احمد موكرياني
الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 21:18
المحور:
الادارة و الاقتصاد
تعاني محافظات عراقية عديدة، ولا سيما مناطق الأهوار، من جفاف متفاقم نتيجة انخفاض تدفقات مياه دجلة والفرات من منابعهما في الأناضول الكردستانية، إلى جانب آثار السدود والمشاريع المائية التركية الكبرى. وقد أُقيم عدد مهم من هذه السدود في مناطق ذات غالبية كردية، وأدت بعض مشاريعها، ولا سيما سد إليسو، إلى تهجير عشرات الآلاف من السكان وإغراق مناطق ومواطنهم تاريخية، الأمر الذي دفع باحثين ومنظمات حقوقية إلى إثارة تساؤلات جدية حول أبعاد هذه المشاريع الديموغرافية والسياسية، ولم تقتصر آثار سياسة السدود التركية على تقليص تدفقات المياه نحو العراق، بل امتدت إلى التراث التاريخي في أعالي دجلة، إذ أدى إنشاء سد إليسو إلى غمر أجزاء واسعة من مدينة حصن كيف التاريخية، التي يمتد تاريخ الاستيطان فيها إلى نحو 12 ألف عام، ونُقلت بعض معالمها الأثرية، لأنها تثبت عدم وجود الترك تاريخيا في الأناضول.
إلى جانب أهدافها المعلنة في توليد الطاقة والتنمية والري. لا ينبغي للعراق أن يتعامل مع أزمة المياه مع تركيا باعتبارها قضية فنية تخص وزارة الموارد المائية وحدها، فالمياه بالنسبة للعراق قضية أمن قومي وسيادة وأمن غذائي ومستقبل اقتصادي.
وفي المقابل، لتركيا مصالح استراتيجية واسعة داخل العراق: سوق تجارية كبيرة، واستثمارات ومقاولات، وتعاون أمني، وخط أنابيب ينقل النفط العراقي إلى ميناء جيهان، ومشروع طريق التنمية الذي يمكن أن يجعل تركيا حلقة رئيسية في طريق التجارة بين الخليج وأوروبا.
وهنا يبرز السؤال:
إذا كانت تركيا تجمع مصالحها الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية في العراق، فلماذا يفاوض العراق تركيا على كل ملف بصورة منفصلة؟
حان الوقت لأن تتحول بغداد من سياسة المطالبة بالمياه إلى سياسة تفاوض المصالح بالمصالح: دجلة والفرات ليسا منحة تركية للعراق؟
تركيا دولة منبع مهمة في حوضي دجلة والفرات، لكنها ليست الدولة الوحيدة صاحبة المصلحة في مياههما.
فالمياه العابرة للحدود مورد مشترك تتداخل فيه مصالح دول المنبع والمصب، ويقوم القانون الدولي للمياه على مبادئ أساسية، في مقدمتها الانتفاع المنصف والمعقول، والتعاون، ومراعاة مصالح الدول الأخرى، ومنع التسبب بضرر ذي شأن.
لذلك يجب أن ينتقل العراق من المطالبة السياسية العامة بـ”زيادة الإطلاقات” إلى المطالبة باتفاق مائي طويل الأمد وقابل للقياس: أي أن تعرف:
1. كم متراً مكعباً من المياه يصل إلى العراق كل ثانية؟
2. وكم يصل في الصيف والشتاء؟
3. وما الحد الأدنى الذي يجب ضمانه في سنوات الجفاف؟
4. وكيف توزع أعباء النقص المائي بين دول المنبع والمصب؟
5. ومن يراقب الكميات؟
6. وما البيانات التي يجب أن تتبادلها الدول بشأن السدود والخزانات والأمطار؟
بدون أرقام وآليات قياس ومراقبة، يبقى الأمن المائي العراقي رهناً بالمفاوضات والظروف السياسية والمناخية.
الوجود العسكري التركي والسيادة العراقية: هناك أيضاً ملف لا يمكن تجاهله عند الحديث عن مستقبل العلاقات العراقية–التركية وهو وجود قوات ومواقع عسكرية تركية داخل الأراضي العراقية.
من حق تركيا أن تطالب بألا تستخدم الأراضي العراقية للاعتداء عليها، ومن واجب العراق أن يمنع أي تنظيم مسلح من استخدام أراضيه لتهديد دولة مجاورة، وهذا ما أكدت عليه حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي يوم 6 آب/أغسطس 2026، فأمن تركيا لا ينبغي أن يتحقق على حساب سيادة العراق.
ولهذا ينبغي إزالة جميع المواقع والانتشار العسكري التركي من داخل العراق.
ومع تعزيز سيطرة الدولة العراقية على الحدود وانحسار الأسباب الأمنية التي تستند إليها تركيا، ينبغي الاتفاق على جدول زمني الإنهاء أي وجود عسكري تركي في العراق قبل 30 أيلول/سبتمبر2026، فتركيا ليست أكبر وأعظم من الولايات المتحدة الأمريكية لتفرض وجودها العسكري في العراق.
وكانوا الانقلابيون في 2016 يعتزمون سحب القوات التركية من العراق ومن خارج تركيا.
العراق دولة ذات سيادة، والعلاقة الطبيعية بين دولتين جارتين ينبغي أن تقوم على التعاون بين مؤسساتهما، لا على وجود عسكري مفتوح المدة.
تركيا تحتاج إلى العراق أيضاً: تركيا لديها مصالح اقتصادية كبيرة في العراق، والعراق يمثل سوقاً مهمة للصادرات والشركات التركية.
وهذه العلاقة التجارية تحقق منفعة للطرفين، ولذلك ينبغي المحافظة عليها وتطويرها.
لكن العلاقات الاقتصادية بين الدول لا تنفصل عن استقرار علاقاتها السياسية والأمنية.
وإذا كانت تركيا ترغب في سوق عراقية مستقرة ومتنامية، فإن من مصلحتها أيضاً ألا يتحول العراق إلى دولة تعاني من الجفاف والتصحر وانهيار الزراعة والهجرة الداخلية بسبب أزمة المياه.
العراق المزدهر مصلحة تركية، مثلما أن تركيا المستقرة والمزدهرة مصلحة عراقية.
أنبوب النفط إلى جيهان: ورقة شراكة وليست سلاحاً.
يمثل خط أنابيب العراق–تركيا إلى ميناء جيهان منفذاً استراتيجياً مهماً للنفط العراقي إلى البحر المتوسط.
كما يمثل تشغيله واستثماره مصلحة اقتصادية لتركيا.
ومن الخطأ استخدام النفط كسلاح مباشر والقول: "الماء مقابل النفط".
لكن من الخطأ أيضاً أن يتفاوض العراق على مستقبل خط الأنابيب بمعزل عن مجمل علاقته الاستراتيجية مع تركيا.
فأي اتفاق طويل الأمد جديد بشأن النفط والطاقة يجب أن يكون جزءاً من شراكة اقتصادية أشمل تقوم على استقرار العلاقات، واحترام السيادة، والأمن المائي، والتجارة، والاستثمار.
طريق التنمية قد يكون أكبر أوراق العراق المستقبلية، إنها الورقة الاستراتيجية الأكبر، فهي طريق التنمية.
المشروع المقترح لربط ميناء الفاو الكبير بشبكة السكك الحديدية والطرق وصولاً إلى تركيا ومنها إلى أوروبا يمكن أن يعيد رسم جزء من خريطة التجارة الإقليمية.
فالعراق سيقدم الأرض والموقع الجغرافي والموانئ والبنية التحتية التي تجعل هذا الممر ممكناً، بينما توفر تركيا الامتداد نحو أوروبا.
وهذا يعني أن الدولتين تحتاج إحداهما إلى الأخرى.
ومن هنا ينبغي أن يسأل المفاوض العراقي:
هل من المنطقي أن يساهم العراق في توفير طريق استراتيجي للتجارة التركية نحو الخليج لعقود مقبلة، بينما يبقى أمنه المائي عرضة للتفاوض المؤقت عاماً بعد عام؟
الجواب ينبغي ألا يكون إيقاف طريق التنمية.
بل العكس.
على العراق أن يقول لتركيا:
دعونا نجعل طريق التنمية أساساً لشراكة تمتد خمسين عاماً، وفي المقابل نبني نظاماً للمياه والأمن والطاقة والتجارة يضمن استقرار البلدين للمدة نفسها.
لا “الماء مقابل النفط"... بل “المصالح مقابل المصالح”
هناك فرق جوهري بين الضغط الاقتصادي وبين التفاوض الاستراتيجي.
على الحكومة العراقية أن تقول: لدينا منظومة مصالح مشتركة، ولا يمكن أن تزدهر بعض هذه المصالح بينما تنهار المصالح الحيوية للطرف الآخر.
ومن هنا يجب جمع الملفات الكبرى على طاولة واحدة:
المياه – السيادة – الأمن – التجارة – النفط والطاقة – طريق التنمية.
صفقة تاريخية ممكنة: يمكن للعراق أن يقترح على تركيا اتفاقاً استراتيجياً لمدة عشرين أو ثلاثين عاماً يقوم على معادلة واضحة:
أولاً: تركيا تضمن للعراق تدفقات مائية منصفة ومستدامة وفق آلية كمية قابلة للقياس.
ثانيا: العراق يحدث منظومة الري ويخفض الهدر المائي بصورة جوهرية.
ثالثا: العراق يضمن ألا تستخدم أراضيه للاعتداء على تركيا.
رابعاً: تركيا تحترم السيادة العراقية، ويسحب قواتها العسكرية من العراق قبل 30 أيلول/سبتمبر 2026 ولا تساهم في تأجيج النزعة القومية للتركمان في العراق، التركمان هم جزء من الشعب العراقي ولا وصاية تركية ولا تدخل في شؤونهم.
خامسا: يتوسع البلدان في التجارة والاستثمار بدلاً من تقييدهما.
سادسا: يتفقان على شراكة طويلة الأمد في النفط والغاز والطاقة وخط أنابيب جيهان.
سابعاً: يتحول طريق التنمية إلى مشروع تكامل اقتصادي عراقي–تركي يربط الخليج بأوروبا.
هذه ليست تنازلات عراقية لتركيا ولا تنازلات تركية للعراق.
إنها مقايضة استراتيجية للمصالح المشروعة.
من يملك الماء ومن يملك الطريق؟
تركيا تمتلك ميزة جغرافية مهمة لأنها تقع في أعالي أجزاء رئيسية من حوضي دجلة والفرات.
لكن العراق أيضاً يمتلك ميزة جغرافية لا تقل أهمية.
تركيا تقع في المنبع، والعراق يقع على الطريق بين الخليج وتركيا.
وتركيا تمتلك السدود، ولكن العراق يمتلك النفط والغاز والسوق والموقع الجغرافي وميناء الفاو الكبير وطريق التنمية.
السياسة الناجحة ليست أن نسأل: من يستطيع إيذاء الآخر أكثر؟
بل: كيف نجعل مصلحة كل دولة مرتبطة بازدهار الدولة الأخرى؟
العراق ليس دولة بلا أوراق: لدى العراق واحدة من أكبر الثروات النفطية في العالم، وموقع استراتيجي بين الخليج وتركيا وإيران وسوريا والأردن، وسوق كبيرة، وإمكانات غازية وزراعية، ومشروع ميناء الفاو وطريق التنمية.
المشكلة ليست دائماً في غياب أوراق القوة، إن المشكلة في تفريق هذه الأوراق بين ملفات ووزارات ومفاوضات منفصلة.
• وزارة الموارد المائية تتفاوض على الماء.
• وزارة النفط تتفاوض على جيهان.
• وزارة التجارة تتعامل مع التبادل التجاري.
• وزارة النقل تعمل على طريق التنمية.
• والمؤسسات الأمنية تتفاوض على الحدود وتأمين الحدود.
• بينما تتعامل الدولة المقابلة مع مجموع هذه الملفات باعتبارها جزءاً من أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية.
وهنا يجب أن يتغير الأسلوب العراق، فيجب تأسيس مجلس أعلى للعلاقات العراقية–التركية "مجلي استراتيجي أعلى برئاسة رئيسي الحكومتين"، وتنبثق منه لجان دائمة للمياه والأمن والطاقة والتجارة والنقل والاستثمار، وتوضع مؤشرات قابلة للقياس:
• كمية المياه التي وصلت؟
• كم انخفض الهدر العراقي؟
• ماذا تحقق في ضبط الحدود؟
• ماذا تحقق من انسحاب العسكري التركي في 30 أيلول/سبتمبر 2026 أسوة بانسحاب القوات الأمريكية من العراق ونزع سلاح المليشيات؟
• كم بلغ حجم التجارة والاستثمارات؟
وهكذا تتحول العلاقات من إدارة أزمة بعد وقوعها إلى إدارة مصالح مشتركة قبل وقوع الأزمة.
وأخيراً: الماء ليس قضية وزارة... بل قضية دولة.
إذا انخفض النفط يستطيع العراق أن ينتظر ارتفاع سعره.
وإذا تعطل طريق تجاري يستطيع البحث عن طريق آخر.
أما إذا فقد العراق مياهه، فماذا يفعل بأرض بلا زراعة، وأهوار بلا ماء، ومدن تتقدم إليها الملوحة والتصحر؟
لذلك يجب أن يوضع الأمن المائي في مستوى الأمن الوطني والسيادة والطاقة.
ولا أدعو إلى العداء مع تركيا، ولا إلى إغلاق الحدود، ولا إلى قطع التجارة أو النفط.
بل أدعو إلى عكس ذلك تماماً:
• شراكة عراقية–تركية أوسع، ولكنها أكثر توازناً.
• شراكة تقول لأنقرة:
• أمنكم مهم لنا، ولكن أمننا المائي مهم لكم أيضاً.
• تجارتكم معنا مهمة لنا، ولكن ازدهار العراق واستقراره مهمان لكم.
• طريق التنمية سيصل العراق بتركيا وأوروبا، فلتصل مياه دجلة والفرات الشعبين بدلاً من أن تصبح سبباً للخلاف بينهما.
• لقد فرضت الجغرافيا على العراق وتركيا أن يكونا جارين.
كلمة أخيرة:
لدى أردوغان خياران: إما أن تجعل الماء والنفط والحدود مصادر أزمات متكررة، أو تجعلها أساساً لشراكة استراتيجية تحفظ للعراق مياهه وسيادته، ولتركيا أمنها ومصالحها الاقتصادية.
#احمد_موكرياني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟