أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد علي سفيح - من العصا والحلقة إلى صناديق الاقتراع: الذاكرة الرافدينية وثنائية الدين والدولة في السلوك السياسي العراقي















المزيد.....

من العصا والحلقة إلى صناديق الاقتراع: الذاكرة الرافدينية وثنائية الدين والدولة في السلوك السياسي العراقي


عبد علي سفيح
باحث اكاديمي


الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 13:22
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


من العصا والحلقة إلى صناديق الاقتراع:
الذاكرة الرافدينية وثنائية الدين والدولة في السلوك السياسي العراقي

هل يمكن لرمز نُقش على حجر البازلت قبل نحو أربعة آلاف عام أن يساعدنا في فهم شيء من السلوك السياسي للمجتمع العراقي المعاصر؟
قد يبدو السؤال للوهلة الأولى غريباً. فما علاقة مسلة حمورابي، التي تنتمي إلى عالم بابل القديم، بصندوق الاقتراع الذي يقف أمامه المواطن العراقي اليوم؟ لكن المسافة بين الزمنين قد تكون أقصر مما نتصور، إذا نظرنا إلى التاريخ لا بوصفه أحداثاً انتهت، وإنما بوصفه ذاكرة ثقافية يمكن أن تعيد إنتاج بعض أسئلتها في صور جديدة.
في أعلى مسلة حمورابي يظهر الملك واقفاً أمام الإله شمش، إله الشمس والعدل، في مشهد أصبح من أشهر الصور في تاريخ الحضارة الرافدينية. وبين يدي الإله والملك تظهر رموز عُرفت باسم العصا والحلقة، وهي من الرموز المرتبطة بالسلطة والعدل والنظام والقياس.
لكن قيمة المشهد لا تكمن في الرمز وحده، وإنما في العلاقة التي يرسمها بين الإله والملك، وبين المقدس والسلطة، وبين القانون والشرعية.
فحمورابي لا يظهر في هذا المشهد بوصفه إلهاً، وإنما بوصفه ملكاً يتلقى من الإله رموزاً ترتبط بالعدل والحكم. ومن هنا يمكن أن نقرأ المشهد، من منظور أنثروبولوجي، باعتباره تعبيراً مبكراً عن فكرة مهمة: السلطة البشرية ليست مصدراً مطلقاً للشرعية، وإنما يفترض أن تمارس الحكم ضمن معيار يتجاوزها.
وهنا تبدأ قصة «العصا والحلقة». يمكن النظر إلى العصا باعتبارها رمزاً للقدرة على التنظيم والحكم وتطبيق النظام، بينما تحيل الحلقة إلى معنى أوسع يرتبط بالشرعية والعدل والنظام الكوني. ولا يعني ذلك أن البابليين وضعوا بالضرورة هذا التقسيم بالمفاهيم الحديثة نفسها، وإنما أن المشهد يسمح لنا اليوم بقراءة العلاقة بين قوة السلطة وشرعية السلطة.
واللافت في هذا المشهد أن الملك ليس هو مصدر العدالة، بل يتلقى رموزها من الإله.
وهذه النقطة تستحق التوقف. ففي الحضارة الرافدينية القديمة، لم تكن الدولة مجرد جهاز للقوة، ولم يكن الملك مجرد صاحب سلطة دنيوية منفصلة عن النظام الأخلاقي والديني. كانت السلطة مرتبطة بفكرة أوسع عن العدالة والنظام، وكان على الملك أن يظهر بوصفه راعياً لهذا النظام.
ومن هنا يمكن فهم أهمية صورة «الراعي العادل» في الفكر السياسي الرافديني.
وإذا انتقلنا من بابل القديمة إلى العراق الحديث، سنجد أن السؤال لم يختفِ، وإن تغيرت أدواته ولغته.
لم يعد الملك يقف أمام الإله على مسلة حجرية، ولم تعد الشرعية السياسية تُمنح عبر طقوس القصر أو النصوص المسمارية. أصبح لدينا الدستور، والانتخابات، والأحزاب، والبرلمان، وصندوق الاقتراع. لكن السؤال العميق عن مصدر شرعية السلطة ظل حاضراً: هل تكفي القوة القانونية والإدارية وحدها، أم تحتاج السلطة أيضاً إلى شرعية أخلاقية أو دينية أو هوياتية تجعلها مقبولة اجتماعياً؟
هنا تظهر خصوصية التجربة العراقية. فالعراق ليس مجتمعاً تشكل بعيداً عن الطبيعة، وإنما هو مجتمع نشأ تاريخياً في بيئة مائية معقدة، حيث كان الماء مصدر الحياة، لكنه كان في الوقت نفسه مصدر خطر يحتاج إلى التنظيم والسيطرة والتعاون. فالزراعة، وشبكات الري، والمدن، والقنوات، وتوزيع المياه، كلها احتاجت إلى أشكال من التنظيم الاجتماعي والسياسي.
ولذلك يمكن القول إن البيئة الرافدينية ساهمت في إنتاج سؤال قديم ما زال قابلاً للظهور بأشكال جديدة: كيف نوازن بين الحاجة إلى سلطة قادرة على تنظيم المجتمع، والحاجة إلى معيار أخلاقي يحد من هذه السلطة؟
هنا تلتقي «العصا» مع «الحلقة».
العصا وحدها قد تعني القوة والنظام، لكنها لا تجيب عن سؤال: لماذا ينبغي أن أطيع؟
والحلقة وحدها، إذا انفصلت عن قدرة الدولة على إدارة المجتمع وحماية القانون، قد تتحول إلى قيمة أخلاقية أو رمزية لا تستطيع وحدها إنتاج نظام سياسي مستقر.
ولذلك فإن المسألة ليست في اختيار العصا أو الحلقة، وإنما في العلاقة بينهما.
وربما يمكن فهم جانب من التاريخ السياسي العراقي من خلال هذا التوتر المستمر بين الدولة بوصفها قوة تنظيمية، والمجتمع بوصفه حاملاً لقيم دينية وأخلاقية وهوياتية.
فكلما شعر المجتمع أن السلطة تمتلك «العصا» من دون «الحلقة»، أي القوة من دون عدالة أو شرعية مقنعة، يصبح السؤال عن شرعية السلطة أكثر إلحاحاً. وفي المقابل، فإن الشرعية الأخلاقية أو الدينية لا تستطيع أن تحل محل الدولة ومؤسساتها وقوانينها. وهنا يصبح صندوق الاقتراع امتداداً حديثاً، لا للمشهد البابلي نفسه، وإنما للسؤال الذي كان وراءه.
فالمواطن العراقي عندما يختار ممثليه لا يختار فقط أشخاصاً لإدارة مؤسسات الدولة، بل يواجه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، السؤال القديم نفسه: من يستحق أن يحمل العصا؟ ومن يملك الحلقة التي تمنحه الشرعية؟
لا يعني هذا أن الناخب العراقي اليوم يتصرف كما كان البابلي القديم، ولا أن الرموز البابلية تنتقل بصورة ميكانيكية من جيل إلى آخر. فالمجتمعات تتغير، والمؤسسات تتغير، والأفكار تتغير. لكن الثقافة لا تختفي بسهولة؛ إنها قد تغير لغتها وأشكالها، بينما تحتفظ أحياناً ببعض الأسئلة العميقة التي تعيد إنتاج نفسها في ظروف جديدة.
ومن هنا يمكن النظر إلى ثنائية الدين والدولة في العراق الحديث باعتبارها أكثر من مجرد صراع سياسي بين تيارات معاصرة. إنها أيضاً جزء من تاريخ طويل للسؤال عن العلاقة بين السلطة والشرعية، وبين القانون والقيمة، وبين القوة والعدل. ولعل هذا ما يجعل التجربة العراقية مختلفة في بعض جوانبها عن التجارب التي فصلت الدولة عن المجال الديني بصورة حادة. فالمجتمع العراقي يحمل في ذاكرته الثقافية طبقات متراكمة من المقدس والقانون والسلطة والجماعة، من بلاد الرافدين القديمة إلى العصور الإسلامية، وصولاً إلى الدولة الحديثة.
لقد تغيرت الأسماء والأدوات. تغيرت المسلة إلى الدستور، وتغيرت الألواح الطينية إلى أوراق الاقتراع، وتغير الملك إلى نائب ومسؤول وحكومة وبرلمان. لكن السؤال بقي حاضراً: كيف يمكن أن تجتمع قوة الدولة مع شرعية المجتمع؟
ربما لا يكون استقرار السلوك السياسي العراقي في إلغاء أحد الطرفين، وإنما في إيجاد صيغة تجعل «العصا» أداة للقانون لا أداة للقهر، وتجعل «الحلقة» رمزاً للعدالة لا غطاءً لسلطة فوق القانون.
وعندها فقط يمكن أن نقرأ المشهد البابلي القديم لا بوصفه مجرد أثر محفوظ في متحف أو صورة على مسلة، وإنما بوصفه نافذة تتيح لنا التأمل في سؤال سياسي ما زال مفتوحاً.
قبل نحو أربعة آلاف عام وقف حمورابي أمام شمش، يتلقى رموز الحكم والعدل.
واليوم يقف المواطن العراقي أمام صندوق الاقتراع، ويمارس حقاً سياسياً حديثاً.
وبين المشهدين تغيرت الحضارات والأنظمة والمؤسسات، لكن سؤال الشرعية ربما لم يتغير تماماً: من يستحق أن يحمل العصا؟
ومن يملك الحلقة التي تمنحه الشرعية؟
ولعل الإجابة عن هذا السؤال هي إحدى الطرق التي يمكن أن تساعدنا على فهم السياسة العراقية، لا بوصفها أحداثاً يومية منفصلة، وإنما بوصفها امتداداً طويلاً لعلاقة الإنسان الرافديني بالسلطة والعدل والمقدس.
وربما هنا تحديداً تبدأ الحكاية من جديد.



#عبد_علي_سفيح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثنائيات صناعة الحضارة وانهيارها: من البروتستانت إلى الفرس
- حين أفلتت الشمس عن الإمبراطورية البريطانية
- حين يبقى اسم الغزاة… انجلترا وفرنسا وروسيا نموذجا
- الإنسان كائن الحياة لا سيدها: من -الحيوان العاقل- إلى -الكائ ...
- كيف تُصنع الأعمال الكبيرة الذاكرة الوطنية وتُخلَّد الهويات؟
- العراق في قرن: أربعة أجيال ولم تكتمل تجربة الدولة
- حين تتكلم اللغة بلسان الطبيعة: من يذكّر الشمس ويؤنّث القمر
- لماذا تحولت الحداثة العربية من مشروع لتحديث الدولة والمجتمع ...
- ايران والعرب في القرن العشرين مرآتان لسؤال واحد
- كربلاء المنشور الحضاري
- كربلاء: حين تكشف الحضارة الرافدينية عن نفسها
- عاشوراء ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل مؤسسة لإعادة انتاج المجتم ...
- في الجغرافيا التاريخية يقال إن الأساطير والأديان مرآة لمزاج ...
- من دموع الآلهة الى الصفر والواحد: رحلة العقل البشري بين سحر ...
- الوحش العاقل-: لماذا فشل الانسان في تعريف نفسه عبر التاريخ؟
- الشرق الأوسط...حين يصبح الاختيار مرادفا للكلفة
- من - السدارة- الى -البيرية-...حين يكتب غطاء الرأس تاريخ العر ...
- النسر...حين تتحول المعاناة الى قوة
- عش كالذئب....لا كالقطيع بلا ملامح
- الثعلب والقنفذ


المزيد.....




- الفاتيكان يعلن نجاح عملية جراحية للبابا ليو لاستئصال ورم سرط ...
- الفاتيكان يعلن إصابة البابا ليو بالسرطان واستئصال جزء من رئت ...
- الفاتيكان يعلن إزالة جزء من رئة البابا بعد التأكد من إصابته ...
- بعد استئصال ورم من الرئة.. الفاتيكان يكشف حالة البابا
- بابا الفاتيكان يدخل إلى المستشفى لإجراء عملية في الرئة
- «المصريين الأحرار»: ازدواجية المعايير الأوروبية تسقط شعارات ...
- -استبعاد الإسلاميين-.. شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقي ...
- سدرة المنتهى: الشجرة الكبيرة في السماء السابعة التي وصل إليه ...
- مستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى
- قوى سودانية ترفض شرعنة سلطات الحرب وتطالب باستبعاد الإخوان


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد علي سفيح - من العصا والحلقة إلى صناديق الاقتراع: الذاكرة الرافدينية وثنائية الدين والدولة في السلوك السياسي العراقي