أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يوسف المحسن - العمّ حسين لا يمرض














المزيد.....

العمّ حسين لا يمرض


يوسف المحسن
كاتب، روائي

(Yousif Almouhsin)


الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 01:25
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لا حديث للقرية وأهلها وشبابها وعجائزها أكثر من العمِّ حسين، يتهامسون في حضوره (ويلعلعون) عند غيابه، كيف عَبَرَ حاجز المئة عام وهو في أتمِّ الصحّة والقوّة، كان من الطبيعي أن يصل عددٌ مِن الرجال والنسوة إلى العقد التاسع ويقضون المتبقّي وهم حبيسو البيت وقد فَقَدوا ذاكرتهم وسمعهم واختلفت الوجوه عليهم....
لكنَّ العمّ حسين (تناوش) المئة وهو يواظب على المجيء إلى المضيف صباحاً ومساءً (ليتگهوه) منصتاً إلى نشرة اخبار البي بي سي العربيّة والتي يفضّلها بصوت محمّد الأزرق ومحمود المسلّمي، كان يتلفّظ بآراء سديدة حول كامب ديڤيد وحرب الفوكلاند والصراع مع الكيان الغاصب وكامل الدبّاغ و(ابطيحان).
العمُّ حسين اعتاد المشي لنصف ساعة يوميّاً بمحاذاة الفرات، وحيداً يتنفّس ملء رئتيه مصغياً للنوارس على طوال الشاطيء وعينه لا تغفل عن الطريق العام لعلَّ غائباً يعود أو أبناً يلفظه حوت الحرب الهائج، وحين يجوع يأخذ رغيفاً حارّاً من (حلگ) التنّور الطيني ويتوجّه إلى لوح الريحان حاملاً معه طاسة من ماء(الحِبْ) الفخاري وتمراً من (چبس السنه)، يجلس عند الساقية ويأكل وكأن العالم بلا حروب، والخريطة بلا نهر جاسم أو الفكّه أو مرتفعات حاج عمران.....
ساعات يستهلكها بترتيب ملابسه وتشميسها و(تصفيطها) تحت فراشه ومثلها في الصلاة والدعاء والفوران الصامت، والعجيب مزاجَهُ الذي لا يستقبل كلَّ الكلمات،(فالحچايه الماتعجبه ينطيهه اذن الطرشه)، بل وخلال الخمسين عاماً الأخيرة تجنّب الدخول في نقاش عقيم ليثبت بأنّه على حق، وعندما يشتدُّ وطيس الجدال والمناگرة في المضيف كان يستند الى (الحنيه) ويقول(بابا عيب شني هذا الحچي) ويصمت.
العمُّ حسين لم يكن يمرض نهائيّاً فهو (ضارب الدنيه چلاق)، لا يقلق ولا ينفعل أو هكذا كنّا نعتقد، وعلى الرغم من انّ ثلاثةً من اولاده كانوا في الفكّ الأمامي من الحرب، كان راضياً مطمئنّاً مستسلماً لقضاء الله، فيما الهمس القروي يحسده على برود الأعصاب وعبوره حاجز المئة عام دون ان يمرض.
في نهاية عقد التسعينات توجهت إلى الكاظمية المقدّسة للعمل هناك بعد ان اغلقت البلديّة دكّاني الصغير (بسطية نساتل وبساكت والبان)، أسابيع واشهر العطلة الصيفيّة مَرَّتْ دون ان أرسل لأهلي (لاخبر لاچفيّه لا حامض حلو ولاشربت)، كنت منشغلاً ليل نهار بالعمل في مطعم، وبين غسل الصحون وتشيش الكباب وطبخ القوزي وسماع أم كلثوم نسيت (اودّي مكتوب) للأهل.
ساعات الاستراحة استثمرها للتجوال بين المكتبات ومعارض التشكيل ومباريات نادي الطلبة، واحياناً اتوجّه إلى باب المراد لاجلس على المصاطب واراقبَ الحَمَام الذي لا عدَّ له.
عند باب المراد وبين المئات من الداخلين التقت عيوني بوجه أبي رحمه الله، كان يجلس عند الجهة اليمنى، ها سلام عليكم، كلانا لم يتوقّع هذه الصدفة السعيدة بالنسبة لي على الأقل، لكنَّ ملامح أبي لم تكن كما تمنيت، لقد اخبرني بأنّ العمّ حسين مريض، وقد جاء لجلب علاج له ولاداء الزيارة والعودة.
العمُّ لا يمرض!
لاتصير ...، اكو واحد ما يتمرّض. ودَّعتهُ ورجعت الى خفارتي الليليّة في المطعم، فيما الحيرة تتملّكني، كيف يمرض العمّ حسين وهو المشهود له بالعناية بصحته!. هذا المرض حصّة أهل الكروش والسهر والتنابل اللي ما يتحرّكون، لا لا مستحيل .
مرّ الاسبوعان لأعود إلى المنزل فالعام الدراسي على الأبواب، وكان السؤال عن العمّ حسين هو ما يشغلني، فقال أبي: لم يمرض، انطاك عمره من شهور، وآنه ضيعتك، ولحگتك ادوّر، طبيت وصلّيت ونخيت ابو طلبه كون يجيبك إلي، وجابك.
عندها فقط ادركت إننا جيل مُتْعِب وقد حظينا بآباء يموتون كالأشجار وهي واقفة، ولن نستطيع الوفاء لهم.



#يوسف_المحسن (هاشتاغ)       Yousif_Almouhsin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مَرْگَةُ الجيران... قانون مورفي
- الوقت المتأخِّر
- الطگطاگ
- مئة عام من المونديال
- الحرف الهرمزي
- تأء التأثيث
- ب جي أم ... الكل يحلم
- الكائن الفيسبوكي .. الكائن الفضائي
- ألقى الصحيفة
- متحفُ التراث المحكي
- قاط ولحيه بدرجة رئيس
- القمر وأمّ كلثوم
- وأُفهِمَ عَلَناً
- هل أنصفناه
- المدخنون وفشل الاقلاع عن التدخين...!!
- نمط كلاسيكي في مواجهة كتل سمنتيّة
- النخلة والعَلم العراقي
- الحصون والمخافر التراثيّة حِراك مجتمعي وهويّة عمرانيّة
- تبدّلات الساعة البيولوجية عند الاطفال
- التنوّع الاحيائي كارثة يقرع اجراسها غزال الريم


المزيد.....




- سوريا.. بعد القبض عليه من هو علي كيالي -معراج أورال- المتهم ...
- السلام بين إسرائيل ولبنان يحتاج لمزيد من الدعم الأمريكي للبن ...
- الـ CIA تسرّب معلومات خطيرة تخص حلفائها
- ملايين المُسيّرات وآلاف الصواريخ الموجّهة لا تغيّر مسار الصر ...
- Gigabyte تطرح أحد أبرز حواسبها في الأسواق الروسية
- اضطرابات النوم قد تكون مؤشرا لحالة صحية خطيرة
- أبرز ما يميز جهاز آبل المنزلي الذكي الجديد
- مسيرة -غاربيا- الانتحارية الروسية الحديثة تضرب أهدافا برية و ...
- دراسة: سرعة ذوبان الجليد الأزلي تعتمد على المناخ وعلى شكله
- الصين.. تحضيرات لانطلاق مبيعات الكروس أوفر -جيلي كولراي- الم ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يوسف المحسن - العمّ حسين لا يمرض