احمد موكرياني
الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 18:15
المحور:
الفساد الإداري والمالي
عدد الحمايات 5,326 عنصر حماية و98 مليار دينار سنوياً، فمن يحمي المواطن العراقي، ومن يحمي المال العام؟
من المفارقات المؤلمة في العراق أن المواطن البسيط يخرج من منزله كل صباح ليواجه مصاعب الحياة ومخاطرها دون حراسة شخصية، بينما يتمتع النواب والوزراء وكبار المسؤولين بمواكب من السيارات المصفحة والحراس المسلحين، الذين تُدفع رواتبهم ونفقاتهم من أموال الشعب.
وهنا يبرز سؤال مشروع، بل واجب على كل مواطن أن يطرحه:
إذا كان المسؤول يخشى على حياته إلى درجة أنه يحتاج إلى عدد كبير من الحراس والسيارات المصفحة، فكيف يستطيع أن يتحمل مسؤولية حماية ملايين المواطنين الذين لا يملكون حارساً واحداً؟
إن المسؤولية العامة ليست امتيازاً يمنح صاحبه حياة مختلفة عن حياة الشعب، وإنما تكليف وواجب لخدمة المواطنين، وحماية حقوقهم، وأموالهم، وكرامتهم.
السؤال الأول: من يحمي من؟
إن الوظيفة الأساسية للدولة هي توفير الأمن لجميع المواطنين، وليس تخصيص الأمن والطمأنينة لطبقة من المسؤولين والسياسيين وحدهم.
فالمواطن العراقي، سواء كان معلماً، أو طبيباً، أو مهندساً، أو عاملاً، أو متقاعداً، له الحق نفسه في الحياة والأمن الذي يتمتع به رئيس الوزراء أو الوزير أو النائب.
فلماذا يُخصص للمسؤولين عدد كبير من الحراس، بينما يُترك المواطن العادي معتمداً على أجهزة أمنية قد تعجز أحياناً عن حمايته من الجريمة والابتزاز والتهديد؟
لا أعترض على توفير حماية أمنية ضرورية للمسؤولين الذين يتعرضون لتهديدات جدية ومثبتة، لكنني أعترض على تحويل الحماية إلى امتياز دائم، أو مظهر للنفوذ والوجاهة السياسية، أو وسيلة لتوظيف المقربين على حساب الخزينة العامة.
إن معيار الحماية يجب أن يكون حجم الخطر الأمني الحقيقي، لا أهمية المسؤول في نظر نفسه أو مكانته الحزبية.
وثانياً: 98 مليار دينار سنوياً... أين الرقابة على المال العام؟
• تتداول تقديرات تشير إلى وجود نحو 5,326 عنصر حماية مخصصين للمسؤولين العراقيين، بكلفة سنوية تبلغ نحو 98 مليار دينار عراقي.
• وإذا صحت هذه الأرقام، فإنها تثير تساؤلات جدية بشأن أولويات الإنفاق العام، وضرورة نشر بيانات رسمية مدققة عن أعداد الحراس ورواتبهم ومخصصاتهم.
• فالمبلغ المذكور يعادل نحو 18.4 مليون دينار سنوياً لكل عنصر حماية، أي قرابة 1.53 مليون دينار شهرياً، إذا قُسمت الكلفة الإجمالية بالتساوي على العدد المذكور.
• وهذا متوسط حسابي، وليس دليلاً على أن كل حارس يتقاضى هذا الراتب، لأن النفقات قد تشمل مخصصات وتجهيزات وإدارة وخدمات أخرى.
والسؤال الذي لا بد أن يوجه إلى الحكومة ومجلس النواب وديوان الرقابة المالية هو:
• كم تنفق الدولة فعلياً على حماية السياسيين؟ وكم من هذه النفقات ضروري أمنياً؟ وكم منها يمكن توفيره وتوجيهه إلى خدمات المواطنين؟
وثالثاً: النائب ممثل الشعب، وليس حاكماً فوق الشعب:
• إن النائب الذي ينتخبه المواطن ليمثله في البرلمان ينبغي أن يكون قريباً من الناس، يسمع شكاواهم، ويتفهم معاناتهم، ويدافع عن حقوقهم.
• فكيف يستطيع أن يعرف واقع المواطنين إذا كان يعيش خلف الحواجز والمواكب الأمنية، بعيداً عن الأسواق والمدارس والمستشفيات والأحياء الشعبية؟
في كثير من الديمقراطيات الأوروبية، لا تُخصص حراسة شخصية دائمة لجميع أعضاء البرلمان، بل تُحدد الحماية وفق تقييمات أمنية وتهديدات فعلية.
• الأمين العام لحلف الناتو: مارك روته، رئيس وزراء هولندا السابق كان يتنقل على الدراجة الهوائية من منزله الى مكتبه عندما كان رئيس لوزراء هولندا.
• السيدة أنجيلا ميركل كانت مستشارة لألمانيا أكبر اقتصاد اوربي، كانت ومازالت تسكن في شقة، وعندما سألت عن تكرار ارتداء ملابسها دون تغيير، فأجابت "أنا موظفة حكومية، ولست عارضة أزياء".
• أما نوابنا فأنهم يتباهون بساعاتهم اليدوية التي تتجاوز قيمتها المئات الآلاف الدولارات، وابن الشعب الذي يمثله لا يملك دارا ولا إيجار مسكنه.
وهذا يطرح سؤالاً مهماً على النواب العراقيين:
• إذا كانت دول مستقرة تستطيع توفير الأمن العام دون تخصيص مواكب مسلحة لكل نائب، فلماذا لا يكون هدف البرلمان العراقي بناء نظام أمني يحمي الجميع بدلاً من توسيع الامتيازات الشخصية؟
• إن هيبة النائب لا تأتي من عدد الحراس الذين يحيطون به، وإنما من نزاهته وكفاءته واحترامه للدستور وخدمته للشعب.
رابعاً: هل أصبح المنصب العام وسيلة للحصول على الامتيازات؟
• لا يمكن فصل موضوع الحمايات الشخصية عن منظومة الامتيازات التي يحصل عليها بعض كبار المسؤولين، ومنها السيارات الرسمية والمخصصات والمكاتب والنفقات الإدارية.
• فحين تتحول الوظيفة العامة إلى مصدر للمزايا المادية والاجتماعية، تصبح المنافسة على المناصب مرتبطة بالمكاسب الشخصية، لا بالضرورة بالكفاءة والرغبة في خدمة المجتمع.
• نُشر إن مرشحاً لمنصب نائب رئيس الوزراء، أنشأ لنفسه مكتباً بتكلفة تُقدَّر بملايين الدولارات، وخصّص لحمايته الشخصية مئات الحراس، قبل أن يتولى منصبه رسمياً ويحصل على موافقة مجلس النواب.
o فماذا يتوقع الشعب العراقي من مرشح يستعرض هذه الأبهة الزائفة والمظاهر الباذخة، ويسعى إلى إبراز مكانته الشخصية، دون أن يقدم برنامجاً واضحاً لخدمة الشعب العراقي ومعالجة مشكلاته او يعلن عن خبراته السابقة في الإدارة او في تطوير المشاريع الاقتصادية الأستراتيجية؟
وهنا تكمن إحدى مشكلات الحكم: أن يصبح الوصول إلى السلطة هدفاً بحد ذاته، بدلاً من أن يكون وسيلة لإصلاح الدولة.
ولا يجوز أن يتحمل المواطن أعباء هذه الامتيازات دون معرفة تكلفتها وأسبابها ومدى ضرورتها.
خامساً: الشجاعة السياسية ليست في حمل السلاح ولا في كثرة الحراس؟
الشجاعة الحقيقية للمسؤول لا تعني تعريض حياته للخطر دون ضرورة، ولا تعني الاستغناء عن الإجراءات الأمنية عندما يكون مهدداً.
• إنما تعني امتلاك الإرادة لاتخاذ القرارات الصحيحة، وتطبيق القانون على الجميع، ومواجهة الفساد، ورفض الضغوط الحزبية والمسلحة، وتحمل المسؤولية أمام المواطنين.
• فالمسؤول الشجاع هو الذي يدافع عن المال العام، حتى لو تعارض ذلك مع مصالح حزبه، والذي يرفض الامتيازات غير المبررة، والذي يخضع نفسه للمساءلة قبل أن يطالب الآخرين بها.
• أما الاستقواء بالحراس والمواكب والمناصب، فلا يمثل دليلاً على الشجاعة أو الكفاءة.
• إن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على حماية المواطن الضعيف، لا بعدد المسلحين الذين يحيطون بالمسؤول القوي.
سادساً: ما المطلوب من الحكومة ومجلس النواب؟
إن الإصلاح الجاد لهذا الملف يتطلب إجراءات واضحة:
1. نشر العدد الرسمي للحمايات الشخصية الممولة من الموازنة العامة، موزعاً بحسب المناصب والمؤسسات، دون كشف تفاصيل أمنية حساسة.
2. إعلان التكلفة السنوية الشاملة، بما فيها الرواتب والمخصصات والسيارات، والوقود، والتجهيزات، والصيانة.
3. تحديد عدد الحراس لكل مسؤول وفق تقييم مهني مستقل للمخاطر الأمنية، مع مراجعة دورية.
4. إنهاء الحمايات غير الضرورية، وإعادة توزيع العناصر المؤهلين على مهام حماية المواطنين وفق احتياجات الأجهزة الأمنية.
5. منع استخدام الحراس والسيارات الرسمية في الأعمال الحزبية والشخصية أو لحماية المصالح التجارية الخاصة.
6. إعادة النظر في استمرار الحمايات بعد انتهاء المنصب، وحصر الاستثناءات في حالات التهديد الحقيقي والمثبت.
سابعاً: رسالة إلى نواب الشعب والمسؤولين
أيها النواب والوزراء والمسؤولون: لقد توليتم مناصبكم لخدمة الشعب، وليس لكي يخدمكم الشعب.
• إن الأموال التي تُنفق على امتيازاتكم ليست أموالاً شخصية، بل هي من ثروات العراق وحقوق أبنائه، ومن واجبكم المحافظة عليها وإنفاقها حيث تتحقق المصلحة العامة.
• إن المواطن الذي ينتظر العلاج في مستشفى حكومي، والطالب الذي يدرس في مدرسة تفتقر إلى الخدمات، والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل، جميعهم أولى بأن تكون احتياجاتهم حاضرة في قرارات الإنفاق العام.
• ولا يطلب منكم أحد أن تعرضوا حياتكم للخطر، لكن الشعب من حقه أن يطالبكم بعدم تحويل الخوف إلى امتياز دائم، وعدم تحويل المنصب إلى حصن يفصلكم عن المجتمع.
• فإذا كانت الأوضاع الأمنية تستدعي حماية استثنائية لآلاف المسؤولين، فإن هذا بحد ذاته دليل على ضرورة معالجة أسباب الخطر، وبناء دولة قانون تحمي جميع العراقيين.
كلمة أخيرة:
• احموا الشعب قبل أن تطالبوا الشعب بحمايتكم:
1. إن العراق لا يحتاج إلى طبقة سياسية تحيط نفسها بالأسوار والمواكب والحراس، بقدر حاجته إلى مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وأجهزة أمنية مهنية، وإدارة نزيهة للمال العام.
2. إن المسؤول الذي يستمد هيبته من نزاهته وثقة المواطنين به لا يحتاج إلى استعراض القوة، كما أن الدولة التي تحترم مواطنيها لا تجعل الأمن امتيازاً طبقياً.
3. أيها المسؤولون: إذا كنتم لا تشعرون بالأمان إلا خلف عشرات الحراس، فتذكروا أن ملايين العراقيين يعيشون دون حارس واحد. فمن المسؤول عن أمنهم؟
4. وإذا كنتم تخشون مواجهة الشعب دون مواكب وحواجز، فكيف تطلبون منه أن يثق بقدرتكم على حماية الوطن؟
5. إن المنصب مسؤولية لا غنيمة، والسلطة تكليف لا امتياز، والمال العام أمانة لا ملكية خاصة.
6. فاحموا الشعب الذي أوصلكم إلى مناصبكم، قبل أن تطلبوا منه تمويل المزيد من الحراس لحمايتكم.
#احمد_موكرياني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟