أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يزن تيسير سعاده - ميزان القرب: اقتصاد المشاعر في العصر الرقمي














المزيد.....

ميزان القرب: اقتصاد المشاعر في العصر الرقمي


يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.

(Yazan Saadeh)


الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 14:50
المحور: قضايا ثقافية
    


منذ سنواتٍ قليلة، لم تعد تطبيقاتُ التعارف مجرد مساحةٍ للتواصل بين الناس، بل تحوَّل بعضها إلى بيئاتٍ تُنتج انماطاً جديدةً من العلاقات، تختلط فيها المشاعرُ بالمصالح، والاهتمامُ بالعائدِ المادي، حتى أصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين القربِ الحقيقي، والقربِ الذي تُحرِّكه المنفعة.

وفي الأردن، كما في كثيرٍ من المجتمعات، انتشر استخدامُ تطبيقات التعارف الصوتية والمرئية، وبعضها يقوم على نظامٍ يمنح مستخدمين هدايا رقمية أو أرباحاً مالية مقابل جذب المتابعين، أو قضاء الوقت في المحادثات المباشرة، أو تقديم محتوى يعتمد على التفاعل والغزل والإيحاء. وليس المقصود أن جميع المستخدمين يمارسون ذلك، ولا أن جميع هذه التطبيقات تعمل بالطريقة نفسها، لكن هذه الممارسات أصبحت جزءًا من واقعٍ رقمي لا يمكن تجاهله.

وهنا يطرح ميزان القرب سؤالًا مختلفاً:
هل نحن أمام علاقاتٍ إنسانية، أم أمام سوقٍ جديدٍ للمشاعر؟

فحين يصبح الاهتمامُ قابلاً للبيع، والإعجابُ مرتبطاً بقيمة الهدية، والوقتُ يُقاس بما يدرُّه من مال، فإن العلاقة لم تعد تتحرك بمنطق القرب، بل بمنطق السوق.

إنَّ أخطر ما في هذه التطبيقات ليس وجودها، فالتقنية ليست خيراً ولا شرّاً في ذاتها، وإنما الطريقةُ التي تُستخدم بها.

فقد يدخل شابٌ إليها لأنه يشعر بالوحدة، أو لأنه فقد مساحةً يجد فيها من يستمع إليه.
وقد تدخل فتاةٌ إليها لأنها ترى فيها مصدراً للدخل، أو فرصةً لتحقيق شهرة، أو وسيلةً لتجاوز ظروفٍ اقتصادية صعبة.

وهنا لا يصبح الطرفان خصمين، بل يصبحان جزءًا من منظومةٍ واحدة، تُعيد تعريف العلاقة على أساس المنفعة لا على أساس الإنسان.

وفي ميزان القرب، تبدأ العلاقةُ بالتشقق منذ لحظة ولادتها إذا كان السؤالُ الأول فيها:
ماذا سأحصل منك؟
بدلاً من:
من أنت؟

إنَّ العلاقات التي تُبنى على المقابل المادي قد تبدو ناجحةً في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها هشاشةً كبيرة، لأنها لا تعتمد على الثقة، ولا على المسؤولية، ولا على معرفةٍ حقيقية بالطرف الآخر.

ولهذا يقول ميزان القرب:
حين يصبح الاهتمامُ سلعةً، يفقد القربُ معناه.

ولعلَّ المشكلةَ الأكبر أن هذه التطبيقات لا تبيع المال فقط، بل قد تبيع الوهم أيضاً.

فقد يظنُّ أحد الطرفين أنَّ هناك علاقةً تتكوَّن، بينما يرى الطرفُ الآخر أنَّ ما يحدث ليس أكثر من وسيلةٍ لتحقيق دخلٍ أو زيادةٍ في عدد المتابعين.

وهنا يتولد نوعٌ جديدٌ من العلاقات؛ علاقةٌ يعيش فيها كلُّ طرفٍ حقيقةً مختلفة عن الآخر.
أحدهما يبحث عن الاحتواء..
والآخر يدير نشاطًا رقمياً.
أحدهما ينتظر مستقبلاً..
والآخر ينتظر تحويلاً مالياً.

ويقول ميزان القرب:
العلاقة التي يختلف فيها تعريف القرب بين طرفيها، تبدأ بالتشقق قبل أن تبدأ بالحياة.

لكن السؤال الذي يجب أن نواجهه بشجاعة ليس:
لماذا انتشرت هذه التطبيقات؟
بل:
لماذا أصبح كثيرٌ من الناس يبحثون عن الاهتمام داخلها؟

إنَّ الوحدة، والفراغ العاطفي، وتأخر الزواج، والضغوط الاقتصادية، وضعف الحوار داخل الأسرة، كلها عوامل قد تدفع بعض الشباب والفتيات إلى البحث عن شعورٍ بالاهتمام خارج دوائرهم الطبيعية.
وهنا لا يكون العلاج بإدانة الأشخاص، بل بفهم الأسباب التي أوصلتهم إلى هذه المرحلة.

إنَّ المجتمع الذي لا يمنح أبناءه مساحةً للحوار، قد يجدهم يبحثون عن الحوار في أماكن خاطئة.
والمجتمع الذي يجعل الإنسان يشعر بأنه لا يُرى، قد يدفعه إلى البحث عمَّن ينظر إليه، ولو كان ذلك بثمن.

ولهذا، فإنَّ ميزان القرب لا يرى أن المشكلة في التطبيقات وحدها، بل في الفراغ الذي سمح لها بأن تصبح بديلاً عن العلاقات الحقيقية.

ويضع ميزان القرب قاعدةً تقول:
كلُّ علاقةٍ يتحول فيها الإنسان إلى وسيلةٍ لتحقيق مكسب، تكون قد فقدت جزءًا من إنسانيتها، حتى لو بدت ناجحةً في ظاهرها.

وفي النهاية!
ليست القضيةُ أن نحارب التقنية. وليست القضيةُ أن نمنع الناس من التعارف.
إنما القضيةُ أن نحافظ على قيمة الإنسان، فلا يصبح الاهتمامُ سلعةً، ولا تتحول المشاعر إلى وسيلةٍ للكسب، ولا يصبح القربُ الحقيقي أقلَّ قيمةً من قربٍ يمكن شراؤه بهديةٍ رقمية.

فحين تُباع المشاعر..
لا يخسر المشتري وحده.
ولا يربح البائع وحده.
بل يخسر المجتمعُ جزءًا من إنسانيته.

يزن سعاده
مؤسس مدرسة ميزان القرب



##يزن_سعاده_#ميزان_القرب (هاشتاغ)       Yazan_Saadeh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نُبُوءَةُ يَزَن «يا مَلاذي والنَّدَى»
- زمنُ التحوُّل: حين أصبح الإنسانُ يُوزَن بما يملك، لا بما يحم ...
- نُبُوءَةُ يَزَن «سِفْرُ العِشْقِ وَوَقَارُ الكَرَامَة»
- نُبُوءَةُ يَزَن «رَمَادُ الذَّاكِرَةِ»
- نُبُوءَةُ يَزَن «اعْتِرَافُ رَجُلٍ»
- الاختيار في ميزان القرب: من يُريدك.. لا يتركك في منطقة الاحت ...
- العذر في ميزان القرب: متى يكون العذر وفاءً؟ ومتى يصبح خداعًا ...
- قبلةٌ خارج الزمن
- الثقة في ميزان القرب: لماذا تُبنى ببطء وتنهار بسرعة؟
- التأجيلات في ميزان القرب: حين يكون الوقت جزءًا من العناية
- الأثر في ميزان القرب: ماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله؟
- القرب في ميزان القرب: متى يكون الإنسان قريباً حقاً؟
- الأمان في ميزان القرب: لماذا يحتاج الإنسان إلى الطمأنينة أكث ...
- الحب في زمن الخوف
- الحقيقة الموجعة أم الوهم المريح؟: الوضوح في ميزان القرب
- الصبر في ميزان القرب: لماذا لا تنضج الأشياء الجميلة بسرعة؟
- من هو الإنسان في ميزان القرب؟
- ما هو ميزان القرب ؟
- لماذا أطلقتُ مدرسة ميزان القرب؟
- الأب والمطلقة والطفل.. حين يختل الميزان


المزيد.....




- ببروفة.. شيرين عبدالوهاب تستكمل استعداداتها لحفلها المرتقب ف ...
- تدفق النفط مستمر عبر مضيق هرمز رغم التوتر.. ماذا تكشف البيان ...
- مصادر: رئيس -مجلس السلام- يصل إلى إسرائيل لبحث نزع سلاح حماس ...
- السعودية تطمئن ترامب لقدراتها الدفاعية.. لكنها تحذّر من -ضعف ...
- زلزال مصر يعيد توقعات عالم الزلازل الهولندي إلى الواجهة.. ما ...
- هآرتس: وثائق مسربة تكشف بيع إسرائيل -سلاحا استراتيجيا- للإما ...
- تحت حرارة +50 وبعتاد يحاكي الروسي: 10 آلاف جندي يتدربون على ...
- سوريا.. تمركز قوة إسرائيلية في ساحة بلدة جباتا الخشب بمحافظة ...
- الاستخبارات الروسية: الاتحاد الأوروبي يعد أوكرانيا بعضوية مع ...
- إنقاذ شخصين من حريق ضخم بمشغل للخياطة في دمشق (صور)


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يزن تيسير سعاده - ميزان القرب: اقتصاد المشاعر في العصر الرقمي