أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يزن تيسير سعاده - مسافة اليقين: حين يعيد الإنسان بناء نفسه بعد الانهيار














المزيد.....

مسافة اليقين: حين يعيد الإنسان بناء نفسه بعد الانهيار


يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.

(Yazan Saadeh)


الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 08:07
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


هناك لحظات في حياة الإنسان لا يحتاج فيها إلى إجابة بقدر ما يحتاج إلى شيء يمنعه من السقوط أكثر.

لحظات يتهاوى فيها ما بناه خلال سنوات، ويجد نفسه أمام واقع لم يكن مستعداً له: مال ضاع، مشروع انهار، علاقة توقفت، وأحلام كان يظن أنها أصبحت جزءاً من مستقبله ثم اختفت فجأة.

في تلك اللحظة، لا يكون السؤال الحقيقي: ماذا خسرت؟

بل: ماذا بقي منك بعد كل ما خسرته؟

وهنا، في «ميزان القرب»، تبدأ «مسافة اليقين».

اليقين ليس أن تعرف ماذا سيحدث غداً.

اليقين أن تؤمن بأن ما يحدث اليوم، مهما كان قاسياً، لا يملك وحده حق تحديد بقية حياتك.

قد ينهار المشروع، لكن لا يجب أن ينهار الإنسان معه.

وقد تنتهي العلاقة مؤقتاً، لكن لا يجب أن تنتهي قيمة الإنسان في عيني نفسه.

وقد يخسر المرء المال، والأمان، والأحلام، وحتى الإنسان الذي أحبّه، لكنه يستطيع أن يحتفظ بشيءٍ أكثر أهمية: اليقين بأن ما خسره ليس بالضرورة قدراً نهائياً، وأن بإمكانه أن يسعى لاستعادة ما فقده، دون أن يستبدل الحب بآخر، والحلم بغيره، وما بناه ببديل عنه.

وهنا، في «ميزان القرب»، لا تعني مسافة اليقين الابتعاد عن الواقع، بل تعني أن تضع مسافةً بينك وبين الخوف، حتى لا يصبح الخوف هو من يتخذ قراراتك.

تروي تجربة واقعية لرجل واجه سلسلة متلاحقة من العثرات. كلما بدأ طريقاً تعثّر، حتى وصل به الأمر إلى استثمار آخر ما يملك في شركة انهارت بصورة مفاجئة.

كانت لحظةً كافيةً لأن يدخل الإنسان في الغضب أو اليأس أو البحث عن شخص يحمّله مسؤولية ما حدث.

لكنه اختار شيئاً آخر.

اختار أن يهدأ.

اتجه إلى الصلاة والدعاء، واستجمع نفسه قبل أن يحاول استجماع حياته.

لم يكن ذلك هروباً من الواقع.

كان محاولة لاستعادة الإنسان الذي بداخله قبل مواجهة الواقع.

وهنا، في «ميزان القرب»، يصبح الإيمان قرباً يعيد للإنسان توازنه، لا بديلاً عن سعيه.

لكن الاختبار لم ينته.

امتدت الخسارة إلى الجانب العاطفي والاجتماعي، وتوقفت علاقته بعد أربع سنوات، تاركة وراءها مساحة واسعة من الأسئلة والذكريات والأحلام التي لم تكتمل.

مرةً أخرى، كان يمكن للخسارة المالية والعاطفية أن تتحولا إلى حكم نهائي على الحياة.

لكنه لم يسمح للخسارة أن تتحول إلى هوية.

لم يقل إن ما انتهى يجب أن يُستبدل.

ولم يعتبر أن تجاوز الألم يعني أن يبحث عن نسخة أخرى من الشيء الذي فقده.

بل اختار أن يعمل على نفسه، وأن يعيد بناء حياته، وأن يترك للزمن والسعي والإيمان مساحةً لإعادة ترتيب ما انكسر.

وبعد عامين من المحاولة والعمل، استطاع أن يستعيد عافيته المالية وبقدرة قادر، وأن يؤسس مجمعاً تجارياً وقاعة للمناسبات.

ثم عادت العلاقة التي ظن أنها انتهت.

لكن المفارقة الأهم ليست أن المال عاد، ولا أن العلاقة عادت.

المفارقة أن الإنسان نفسه عاد أولاً.

وهنا، في «ميزان القرب»، تظهر الحقيقة الأعمق:

عندما تنهار حياتك، لا تقترب كثيراً من الخسارة حتى تصبح جزءاً منك. اقترب من نفسك أولاً.

اقترب من إيمانك.

اقترب من قدرتك على التفكير.

اقترب من الحقيقة كما هي، لا كما يصورها لك خوفك.

ثم ابدأ بإعادة ترتيب ما يمكن إصلاحه.

فالصبر ليس أن تجلس منتظراً أن تتغير الظروف.

والدعاء ليس بديلاً عن السعي.

واليقين ليس وعداً بأن الطريق سيكون سهلاً.

اليقين هو أن تمتلك من الثبات ما يكفي حتى لا تتخذ قراراً أبدياً بسبب لحظةٍ مؤقتة.

وهنا، في «ميزان القرب»، تصبح «مسافة اليقين» مساحة بين الإنسان وانفعاله، مساحة تسمح له بأن يتألم دون أن يتحول إلى ألمه، وأن يخسر دون أن يختصر نفسه في خسارته، وأن يتعثر دون أن يعلن نهاية الطريق.

قد يكون الإنسان اليوم في أسوأ نقطة عاشها، لكنه لا يعرف أن هذه النقطة قد تكون بدايةً لقصة لم يكتبها بعد.

ولذلك، لا ينبغي أن نسأل الإنسان المنهار دائماً: كيف ستخرج من هذا؟

أحياناً السؤال الأول يجب أن يكون:

كيف سنمنعك من أن تفقد نفسك وأنت تحاول الخروج؟

وهنا، في «ميزان القرب»، لا يكون القرب دائماً من الظروف.

أحياناً تحتاج إلى أن تبتعد قليلاً عن الضجيج، عن الخوف، عن أحكام الآخرين، وحتى عن الصورة القديمة التي كنت تعتقد أنها أنت.

حتى تستطيع أن ترى نفسك من جديد.

وربما لا تعود الأشياء كما كانت.

وهذا ليس بالضرورة سيئاً.

فبعض الانهيارات لا تأتي لتعيدك إلى حياتك القديمة، بل لتجبرك على أن تعود إلى الأشياء نفسها بإنسان مختلف: أكثر وعياً، أكثر صبراً، وأكثر قدرة على حماية ما كان يعني له الكثير.

فليس كل تعافِ يعني التعويض، وليس كل بداية جديدة تعني التخلي عمّا تمنيناه.

أحياناً، يكون التعافي الحقيقي أن تعود إلى الطريق نفسه، لا لأنك لم تتعلم من الألم، بل لأنك تعلمت منه كيف تحافظ على ما يستحق أن يبقى.

وهنا، في «ميزان القرب»، لا يكون اليقين وعداً بأنك ستستعيد كل شيء كما كان، بل إيماناً بأن الخسارة لا تمنحك حق إعلان النهاية قبل أن تنتهي محاولتك في استعادة كل ما فقدته.

قد لا تستعيد كل شيء.

وقد لا تعود الأشياء بالطريقة نفسها.

لكن ما دمت قادراً على السعي، فلا تجعل الخسارة تكتب وحدها خاتمة قصتك.

وفي «ميزان القرب»، لا يُقاس اليقين بمدى ثقتك بأن الغد سيكون كما تريد، بل بقدرتك على أن تقول لنفسك وأنت في أقسى لحظاتك:

قد لا أعرف ماذا ينتظرني غداً، لكنني أعرف أنني لن أسمح لليوم أن يقرر من سأكون.

يزن سعاده
مؤسس مدرسة «ميزان القرب»



##يزن_سعاده_#ميزان_القرب (هاشتاغ)       Yazan_Saadeh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراب يزن يكتب: ميزان القرب وخديعة ال «شوجر دادي».. المرأة ...
- شهوة الموقف وسقوط الجسد: لماذا تنطفئ الأجساد ويستمر الإنسان؟
- الوريث المفلس: كيف يُصبح الأطفال ضحايا «النرجسية الآمنة» للأ ...
- مسافة الأمان في القيادة: متى تقترب من فريقك، ومتى تترك له ال ...
- ميزان القرب: اقتصاد المشاعر في العصر الرقمي
- نُبُوءَةُ يَزَن «يا مَلاذي والنَّدَى»
- زمنُ التحوُّل: حين أصبح الإنسانُ يُوزَن بما يملك، لا بما يحم ...
- نُبُوءَةُ يَزَن «سِفْرُ العِشْقِ وَوَقَارُ الكَرَامَة»
- نُبُوءَةُ يَزَن «رَمَادُ الذَّاكِرَةِ»
- نُبُوءَةُ يَزَن «اعْتِرَافُ رَجُلٍ»
- الاختيار في ميزان القرب: من يُريدك.. لا يتركك في منطقة الاحت ...
- العذر في ميزان القرب: متى يكون العذر وفاءً؟ ومتى يصبح خداعًا ...
- قبلةٌ خارج الزمن
- الثقة في ميزان القرب: لماذا تُبنى ببطء وتنهار بسرعة؟
- التأجيلات في ميزان القرب: حين يكون الوقت جزءًا من العناية
- الأثر في ميزان القرب: ماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله؟
- القرب في ميزان القرب: متى يكون الإنسان قريباً حقاً؟
- الأمان في ميزان القرب: لماذا يحتاج الإنسان إلى الطمأنينة أكث ...
- الحب في زمن الخوف
- الحقيقة الموجعة أم الوهم المريح؟: الوضوح في ميزان القرب


المزيد.....




- ممداني يرد على عمدة نيويورك الأسبق وقوله إنه لا ينبغي له حضو ...
- الآلاف يتجمعون في بلغراد لتأبين -جزار البوسنة-.. وانتقادات م ...
- ريكي مارتن وروبرت باتينسون.. من الأكثر أناقة بالبدلة البيضاء ...
- فيديو يُظهر هروب أحد أفراد طاقم طائرة أمازون بعد انحرافها عن ...
- بعد حرب إيران واستهداف قواعدها.. أمريكا تدرس تقليص وجودها ال ...
- أول تعليق من الخارجية السعودية بعد هجمات الحوثيين على 4 مدن ...
- مقتل شخصين في تحطم طائرة صغيرة بمطار سان دييغو (صور)
- وزير الخارجية البريطاني يعلن -إعادة ضبط- السياسة تجاه إسرائي ...
- إصابة 10 أشخاص في هجوم أوكراني على مدينة ساراتوف الروسية
- توقيف مواطن مولدوفي في مقاطعة أستراخان للاشتباه بمحاولة اغتي ...


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يزن تيسير سعاده - مسافة اليقين: حين يعيد الإنسان بناء نفسه بعد الانهيار