعر وبن تسيون دينور، أدركا تمامًا أنه لم يحدث أي نفي عند خراب الهيكل المزعوم. ولذلك، أحالا بداية "المنفى" إلى ما يسميانه "الاحتلال الإسلامي" في إشارة إلى الفتوحات العربية الإسلامية في القرن السابع الميلادي، حيث رأيا أن قدوم العرب إلى فلسطين أدى إلى هزيمة ديمغرافية للوجود اليهودي.
يرفض ساند هذه الرؤية وينفي وجود أي دليل تاريخي يؤكدها، إذ لم تشهد فلسطين اجتياح موجات مهاجرين من شبه الجزيرة العربية. كما أن جيش المسلمين الذي انطلق من هناك خلال الأعوام (638- 643 م) كان محدود العدد؛ إذ لم يتجاوز أفراده وفق أعلى التقديرات ستة وأربعين ألف محارب، أُرسِل معظمهم للقتال في الجبهات الحدودية للإمبراطورية البيزنطية.
ولا يغيب عن بال ساند التذكير بتحول "بلستينا"(فلسطين) إلى منطقة تحت الحماية المسيحية قبل الفتوحات العربية الإسلامية بقرون، وعلى وجه التحديد سنة 324 م، حيث تنصَّرت أعداد كبيرة من سكانها. بيد أن معظم المكتشفات والشهادات تتفق على أن انتشار المسيحية لم يلغِ كليًّا التواجد اليهودي، وظل السكان يتألفون، إلى جانب جموع المتنصرين، من كتلة مستقرة من اليهود وأقلية سامرية، فضلًا عن وثنيين قرويين استمروا في التواجد لفترة طويلة.
ولنترك الأرقام تتحدث، وهي لا تكذب، لتحسم أي جدل بخصوص هوية فلسطين.
عام 1800 للميلاد، قُدِّر عدد اليهود نحو عشرة آلاف نسمة، شكلوا ما نسبته 3% من إجمالي السكان الذي كانت غالبيته العظمى من العرب.
وقبيل الحرب العالمية الأولى، ارتفع عدد اليهود إلى زهاء ستين ألفًا، منهم تسعة وثلاثون ألفًا يحملون الجنسية العثمانية، في مقابل سبعمائة ألف من العرب المسلمين والمسيحيين.
وفي عام 1922 مع إعلان الانتداب البريطاني، لم تكُن نسبة اليهود تتجاوز 11% من مجموع سكان فلسطين العرب.
وعشية حرب 1948، ارتفع عدد اليهود نتيجة الهجرات المتتالية إلى 630 ألف نسمة في حين قارب عدد الفلسطينيين العرب مليوني نسمة. (يتبع).



#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (2)
- شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (1)
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (15) والأخيرة. السيطرة الأج ...
- الأردن ليس فقيرًا ولكن...!
- الطوفان سومري الأصل
- من أين اقتنص أحبارهم فكرة التوحيد؟
- ثلاث رؤى في خَلق الإنسان
- سر ذكورية الأديان السامِيَّة
- وهم الوطن البديل
- رافدا الخِصاء الفكري
- ليس بالنِّفاق تُبنى الأوطان
- تخلفنا ليس مُنْبَتِّ الجذور
- محنة الفلسفة في ثقافتنا
- حزب الأمة...أي مؤتمرات لها الأولوية؟!
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (14). الحظ كالمرأة يصادق ال ...
- لماذا أخفق العرب في بناء دول حديثة؟!
- الإمَّعِيَّة
- جذور تقييد الفكر في ثقافتنا (2) العقل والنقل
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (13) اشغال الرعية بصفة دائم ...
- جذور تقييد الفكر في ثقافتنا (1)


المزيد.....




- تاج الأميرة ديانا وفستان من مصمم عربي.. كيف اختارت كيت ميدلت ...
- البنتاغون يوافق على اختبار -شعاع حراري- للاستخدام المحتمل عل ...
- تحليل.. من -الأسطول المظلم- إلى الديزل الروسي.. لا -حلول سحر ...
- بالأسماء والأدوار.. من ينفّذ سياسة نتنياهو في الضفة الغربية؟ ...
- هاري يكشف عن -سؤال مؤلم- بشأن ديانا يطرحه على نفسه يوميا
- روبيو: عواقب كبيرة تترتب على العقوبات ضد روسيا
- إصابة ناقلة بذخيرة غير معروفة قرب بخاء العمانية ونجاة طاقمها ...
- روبيو: أوكرانيا ما كانت لتبقى دولة ذات سيادة لولا الدعم الأم ...
- -إسرائيل لا تتعامل مع مصر باحترام-.. مسؤول يوجه رسالة حادة ل ...
- موسكو تعلن وصولها للمرحلة النهائية من التحضيرات لقمة -روسيا ...


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبدالله عطوي الطوالبة - شلومو ساند يُفَنِّد أباطيلهم (3)