أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يزن تيسير سعاده - رهاب النقاء ونكران المشاعر: قراءة في تحولات الذات الإنسانية وفق «ميزان القرب»














المزيد.....

رهاب النقاء ونكران المشاعر: قراءة في تحولات الذات الإنسانية وفق «ميزان القرب»


يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.

(Yazan Saadeh)


الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 19:52
المحور: الادب والفن
    


يمر الإنسان في رحلته العلاقاتية بظواهر نفسية معقدة تُربك وعيه وتستدعي التفكيك والتحليل. ولعل من أكثر هذه الظواهر إيلاماً وإثارة للدهشة، تلك اللحظة التي يرى فيها المرء تحولاً حاداً ومفاجئاً في سلوك شخص شاركه يوماً أعمق لحظات الصدق والإنسانية، إنسان أظهر معدنه الداخلي الأصيل بكل عفوية ودفء، وتبادل معه الاحترام والمودة بلا حواجز، ثم يرتد فجأة ليرتدي دروع الجفاء ويصنع بينه وبين ذلك الماضي أسواراً من العزلة والإنكار.

إن السؤال الفلسفي والنفسي الذي يطرح نفسه هنا: هل هذا التحول هو نتاج طبيعي من الزمن والتقلبات الحياتية، أم أن هناك عوامل نفسية أعمق تتخفى خلف هذا الجدار الصقيعي؟

حين نتأمل هذه الظاهرة عبر أبعاد "مدرسة ميزان القرب"، نجد أن التغير المفاجئ والنكران لا ينشآن في الغالب من جفاء حقيقي في المعدن أو موت مفاجئ للمشاعر، بقدر ما ينجمان عن اختلال حاد في إدارة "المسافة العاطفية" وإدراك الأمان. فالأشخاص الذين عاشوا تجارب قاسية، أو تعرضوا لخذلان سابق في بيئات عملهم أو حياتهم الشخصية، يتكون لديهم جدار دفاعي صلب لحماية انفسهم. وحين يختبرون قرباً عاطفياً مكشوفاً ونقياً، يجدون أنفسهم فجأة أمام مرآة صادقة تظهرهم بكامل هشاشتهم وعفويتها، فيستيقظ لديهم ما يمكن تسميته بـ "رهاب النقاء" أو الخوف من الانكشاف.

إن الأشد غرابة في هذه التحولات ليس مجرد الابتعاد، بل الوصول إلى مرحلة نكران المشاعر القديمة، تلك اللحظات الدافئة والهمسات الصادقة التي أنعم الله بها على القلوب وكانت يوماً حقيقة ساطعة يوثقها منطق الكلمات ورسائل التفاصيل. يتحول تذكّر ذلك الماضي الصادق لدى الطرف المتراجع إلى مصدر قلق وتهديد، وكأن الاعتراف بما كان يجول في نفسه من مشاعر وعاطفة قد ينعكس عليه باستحقاقات أو مسؤوليات عاطفية يخشى مواجهتها وسط ظروفه ومخاوفه المادية والمستقبلية. وهنا يطرح الطرف الآخر تساؤلاته الحائرة: هل أصبحتُ في نظرك مخيفاً؟ أم أنك ترتعب من مواجهة تلك النسخة الصادقة من نفسك؟

في حقيقة الأمر، يتضح من خلال تحليل "ميزان القرب" أن الطرف الثابت والواضح لا يكون مخيفاً بذاته، بل إن صدقه وثباته ووضوحه هي التي تبدو مخيفة للطرف الخائف. فالإنكار وتجاهل الماضي يمثلان حيلة دفاعية غير واعية؛ يتوهم بها الإنسان أنه يحمي نفسه من ألم الالتزام أو خشية الفقد القادم، فيرتدي ثوب الجفاء الظاهري ليقنع عقله بأن شيئاً لم يكن.

إن الرسالة الفكرية والإنسانية التي نسعى لتأكيدها هي أن المشاعر الصادقة واللحظات الجميلة التي جمعت القلوب يوماً ليست ذنباً، ولا تفاصيل نخشى تذكرها وكأن الكرف الاخر خصم يلاحقنا.

إن الأمان الحقيقي لا يبنى خلف جدران الإنكار ولا بادعاء القسوة، وميزان القرب الحقيقي يعلمنا أن القوة والكرامة تكمنان في المصالحة مع الذات، لا في الهروب إلى شخصيات وهمية لحماية أنفسنا من خيالات الخوف.

وحين يضعنا هذا الصراع أمام مفترق الطرق، يبقى السؤال الفلسفي الأعمق الذي يلاحق وعينا الإنساني: هل يجب على المرء أن يبتعد عن الشخص الذي ينكر الماضي ويختبئ خلف جدران دفاعاته الوهمية حماية لكرامته وهدوء روحه؟ أم يبقى يُطمئن ذاته ويمنحه الأمان والاحتواء الساكن، ساعياً نحو إزالة تلك التغيرات والمشاكل المعنوية والمادية التي تحيط ببيئته أو ظروف الطرف الآخر، حتّى يَهْدَأَ من قلق الخائف وتختفي مخاوفه، وصولاً إلى بر الأمان لإعادة سرد العلاقة وتوثيق تاريخها الماضي بمسماها الحقيقي ورسالتها النبيلة؟.
إن الإجابة تكمن دائماً في قدرتنا على التمييز بين قسوة المعدن وبين رعب الخائف، فالأولى تستوجب الرحيل، بينما الثاني لا يحتاج سوى للدعم والنور لتبديد ظلمة خياراته الوهمية.



##يزن_سعاده_#ميزان_القرب (هاشتاغ)       Yazan_Saadeh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأيتام.. أليسوا منا؟
- العرّاب يزن: إلى المفكر هشام.. حان وقت أخذ زمام المبادرة
- مسافة اليقين: حين يعيد الإنسان بناء نفسه بعد الانهيار
- العراب يزن يكتب: ميزان القرب وخديعة ال «شوجر دادي».. المرأة ...
- شهوة الموقف وسقوط الجسد: لماذا تنطفئ الأجساد ويستمر الإنسان؟
- الوريث المفلس: كيف يُصبح الأطفال ضحايا «النرجسية الآمنة» للأ ...
- مسافة الأمان في القيادة: متى تقترب من فريقك، ومتى تترك له ال ...
- ميزان القرب: اقتصاد المشاعر في العصر الرقمي
- نُبُوءَةُ يَزَن «يا مَلاذي والنَّدَى»
- زمنُ التحوُّل: حين أصبح الإنسانُ يُوزَن بما يملك، لا بما يحم ...
- نُبُوءَةُ يَزَن «سِفْرُ العِشْقِ وَوَقَارُ الكَرَامَة»
- نُبُوءَةُ يَزَن «رَمَادُ الذَّاكِرَةِ»
- نُبُوءَةُ يَزَن «اعْتِرَافُ رَجُلٍ»
- الاختيار في ميزان القرب: من يُريدك.. لا يتركك في منطقة الاحت ...
- العذر في ميزان القرب: متى يكون العذر وفاءً؟ ومتى يصبح خداعًا ...
- قبلةٌ خارج الزمن
- الثقة في ميزان القرب: لماذا تُبنى ببطء وتنهار بسرعة؟
- التأجيلات في ميزان القرب: حين يكون الوقت جزءًا من العناية
- الأثر في ميزان القرب: ماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله؟
- القرب في ميزان القرب: متى يكون الإنسان قريباً حقاً؟


المزيد.....




- تضارب الروايات بشأن توقيف متهم بمجازر في سوريا.. هل -اختُطف- ...
- فيلم -قتل آنا-.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة الت ...
- تضميد جراح الحرب والذكريات.. أب وابنته يرممان سجادا عمره قرو ...
- فرقة -آي يولا- البشكيرية تدخل الجولة الأولى من التصويت لجوائ ...
- الذكاء الاصطناعي يعيد بانديراس شابا في فيلم عن غزو المكسيك
- بمشاركات قياسية.. -كتارا- تتوج الفائزين بجائزتها للرواية الع ...
- رواية -صفر فاصل خمسة-.. كيف يهرب الإنسان من واقعه إلى سجون ا ...
- فوضى الرغبة: تجليات البيدوفيلية في الثقافة الفرنسية
- متحف الإرميتاج يفتتح معرضا للفنان الروسي الفرنسي قسطنطين كوز ...
- ريتا أورا تخرج عن المألوف بإكسسوار رأس غريب في مهرجان لندن ا ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يزن تيسير سعاده - رهاب النقاء ونكران المشاعر: قراءة في تحولات الذات الإنسانية وفق «ميزان القرب»