أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد علي سفيح - كيف تُصنع الأعمال الكبيرة الذاكرة الوطنية وتُخلَّد الهويات؟














المزيد.....

كيف تُصنع الأعمال الكبيرة الذاكرة الوطنية وتُخلَّد الهويات؟


عبد علي سفيح
باحث اكاديمي


الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 20:50
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الهدف من كتابة هذا المقال هو إشكالية الهوية الوطنية العراقية وغياب أثر الرجال الكبار( العظماء) من الفضاء العام العراقي.

​لا تُبنى الهوية الوطنية للمجتمعات من الفراغ، ولا تستمر لمجرد الشعارات العاطفية، بل تتجسد عملية بنائها المستدامة في "الأعمال الكبيرة" ، ذلك الأثر الذي يتركه الرجال والنساء العظام ليكون شاخصاً حياً في يوميات المواطن، يربطه بأرضه، وينسج خيوط انتماء غير مرئية بين ماضيه وحاضره.
​إن تأمل التجارب الأممية يوضح كيف أدركت الدول المتقدمة أن الرموز الوطنية والرموز المعمارية ليست مجرد أحجار أو مسميات، بل هي "هندسة للوعي الجمعي".
​في فرنسا مثلا، وحتى القرن الثامن عشر، كانت الرموز الكبيرة ذات طابع ديني خالص، وكانت الكنائس هي المستودع الوحيد لقبور ومآثر الشخصيات التأثيرية. لكن بعد الثورة الفرنسية، أدركت السلطة المدنية أن بناء الدولة الحديثة يتطلب صنع رمزيّة وطنية جامعة تتجاوز الانتماء الفردي. فشيّدت صرح "البانتيون" (Pantheon) في قلب باريس، ليكون مقبرة خلدت فيها الأمة عباقرتها الذين أضاءوا طريق البشرية؛ من أمثال ماري كوري، وفيكتور هيغو، وفولتير، وجان جاك روسو وإميل زولا، والاسكندر دوماس. ولم تتوقف فرنسا عند هذا الصرح، بل غدت شوارع باريس، وجسورها،( جسر شارل ديغول، جسر سيمون دي بوفوار، جسر ليوبولد سينغور، جسر نابليون) ومتاحفها( متحف بومبيدو، متحف جاك شيراك)، وبناياتها الرسمية( مكتبة فرانسوا ميتران)، معلماً يلهج بأسماء علمائها وفلاسفتها، ليصبح السير في الشارع درساً في التاريخ وربطاً مستمراً للمواطن بهويته.
​لم تكن فرنسا استثناءً، بل أضحت هذه السياسة الركيزة الأساسية لبناء الهوية في دول إقليمية وأوروبية متعددة:
​تركيا: بعد تأسيس الجمهورية، صُممت الهوية الحديثة حول فكرة تخليد البناة والمفكرين. يتجسد ذلك في صرح "أنطكابير" الذي يضم جثمان أتاتورك، إضافة إلى إطلاق أسماء الفلاسفة والشعراء والمعماريين (مثل المعمار سنان، والشاعر يونس إمره) على الشوارع والجامعات والجسور، لتأكيد الاستمرارية الثقافية للأمة.
​إيران: يتجلى مفهوم الذاكرة الوطنية في العناية الفائقة بأضرحة ومعالم الشعراء والمفكرين الذين شكلوا وجدان اللغة والهوية، مثل الفردوسي في طوس، والشيرازي وحافظ في شيراز، فضلاً عن تسمية الميادين الكبرى والشوارع الرئيسة في طهران بأسماء العلماء والفلاسفة( شارع وساحة الفردوسي، شارع حافظ، شارع خيام، شارع ابو علي سينا، شارع جلال الدين الرومي، شارع ناصر خسرو) مما جعل التاريخ جزءاً لا يتجزأ من جغرافية المدن.
​المملكة المتحدة: تعتمد بريطانيا على "دير ويستمنستر" (Westminster Abbey) بكنيسة الشعراء والعلماء (Poets Corner)، حيث يرقد إسحاق نيوتن وتشارلز ديكنز وغيرهما، إضافة إلى نظام "اللوحات الزرقاء" (Blue Plaques) المعلقة على المباني للتذكير بالشخصيات العظيمة التي عاشت فيها، مما يربط الجغرافيا اليومية بالسير التاريخية الملهمة.
​إيطاليا: عكست إيطاليا وحدتها الوطنية من خلال استحضار عمالقة النهضة؛ فجعلت من أسماء دانتي أليغييري، وليوناردو دا فينشي، وميكيلانجيلو عناوين لمطاراتها، وجسورها، وميادينها العامة، ليكون التاريخ الإيطالي حضوراً دائماً في ذاكرة المواطن والزائر على حد سواء.
اما ​المشهد العراقي نجد اغتراب الشواخص وتجريد الجغرافيا
​على الضفة الأخرى، نجد في العراق غياباً واضحاً لمعنى الهوية الوطنية القائمة على تخليد أثر العظماء. تعاني جغرافيتنا العشرينية والحديثة من انفصال صريح بين المواطن وتاريخه العلمي والثقافي والسياسي.
​ففي العاصمة بغداد، تحكم التسميات الشوارع والميادين بأطر شعاراتية أو إدارية جافة (مثل: شارع الجمهورية، شارع الكفاح، شارع النضال، شارع حيفا، شارع النهر، شارع فلسطين)، واستثناءات قليلة جداً كشارع الرشيد وشارع المتنبي. كذلك ينسحب هذا الجفاف على الجسور (جسر الجمهورية، جسر الأحرار، جسر الشهداء).
​أما في المحافظات، فينُدر أن تجد مدرسة، أو مستشفى، أو جسراً، أو شارعاً رئيسياً يحمل اسم شاعر عراقي كبير، أو مفكر، أو عالم، أو سياسي ترك بصمة ناصعة في تاريخ العراق الحديث أو القديم. لقد تم استبدال خلود الأفراد الذين صنعوا الحضارة بتسميات عمومية مجردة، لا تترك في نفس أجيالنا الشابة أي أثر أو فضول للمعرفة.
​استعادة الذاكرة لبناء المستقبل
​إن بناء الهوية الوطنية يتطلب بشكل عاجل إعادة صياغة الفضاء العام. لا يمكن للمواطن أن ينتمي لأمة لا يرى رموزها الحضارية في تفاصيل حياته اليومية. إن إطلاق أسماء المفكرين، والعلماء، والشعراء، والرواد العراقيين على شوارعنا ومؤسساتنا التعليمية، وتشييد صروح تخلد مآثرهم، ليس مجرد رفاهية تنظيميّة أو جمالية، بل هو شرط أساسي لترميم الذاكرة الجمعية، وضمان عدم انفصال الأجيال القادمة عن جذورها التاريخية والتعلم من سيرة من أثروا العقل العراقي والإنساني.



#عبد_علي_سفيح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق في قرن: أربعة أجيال ولم تكتمل تجربة الدولة
- حين تتكلم اللغة بلسان الطبيعة: من يذكّر الشمس ويؤنّث القمر
- لماذا تحولت الحداثة العربية من مشروع لتحديث الدولة والمجتمع ...
- ايران والعرب في القرن العشرين مرآتان لسؤال واحد
- كربلاء المنشور الحضاري
- كربلاء: حين تكشف الحضارة الرافدينية عن نفسها
- عاشوراء ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل مؤسسة لإعادة انتاج المجتم ...
- في الجغرافيا التاريخية يقال إن الأساطير والأديان مرآة لمزاج ...
- من دموع الآلهة الى الصفر والواحد: رحلة العقل البشري بين سحر ...
- الوحش العاقل-: لماذا فشل الانسان في تعريف نفسه عبر التاريخ؟
- الشرق الأوسط...حين يصبح الاختيار مرادفا للكلفة
- من - السدارة- الى -البيرية-...حين يكتب غطاء الرأس تاريخ العر ...
- النسر...حين تتحول المعاناة الى قوة
- عش كالذئب....لا كالقطيع بلا ملامح
- الثعلب والقنفذ
- دولة البلوط وسلطة النخيل
- حين تتحول- الازدواجية- الى عذر جاهز
- العقد الإجتماعي للمرجعية الدينية في النجف الأشرف
- من شارل ديغول إلى رجب طيب أردوغان: سر لم يفهمه الاسلاميون ال ...
- العراق تجربة العالم للقرن الحادي والعشرين


المزيد.....




- بعد إفراج الإمارات عنه.. عبد الرحمن القرضاوي يشكر تركيا ويوج ...
- هل اتفقت الحكومة في نيجيريا سرا مع -بوكو حرام-؟
- البحرين: إدانة متهم ومعاقبته بالحبس لمدة سنة لنشره منشورات ت ...
- الكيان الإسرائيلي يواجه انهياراً دبلوماسياً ..الإسلامية المس ...
- المسلمون في قلب الصراع الانتخابي الأمريكي: تصاعد الخطاب الجم ...
- المسلمون في قلب الصراع الانتخابي الأمريكي: اتهامات جمهورية و ...
- الضفة.. الاستيطان يلتهم القرى المسيحية
- ألقوا أصنامهم في النهر واعتنقوا الإسلام بعد الفيضانات.. ما ح ...
- الحكومة البريطانية -ستفرض قيوداً جديدة- على التجارة مع المست ...
- الاحتلال يمنع رفع الأذان بالحرم الإبراهيمي منذ 75 يوما


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد علي سفيح - كيف تُصنع الأعمال الكبيرة الذاكرة الوطنية وتُخلَّد الهويات؟