أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يزن تيسير سعاده - شهوة الموقف وسقوط الجسد: لماذا تنطفئ الأجساد ويستمر الإنسان؟














المزيد.....

شهوة الموقف وسقوط الجسد: لماذا تنطفئ الأجساد ويستمر الإنسان؟


يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.

(Yazan Saadeh)


الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 22:40
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في زمنٍ أصبح فيه الجسد أسرع طريق إلى الإعجاب، وأقصر طريق إلى الرغبة، وأحياناً أسهل طريق إلى علاقة لا تعرف إلى أين تمضي، نحتاج إلى أن نسأل السؤال الذي نخاف منه: ماذا يبقى بين شخصين عندما تنتهي الرغبة الجنسية؟

هذه ليست دعوةً إلى إنكار الجسد، ولا محاولةً لتجميل الرغبة أو تشويهها. الجسد جزءٌ من الإنسان، والانجذاب غريزةٌ طبيعية، والرغبة قد تكون باباً حقيقياً إلى الحب. لكن المشكلة تبدأ عندما نُخطئ في اعتبار الباب بيتاً، وعندما نكتشف بعد الاقتراب الجسدي أن ما جمع شخصين لم يكن أعمق من أجسادهما.

قد ينجذب رجلٌ إلى إمراة لأنها جميلة، وقد تنجذب إمراة إلى رجل بسبب حضوره أو جسده أو صوته أو طريقته في الاقتراب. وقد تكون الرغبة بينهما شديدةً إلى درجة تجعلهما يعتقدان أن ما يحدث أكبر من مجرد انجذاب. لكن الجسد، مهما اشتعل، لا يستطيع أن يجيب وحده عن سؤال واحد: هل أريد هذا الإنسان عندما لا أريده جسدياً؟

هنا يبدأ الاختبار الحقيقي.

لأن الشهوة لا تكذب، لكنها لا تقول الحقيقة كاملة. هي تقول: أريدك الآن. أما الحب فيسأل: هل أريدك أيضًا عندما لا تكون اللحظة مشتعلة؟ هل أستمتع بالحديث معك عندما لا يكون هناك لمس؟ هل أشتاق إلى عقلك كما أشتاق إلى جسدك؟ هل أبحث عنك عندما لا أحتاج منك شيئاً؟ هل أجد في وجودك راحة لا علاقة لها بما يمكن أن تمنحني إياه جسدياً؟

هذه هي المنطقة التي تسقط فيها كثيرٌ من العلاقات.

ليس لأن الجسد كان خطأً، بل لأن الجسد كان الشيء الوحيد الموجود.

قد يقضي شخصان ساعات في القرب الجسدي، ثم يعجزان عن قضاء نصف ساعة في حديث صادق. قد يعرف أحدهما تفاصيل جسد الآخر، لكنه لا يعرف خوفه، ولا أحلامه، ولا الأشياء التي تكسره، ولا ما الذي يجعله يشعر بالأمان. قد يعرف كيف يثيره، لكنه لا يعرف كيف يحتويه.

وهنا تصبح المفارقة قاسية جداً: قد تكون قريباً من جسد إنسان إلى أقصى الحدود، بينما أنت بعيد عن إنسانيته إلى أقصى الحدود.

الجسد يمكن أن يجمع شخصين في لحظة، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني علاقة. الرغبة قد تفتح الباب، لكنها لا تملك مفاتيح الاستمرار. وعندما تهدأ الفورة، ويعود كل شيء إلى طبيعته، يظهر السؤال الذي لا تستطيع الشهوة الإجابة عنه: من أنت بالنسبة لي عندما لا يكون جسدك هو السبب في بقائي؟

في ميزان القرب، هذه اللحظة ليست نهاية العلاقة، بل لحظة كشفها.

إذا بقي الحديث، فهناك شيء أعمق. إذا بقي الاحترام، فهناك أساس. إذا بقي الفضول لمعرفة الآخر، فهناك حياة. إذا بقي الاشتياق إلى حضوره، لا إلى جسده فقط، فهناك معنى. وإذا بقي الإنسان مشتاقاً إلى الإنسان بعد أن تهدأ الرغبة، فهنا يمكن أن نقول إن القرب تجاوز الجسد.

أما إذا انتهت الرغبة فانتهى معها الكلام، والاهتمام، والاشتياق، والفضول، والرغبة في اللقاء، فربما لم تكن العلاقة عميقة اصلاً؛ ربما كان الجسد هو العلاقة، وما عداه مجرد تفاصيل كانت تنتظر لحظة الانكشاف.

ولهذا فإن أكثر العلاقات هشاشة ليست تلك التي تبدأ بالرغبة، بل تلك التي لا تملك شيئاً بعد الرغبة.

الجمال يلفت النظر، والجسد يوقظ الغريزة، والصوت قد يشعل الحنين، واللمسة قد تختصر مسافةً طويلة. لكن كل ذلك قابل للتكرار. الجسد يتغير، الجمال يتبدل، الرغبة تهدأ، والعمر يأخذ من الملامح ما يأخذ. وما يبقى هو الإنسان الذي كان خلف كل ذلك.

لهذا لا أعتقد أن السؤال الأهم في العلاقات هو: هل ترغب بي؟

السؤال الأكثر قسوةً هو: ماذا ترى في عندما تنتهي رغبتك بي؟

إذا كان الجواب: لا شيء، فهذه ليست مأساة الجسد، بل مأساة الفراغ.

وفي ميزان القرب، لا تُقاس قيمة العلاقة بعدد المرات التي اقتربت فيها الأجساد، بل بقدرة إنسانين على البقاء قريبين عندما لا يكون الجسد هو الذي يدفعهما إلى بعضهما.

فالجسد قد يكون أول ما يجذبنا إلى إنسان، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنحنا سبباً للبقاء معه.

وعندما تنطفئ الأجساد قليلاً، يبدأ الإنسان بالظهور.

وهناك فقط نعرف:
هل كنا نحب إنساناً، أم كنا نرغب في جسد حمل اسم إنسان؟



##يزن_سعاده_#ميزان_القرب (هاشتاغ)       Yazan_Saadeh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوريث المفلس: كيف يُصبح الأطفال ضحايا «النرجسية الآمنة» للأ ...
- مسافة الأمان في القيادة: متى تقترب من فريقك، ومتى تترك له ال ...
- ميزان القرب: اقتصاد المشاعر في العصر الرقمي
- نُبُوءَةُ يَزَن «يا مَلاذي والنَّدَى»
- زمنُ التحوُّل: حين أصبح الإنسانُ يُوزَن بما يملك، لا بما يحم ...
- نُبُوءَةُ يَزَن «سِفْرُ العِشْقِ وَوَقَارُ الكَرَامَة»
- نُبُوءَةُ يَزَن «رَمَادُ الذَّاكِرَةِ»
- نُبُوءَةُ يَزَن «اعْتِرَافُ رَجُلٍ»
- الاختيار في ميزان القرب: من يُريدك.. لا يتركك في منطقة الاحت ...
- العذر في ميزان القرب: متى يكون العذر وفاءً؟ ومتى يصبح خداعًا ...
- قبلةٌ خارج الزمن
- الثقة في ميزان القرب: لماذا تُبنى ببطء وتنهار بسرعة؟
- التأجيلات في ميزان القرب: حين يكون الوقت جزءًا من العناية
- الأثر في ميزان القرب: ماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله؟
- القرب في ميزان القرب: متى يكون الإنسان قريباً حقاً؟
- الأمان في ميزان القرب: لماذا يحتاج الإنسان إلى الطمأنينة أكث ...
- الحب في زمن الخوف
- الحقيقة الموجعة أم الوهم المريح؟: الوضوح في ميزان القرب
- الصبر في ميزان القرب: لماذا لا تنضج الأشياء الجميلة بسرعة؟
- من هو الإنسان في ميزان القرب؟


المزيد.....




- مسؤول بارز في حماس يلتقي عراقجي بطهران.. ماذا بحث الجانبان؟ ...
- إيران تعلن حصيلة قتلى الضربات الأمريكية الأخيرة
- الادعاء العام في سبتة: تسجيل اعتداءات جنسية بصورة شبه يومية ...
- قائد الجيش الإيراني: أي تحرك للعدو سيواجه بقوة وبشكل مضاعف و ...
- نتنياهو: إسرائيل قادرة على مهاجمة إيران في أي لحظة.. وهدفنا ...
- السيسي لشي جين بينغ: تايوان جزء لا يتجزأ من أراضي الصين
- طوابير بلا نهاية.. أزمة الوقود تخنق المدن الليبية
- اتفاق مصري تركي على التعاون في الصناعات الدفاعية
- جامعة الدول العربية تدعو للبناء على اتفاق 4+4 وإنهاء الانقسا ...
- روبيو: واشنطن بحاجة للتواصل مع موسكو باعتبارها ثاني قوة نووي ...


المزيد.....

- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يزن تيسير سعاده - شهوة الموقف وسقوط الجسد: لماذا تنطفئ الأجساد ويستمر الإنسان؟