أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - يزن تيسير سعاده - الأيتام.. أليسوا منا؟















المزيد.....

الأيتام.. أليسوا منا؟


يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.

(Yazan Saadeh)


الحوار المتمدن-العدد: 8852 - 2026 / 10 / 8 - 09:20
المحور: المجتمع المدني
    


حين نتحدث عن الأيتام، غالبا ما يبدأ الحديث من الحاجة: طعام، ملابس، دواء، ومصاريف مدرسية. وهذه أمور لا يمكن التقليل من أهميتها، لكنني أتساءل أحيانا: هل تنتهي مسؤوليتنا تجاه الطفل عندما نوفر له سريرا آمنا ووجبة طعام وملابس مناسبة؟

ربما لا.

في الأردن، يعيش أطفال وشباب داخل مؤسسات ودور للرعاية، وتبذل جهات رسمية وأهلية جهودا لتوفير الحماية والرعاية والتعليم والخدمات الاجتماعية لهم. لكن خلف كل رقم نقرأه في تقرير، وكل اسم في سجل مؤسسة، هناك طفل له ذاكرة ومخاوف وموهبة وحلم. طفل قد لا يريد شيئا استثنائيا، وإنما يريد أن يعيش طفولته مثل غيره، وأن يكبر وهو يشعر أن أمامه مستقبلا يمكن أن يختاره.

وهنا يأتي السؤال الذي لا أظن أننا نطرحه بما يكفي:

هل يحق لليتيم أن يحلم؟

هل يحق لطفل يعيش في دار للرعاية أن يقول: أريد أن أصبح طبيبا؟ وهل يحق لآخر أن يحلم بأن يصبح مهندسا أو معلما أو صحفيا أو مبرمجا أو صاحب مشروع؟

بالتأكيد يحق له.

لكن المسألة لا تتوقف عند السماح له بالحلم. فالحلم وحده لا يكفي، خصوصا عندما يكون الطفل قد بدأ حياته من نقطة مختلفة عن كثير من أقرانه. الحلم يحتاج إلى من يأخذه بجدية، وإلى أدوات تساعده على الوصول إليه.

فالطفل الذي يريد أن يصبح طبيبا يحتاج إلى تعليم جيد، ومتابعة دراسية، وكتب، وحاسوب، وإنترنت، وربما دروس تقوية عندما يحتاج إليها. والأهم من ذلك كله، يحتاج إلى شخص يقول له في الوقت المناسب: نعم، تستطيع.

والطفل الذي يكتشف أن لديه موهبة في الرياضة أو الفن أو البرمجة أو أي مجال آخر، يحتاج إلى فرصة حقيقية ليجرب ويكتشف نفسه. ليس من العدل أن نقول له إن هذه الأشياء ترف، بينما نطلب منه في الوقت نفسه أن يكون مستعدا لمواجهة الحياة عندما يكبر.

وهنا أعتقد أننا بحاجة إلى توسيع مفهوم الرعاية نفسه.

فالرحلة ليست مجرد رحلة. والكتاب ليس مجرد كتاب. والحاسوب ليس مجرد جهاز. والهواية ليست وقتا فائضا. والرياضة ليست نشاطا نضعه في آخر القائمة إذا سمحت الظروف.

بالنسبة إلى طفل، هذه الأشياء جزء من تكوين شخصيته، ومن حقه أن يعيشها.

فالطفولة ليست الطعام والنوم والدراسة فقط. هي أيضا لعب، وضحك، وفضول، وصداقة، وتجربة، وفشل، ونجاح، وذكريات تبقى مع الإنسان سنوات طويلة.

إذا كنا نريد أن نساعد الطفل على مواجهة الحياة، فعلينا ألا نختصر الرعاية في المحافظة على بقائه، بل أن نهتم أيضا بما يجعله إنسانا قادرا على بناء حياته واختيار طريقه.

ثم هناك مرحلة أخرى كثيرا ما نؤجل التفكير فيها: ماذا يحدث عندما يكبر الطفل؟

قد نوفر له الرعاية خلال سنوات طفولته، لكن ماذا عن الشاب الذي يصل إلى الثامنة عشرة ويجد نفسه أمام عالم يحتاج فيه إلى التعليم والعمل والسكن والمال والقدرة على اتخاذ القرار؟

هذه ليست مرحلة صغيرة في حياة أي إنسان، وبالنسبة إلى من نشأ دون أسرة تحيط به، قد تكون أكثر حساسية.

لذلك، لا ينبغي أن ننتظر حتى يقترب الشاب من الخروج من الرعاية حتى نبدأ بسؤاله عما سيفعله في حياته. الإعداد للاستقلال يجب أن يبدأ مبكرا: تعليم جامعي أو مهني، تدريب على العمل، مهارات مالية، توجيه مهني، دعم نفسي، واكتشاف للمواهب، ثم ربط فعلي بفرص العمل.

وهناك في الأردن تجارب تحاول السير في هذا الاتجاه، من خلال التعليم الجامعي والمهني، والدعم المعيشي والنفسي، وتطوير المهارات ومساعدة الشباب على الوصول إلى الاستقلال. وهي تجارب مهمة لأنها تقول لنا إن رعاية اليتيم لا يجب أن تتوقف عند الحماية، بل يمكن أن تتحول إلى بناء للمستقبل.

لكن لماذا لا يكون للمجتمع دور أكبر؟

ماذا لو تبنت شركة طالبا متفوقا وساعدته في تعليمه حتى التخرج؟ ماذا لو قرر طبيب أو مهندس أو صحفي أن يخصص جزءا من وقته للإرشاد والتوجيه؟ ماذا لو فتحت المؤسسات أبواب التدريب أمام الشباب الذين نشأوا في دور الرعاية، وأعطتهم فرصة حقيقية لإثبات أنفسهم؟

أحيانا لا يحتاج الطفل إلى شيء كبير بقدر حاجته إلى شخص يؤمن به.

قد ينسى قيمة هدية حصل عليها، لكنه ربما يتذكر لسنوات كلمة شخص قال له إن لديه مستقبلا.

وقد لا يتذكر كل ما قدم له، لكنه قد يتذكر معلما شجعه عندما فشل، أو شخصا جلس إلى جواره في وقت كان فيه خائفا أو وحيدا.

وهنا تحديدا أعتقد أننا بحاجة إلى تغيير نظرتنا إلى اليتيم.

ليس شخصا ناقصا يحتاج إلى الشفقة.

اليتم ظرف، وليس هوية.

وفقدان الأب أو الأم لا يعني فقدان القدرة على النجاح. اليتيم يمكن أن يصبح طبيبا أو مهندسا أو معلما أو صحفيا أو فنانا أو مبرمجا. ويمكن أيضا ألا يصبح أيا من ذلك، وهذا حقه كذلك.

فالهدف ليس أن نفرض عليه حلما جديدا، وإنما أن نعطيه الحرية والفرصة لاكتشاف حلمه بنفسه.

نحن بحاجة إلى الانتقال من سؤال: ماذا يحتاج اليتيم؟ إلى سؤال أوسع: ماذا يستطيع اليتيم أن يكون؟

الفرق بين السؤالين ليس بسيطا.

الأول ينظر إلى الاحتياج، أما الثاني فينظر إلى الإنسان.

وربما أننا نسأل كثيرا عما ينقص اليتيم، ولا نسأل بما يكفي عما يمكن أن يكونه. ننظر إلى ما فقده قبل أن ننظر إلى ما يمكن أن يملكه من قدرة وموهبة وإرادة وحلم.

لذلك، عندما نرى طفلا يعيش في دار للرعاية، لا يكفي أن نسأل إن كان قد تناول طعامه أو حصل على ملابسه. علينا أن نسأل أيضا: هل هو سعيد؟ هل يشعر بالأمان؟ هل لديه هواية؟ هل يجد من يسمعه؟ هل يعرف ماذا يريد أن يصبح؟ وهل هناك من يساعده في الوصول إلى ما يريد؟

الأيتام ليسوا خارج المجتمع حتى نتذكرهم في مواسم الخير، وليسوا مشروعا مؤقتا للتبرع ينتهي بانتهاء الحملة.

إنهم جزء من هذا المجتمع، وسيكبرون ليصبحوا آباء وأمهات وأطباء ومهندسين ومعلمين وأصحاب أعمال ومواطنين لهم أحلامهم ومسؤولياتهم.

ومن حقهم أن تكون لهم ذكريات جميلة، لا أن تكون طفولتهم مجرد قائمة من الاحتياجات التي تم توفيرها.

ومن حقهم أن يخطئوا دون أن يشعروا بأنهم خسروا كل شيء.

ومن حقهم أن يختاروا.

ومن حقهم أن يحلموا.

وربما لا يكون السؤال الحقيقي: ماذا قدمنا للأيتام؟

بل السؤال الذي يجب أن يلاحقنا هو:

هل قدمنا لهم ما يكفي لكي لا يكون اليتم هو الشيء الوحيد الذي يحدد مستقبلهم؟

فالأيتام لا يحتاجون منا أن نختار لهم أحلامهم، بل أن نساعدهم على الوصول إليها. والعدالة معهم ليست أن نعطيهم ما يبقيهم بخير فقط، بل أن نمنحهم الفرصة التي نمنحها لأي طفل آخر: أن يتعلم، ويجرب، ويخطئ، ويختار، ويحلم، ثم يحاول أن يصل.

عندها يصبح معنى الرعاية أوسع من الطعام والملابس والمأوى.

يصبح معناها أن نقول لطفل فقد سندا مبكرا في حياته:

لم تفقد حقك في المستقبل.

فاليتم قد يكون جزءا من قصته، لكنه لا يجب أن يكون نهايتها.



##يزن_سعاده_#ميزان_القرب (هاشتاغ)       Yazan_Saadeh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العرّاب يزن: إلى المفكر هشام.. حان وقت أخذ زمام المبادرة
- مسافة اليقين: حين يعيد الإنسان بناء نفسه بعد الانهيار
- العراب يزن يكتب: ميزان القرب وخديعة ال «شوجر دادي».. المرأة ...
- شهوة الموقف وسقوط الجسد: لماذا تنطفئ الأجساد ويستمر الإنسان؟
- الوريث المفلس: كيف يُصبح الأطفال ضحايا «النرجسية الآمنة» للأ ...
- مسافة الأمان في القيادة: متى تقترب من فريقك، ومتى تترك له ال ...
- ميزان القرب: اقتصاد المشاعر في العصر الرقمي
- نُبُوءَةُ يَزَن «يا مَلاذي والنَّدَى»
- زمنُ التحوُّل: حين أصبح الإنسانُ يُوزَن بما يملك، لا بما يحم ...
- نُبُوءَةُ يَزَن «سِفْرُ العِشْقِ وَوَقَارُ الكَرَامَة»
- نُبُوءَةُ يَزَن «رَمَادُ الذَّاكِرَةِ»
- نُبُوءَةُ يَزَن «اعْتِرَافُ رَجُلٍ»
- الاختيار في ميزان القرب: من يُريدك.. لا يتركك في منطقة الاحت ...
- العذر في ميزان القرب: متى يكون العذر وفاءً؟ ومتى يصبح خداعًا ...
- قبلةٌ خارج الزمن
- الثقة في ميزان القرب: لماذا تُبنى ببطء وتنهار بسرعة؟
- التأجيلات في ميزان القرب: حين يكون الوقت جزءًا من العناية
- الأثر في ميزان القرب: ماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله؟
- القرب في ميزان القرب: متى يكون الإنسان قريباً حقاً؟
- الأمان في ميزان القرب: لماذا يحتاج الإنسان إلى الطمأنينة أكث ...


المزيد.....




- الاحتلال يسلم جثمان الشهيد حرز الله ويشن حملة اعتقالات واسعة ...
- وكيل حقوق الإنسان بالشيوخ: جولة الرئيس السيسي الآسيوية تعكس ...
- البرلمان العربي: الدبلوماسية البرلمانية مطالبة بأن تمثل ضمير ...
- فشل إعدام كريستا بايك يعيد الجدل حول عقوبة الإعدام في الولاي ...
- مدير جمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية: 20 ألف حالة تحتاج إلى ...
- عنف مفرط ضد المعوقين واعتقالات بالجملة.. احتجاجات الطلاب في ...
- -تعذيب أميركيين خلال احتجازهم في فنزويلا-.. اتهامات جديدة تل ...
- صحة غزة: 8 سنوات لإجلاء المرضى تعني حكما بالإعدام على الآلاف ...
- إحباط مخطط لهجوم مسلح في أكبر مركز تجاري بالولايات المتحدة و ...
- الأمم المتحدة تشدد على ضرورة الدعم العاجل للزراعة في الشرق ا ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - يزن تيسير سعاده - الأيتام.. أليسوا منا؟