أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يزن تيسير سعاده - زمنُ التحوُّل: حين أصبح الإنسانُ يُوزَن بما يملك، لا بما يحمل في قلبه














المزيد.....

زمنُ التحوُّل: حين أصبح الإنسانُ يُوزَن بما يملك، لا بما يحمل في قلبه


يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.

(Yazan Saadeh)


الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 17:14
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست المشكلةُ أن يسعى الإنسانُ إلى المال، ولا أن يطمحَ إلى حياةٍ أفضل؛ فالمالُ ضرورةٌ، والعملُ كرامةٌ، والسعيُ عبادةٌ.

لكنَّ المشكلةَ تبدأُ عندما يتحوَّل المالُ من وسيلةٍ إلى معيارٍ، وتتحوَّل المصلحةُ من استثناءٍ إلى أساسٍ، ويصبح السؤالُ الأولُ عن الإنسان: ماذا يملك؟ قبل أن يكون: من هو؟

هنا يبدأُ التحوُّل.

ليس تحوُّلًا اقتصاديًّا، بل تحوُّلٌ في ميزانِ القيم.

ففي زمنِ التحوُّل، لم تعد العلاقاتُ تُبنى دائمًا على المودَّة، بل على الجدوى.

ولم يعد الإنسانُ يُقدَّرُ دائمًا لأخلاقه، بل لما يستطيعُ أن يقدِّمه.

حتى داخل بعض الأسر، أصبح الابنُ الأكثرُ قدرةً على الإنفاق، أو صاحبُ المنصب، أو النفوذ، يحظى أحيانًا بمكانةٍ أعلى من أخيه، لا لأنَّه أكثرُ برًّا، بل لأنَّه أكثرُ منفعةً.

وفي الصداقة، لم يعد السؤالُ: هل هو صديقٌ وفيٌّ؟ بل: هل يفيدني؟

وفي الحب، أصبح بعضُ الناس يبحثُ عمَّن يؤمِّنُ مستقبلَه قبل أن يؤمِّنَ قلبَه.

وفي الأخوَّة، بقيت علاقاتٌ كثيرةٌ حيَّةً ما دامت المصالحُ حيَّةً، فإذا انتهت المنفعةُ، انتهى معها القرب.

وهنا يقولُ ميزانُ القرب:

"العلاقةُ لا تبدأُ بالانهيار عندما تقلُّ المحبَّة، بل عندما تصبحُ المصلحةُ هي اللغةَ الوحيدةَ بين الطرفين."

ومن هنا يولدُ مفهومُ التشقُّق.

فالتشقُّقُ ليس خصامًا، وليس قطيعةً، بل مرحلةٌ تسبقُ الانهيار.

هو اللحظةُ التي يبقى فيها شكلُ العلاقةِ كما هو، بينما تتغيَّرُ روحُها.

وقد يظنُّ الطرفان أنَّ كلَّ شيءٍ بخير، بينما الحقيقةُ أنَّ العلاقةَ فقدت إنسانيتَها، ولم يبقَ منها إلا ما تحرسُه المصالح.

ويضعُ ميزانُ القرب قاعدةً تقول:

"كلَّما اقتربت العلاقةُ من المصلحة، ابتعدت عن الإنسان. وكلَّما اقتربت من الإنسان، تحرَّرت من المصلحة."

ولعلَّ أصدقَ اختبارٍ للعلاقاتِ أن تتخيَّلَ نفسك عند هَرَمِ العمر؛ حين يهدأُ صخبُ الحياة، وتتراجعُ المصالح، وتضعفُ القدرةُ على العطاء.

عندها اسألْ نفسك:

من الذي سيبقى إلى جوارك؟

ومن الذي كان يحبُّك لأجلك، لا لأجل مالٍ، أو جمالٍ، أو جاهٍ، أو سلطةٍ؟

إنَّ هذا السؤالَ وحده يكشفُ حقيقةَ القرب.

فالحياةُ لا تُغيِّرُ العلاقات، بل تكشفُ أساسَها.

والشدائدُ لا تصنعُ الأقنعة، بل تُسقطُها.

ومن بقيَ بعد سقوطِ المصالح، فهو الذي كان قريبًا من الإنسان، لا من منافعه.

ولهذا، فإنَّ ميزانَ القرب لا يقيسُ عددَ من حولك، بل يقيسُ عددَ من بقيَ عندما لم يعد لديك ما يجذبُهم.

ويؤمنُ ميزانُ القرب بقاعدةٍ أخرى:

"كلُّ قيمةٍ تمنحُها للناس، تبني بها المجتمعَ الذي ستعيشُ فيه أنت أو سيعيشُ فيه أبناؤك."

فمن اعتاد أن يُقيِّمَ الناسَ بما يملكون، سيُسهمُ في صناعةِ مجتمعٍ يُقيِّمُ أبناءَه بالميزانِ نفسه.

ومن حفظَ للإنسانِ قيمتَه لذاته، أسهمَ في بناءِ مجتمعٍ لا تسقطُ فيه الكرامةُ بسقوطِ المال.

إنَّ أخطرَ ما في زمنِ التحوُّل ليس أنَّ الناسَ أصبحوا يحبُّون المال، بل أنَّ بعضَهم أصبحوا يرون الإنسانَ من خلاله.

وهنا يبدأُ التشقُّق.

ليس في العلاقاتِ وحدها..

بل في المجتمعِ كلِّه.



##يزن_سعاده_#ميزان_القرب (هاشتاغ)       Yazan_Saadeh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نُبُوءَةُ يَزَن «سِفْرُ العِشْقِ وَوَقَارُ الكَرَامَة»
- نُبُوءَةُ يَزَن «رَمَادُ الذَّاكِرَةِ»
- نُبُوءَةُ يَزَن «اعْتِرَافُ رَجُلٍ»
- الاختيار في ميزان القرب: من يُريدك.. لا يتركك في منطقة الاحت ...
- العذر في ميزان القرب: متى يكون العذر وفاءً؟ ومتى يصبح خداعًا ...
- قبلةٌ خارج الزمن
- الثقة في ميزان القرب: لماذا تُبنى ببطء وتنهار بسرعة؟
- التأجيلات في ميزان القرب: حين يكون الوقت جزءًا من العناية
- الأثر في ميزان القرب: ماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله؟
- القرب في ميزان القرب: متى يكون الإنسان قريباً حقاً؟
- الأمان في ميزان القرب: لماذا يحتاج الإنسان إلى الطمأنينة أكث ...
- الحب في زمن الخوف
- الحقيقة الموجعة أم الوهم المريح؟: الوضوح في ميزان القرب
- الصبر في ميزان القرب: لماذا لا تنضج الأشياء الجميلة بسرعة؟
- من هو الإنسان في ميزان القرب؟
- ما هو ميزان القرب ؟
- لماذا أطلقتُ مدرسة ميزان القرب؟
- الأب والمطلقة والطفل.. حين يختل الميزان
- من الصفحة التي تركناها مفتوحة: حين يصبح الشوق مشروع مستقبل
- ميزان القرب: مفاوضات إسلام آباد بين إدارة الانفجار لا صناعة ...


المزيد.....




- أصحاب الأصول الإيطالية يفوزون بمعركة كبرى في النضال من أجل ا ...
- خبيران سياسيان يجيبان لـCNN عن مصدر قلق السعودية الأكبر في ا ...
- -تدخل دونالد ترامب في أزمة سبتة، وسيلة لصرف الانتباه عن قضية ...
- أحد هذه الأسماء قد يخلف جياني إنفانتينو على رأس الفيفا
- -هذا ليس فندقا!-.. بن غفير يسخر من شكوى سجينة فلسطينية خلال ...
- شاهد.. -أسطول هتلر- يظهر فوق اليابسة بسبب موجة الحر في أوروب ...
- كُشف هدف كييف من استهداف مصافي النفط ومستودعاته في روسيا
- لماذا يُصرّ ترامب على مناطحة إيران؟
- مرتزقة أوكرانيون يخرّبون في العراق ومالي وليبيا والسودان
- رغم تطور المسيّرات.. عقد ضخم لدعم الجيش الأمريكي بمناطيد الا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يزن تيسير سعاده - زمنُ التحوُّل: حين أصبح الإنسانُ يُوزَن بما يملك، لا بما يحمل في قلبه