أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد علي سفيح - حين أفلتت الشمس عن الإمبراطورية البريطانية














المزيد.....

حين أفلتت الشمس عن الإمبراطورية البريطانية


عبد علي سفيح
باحث اكاديمي


الحوار المتمدن-العدد: 8851 - 2026 / 10 / 7 - 11:49
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يعزّ عليّ، وأنا أتابع بعض ما يكتب ويقال، أن أرى جزءاً من نخبتنا الفكرية العربية وخاصة العراقية لا يتوقف عن جلد الذات، وعن تفسير ما أصاب مجتمعاتنا من تراجع بتعابير من قبيل "العقل العربي" و"العقل الديني"، و"الشخصية العربية" و "مرض أو داء الازدواجية"، و"الثقافة العربية"، وكأن هذه المفاهيم حقائق ثابتة تفسر وحدها صعود الأمم وسقوطها.
ولا أقصد بذلك إنكار مشكلاتنا، أو الهروب من مسؤولية النقد والمراجعة. على العكس، فإن الأمة التي لا تنقد نفسها محكوم عليها بالتكرار. لكن ثمة فرقاً كبيراً بين النقد الذي يقود إلى الفهم والإصلاح، وبين جلد الذات الذي يتحول إلى إدانة للهوية نفسها.
ولذلك أطرح سؤالاً بسيطاً:
ماذا لو طبقنا المنطق نفسه الذي نستخدمه أحياناً في تفسير تراجعنا على تاريخ بريطانيا؟
في مطلع القرن العشرين كانت بريطانيا في ذروة قوتها. كانت تمتلك واحدة من أعظم الإمبراطوريات التي عرفها التاريخ، وتمتد ممتلكاتها عبر قارات العالم، حتى أطلق عليها وصف الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.
ومن بريطانيا انطلقت الثورة الصناعية، وبرز فيها علماء ومخترعون ومفكرون كان لهم أثر هائل في تشكيل العالم الحديث. وكانت البحرية البريطانية قوة عالمية، ولندن مركزاً للمال والتجارة والسياسة الدولية. ثم أفلتت شمس الإمبراطورية.
خلال عقود قليلة تغير العالم بصورة عميقة. اندلعت حربان عالميتان استنزفتا بريطانيا، صعدت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كقوتين عظميين، تغير الاقتصاد العالمي، تطورت التكنولوجيا، وتصاعدت حركات التحرر الوطني، وانتهى تدريجياً العصر الاستعماري.
فماذا حدث؟
هل أصبح البريطانيون أقل ذكاء؟
هل تراجع "العقل البريطاني"؟
هل تغيرت الشخصية البريطانية؟
هل أصبحت التقاليد البريطانية فجأة عائقاً أمام التقدم؟
هل يمكن أن نقول إن الدين أو الثقافة وحدهما كانا سبباً في أفول الإمبراطورية؟
بالطبع لا. لقد تغيرت الظروف التاريخية وموازين القوة والنظام الدولي. وهذه نقطة شديدة الأهمية. فالأمم لا تعيش خارج التاريخ. وما يجعل أمة قوية في مرحلة تاريخية معينة قد لا يكون كافياً لاستمرار قوتها في مرحلة أخرى. وقد تخسر دولة نفوذها العالمي، من دون أن يعني ذلك أن شعبها أصبح أقل ذكاء أو أن ثقافته فقدت قيمتها.
والبريطانيون، مثل غيرهم من الشعوب، ناقشوا أخطاءهم وانتقدوا سياساتهم، بل إن نقد الاستعمار والإمبراطورية جزء مهم من النقاش البريطاني نفسه. لكن هذا النقد لم يتحول، في عمومه، إلى عقيدة تقول إن هناك عيباً أزلياً في "العقل البريطاني" يفسر كل ما حدث.
وهنا أجد نفسي أمام سؤال آخر يتعلق بنا نحن:
لماذا نميل أحياناً إلى تفسير تعثرنا بأوصاف جوهرية وشاملة، بدلاً من البحث في الأسباب التاريخية والمؤسسية والسياسية والاقتصادية التي صنعت واقعنا؟
فحين نتحدث عن النهضة أو التخلف، لا نتحدث عن "عقل" يعمل في فراغ. نتحدث عن التعليم، والمؤسسات، والاقتصاد، والاستقرار السياسي، والحريات، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، ونظم الإدارة، وموازين القوى الدولية، والحروب، والموارد، والقيادات، والظروف التاريخية.
كل هذه العوامل تتفاعل معاً. ولذلك فإن السؤال:
"ما العيب في العقل العربي؟"
قد يكون أقل فائدة من السؤال: "ما الظروف والمؤسسات والسياسات التي جعلت مجتمعات معينة تتقدم، ومجتمعات أخرى تتراجع؟"
الأول قد يقود إلى اليأس، أما الثاني فيفتح باب الإصلاح.
أنا لا أدعو إلى تبرئة أنفسنا من أخطائنا، ولا إلى البحث عن شماعة نعلق عليها أسباب تأخرنا. بل أدعو إلى شيء أكثر صعوبة: أن ننتقد أنفسنا من دون أن نحتقر أنفسنا.
أن نعترف بأخطائنا من دون أن نحولها إلى صفات أبدية. وأن ندرس تجارب الآخرين لا لكي نقلدهم، ولا لكي نبحث عن عقدة نقص جديدة، وإنما لكي نفهم كيف تصعد الأمم وكيف تتراجع. فبريطانيا التي حكمت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس لم تعد تلك القوة الإمبراطورية التي كانت عليها قبل قرن.
ومع ذلك، لم يقل أحد إن الشعب البريطاني فقد عقله. لأن التاريخ أكثر تعقيداً من ذلك. فإذا كان أفول الإمبراطورية البريطانية لا يعني أفول العقل البريطاني، فلماذا نصر على تفسير تراجعنا بأنه أفول للعقل العربي؟
ربما حان الوقت لأن ننتقل من جلد الذات إلى دراسة الذات، ومن احتقار الماضي إلى فهمه، ومن البحث عن عيب جوهري في الإنسان العربي إلى البحث عن الأسباب الحقيقية التي صنعت واقعنا. فالأمم لا تنهض لأنها "أفضل" من غيرها بطبيعتها، ولا تسقط لأنها "أسوأ" منها بطبيعتها.
إنها تنهض حين تتوافر لها شروط النهوض، وتتراجع حين تختل تلك الشروط.
وهذه، في رأيي، واحدة من أهم الحقائق التي ينبغي أن نتذكرها ونحن ننظر إلى أنفسنا وإلى تاريخنا.



#عبد_علي_سفيح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يبقى اسم الغزاة… انجلترا وفرنسا وروسيا نموذجا
- الإنسان كائن الحياة لا سيدها: من -الحيوان العاقل- إلى -الكائ ...
- كيف تُصنع الأعمال الكبيرة الذاكرة الوطنية وتُخلَّد الهويات؟
- العراق في قرن: أربعة أجيال ولم تكتمل تجربة الدولة
- حين تتكلم اللغة بلسان الطبيعة: من يذكّر الشمس ويؤنّث القمر
- لماذا تحولت الحداثة العربية من مشروع لتحديث الدولة والمجتمع ...
- ايران والعرب في القرن العشرين مرآتان لسؤال واحد
- كربلاء المنشور الحضاري
- كربلاء: حين تكشف الحضارة الرافدينية عن نفسها
- عاشوراء ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل مؤسسة لإعادة انتاج المجتم ...
- في الجغرافيا التاريخية يقال إن الأساطير والأديان مرآة لمزاج ...
- من دموع الآلهة الى الصفر والواحد: رحلة العقل البشري بين سحر ...
- الوحش العاقل-: لماذا فشل الانسان في تعريف نفسه عبر التاريخ؟
- الشرق الأوسط...حين يصبح الاختيار مرادفا للكلفة
- من - السدارة- الى -البيرية-...حين يكتب غطاء الرأس تاريخ العر ...
- النسر...حين تتحول المعاناة الى قوة
- عش كالذئب....لا كالقطيع بلا ملامح
- الثعلب والقنفذ
- دولة البلوط وسلطة النخيل
- حين تتحول- الازدواجية- الى عذر جاهز


المزيد.....




- دراسة: يهود ألمانيا يشعرون بالعزلة والرفض منذ هجوم 7 أكتوبر ...
- الإخوان المسلمون بعد قرن: مراجعاتٌ لبوصلة الأفكار والمواقف
- ترامب يحمّل الإسلام والهجرة مسؤولية الاحتجاجات الطلابية في ف ...
- ترامب: ما يحدث في فرنسا سببه الهجرة والإسلام وليس أزمة مدارس ...
- عاجل | ترمب: الأمر في فرنسا لا يتعلق بالمدارس بل برغبة الإسل ...
- الأوقاف الفلسطينية: 26 اقتحاما للأقصى ومنع الأذان 150 وقتا ف ...
- -تحررنا وأصبحنا بيضة القبان-.. كيف تغيّر واقع الطائفة العلوي ...
- 145 مستوطنا يقتحمون المسجد الأقصى بحماية شرطة الاحتلال
- ماليزيا تقدم 600 ألف دولار عبر صندوق (AAKRP) لدعم المؤسسات ...
- اعتناق الإسلام وشائعة إسرائيل والاعتزال.. إسرائيل تنبش في أس ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبد علي سفيح - حين أفلتت الشمس عن الإمبراطورية البريطانية