أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - احمد موكرياني - تأملات في دروب الحياة: صفحاتٌ من تجربةٍ إنسانية















المزيد.....

تأملات في دروب الحياة: صفحاتٌ من تجربةٍ إنسانية


احمد موكرياني

الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 19:52
المحور: سيرة ذاتية
    


بين السفر، الخطأ، الأسرة، والتوكل على الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، حمداً لله الذي جعل الكلمة نوراً يهتدي بها الفكر، وفجراً يشرق في عتمة النفس، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ، من أضاءت خطاه طرقات الرحلة الإنسانية، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
للكلمة في حياة الإنسان أثر لا يُجارى؛ فهي جسر العبور بين الأعماق والآفاق، وأداة اكتشاف المجهول، ومفتاحٌ لفهم أسرار الوجود. فما هذه المقالة إلا محاولة لإضاءة عتمات التجربة، ورصد تفاصيلها، وتقديم خلاصاتها لمن يقف على أعتاب السؤال في الطريق الطويل. إن هذه المقالة ليست سرداً عابراً، بل هي شهادة روحٍ تاهت في رياح السفر، وعادت تحمل حبات الحكمة من ضباب التجربة وأخاديد الألم.

تجربة السفر والمشي، المعرفة من قلب الحياة:
لقد سافرتُ حول العالم، من أستراليا والصين إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا وأمريكا، فزرتُ أربعًا وأربعين دولة، وطفتُ مشيًا على الأقدام مئات المدن والقرى. وقد بلغت المسافات التي قطعتها خلال السنوات العشر الماضية، منذ أن بدأت الهواتف المحمولة في احتساب المسافات وتسجيلها، أكثر من سبعة عشر ألف كيلومتر. وما يزال السفر، إلى يومنا هذا، أكبر متعة في حياتي لا تضاهيها متعة أخرى؛ حبًّا للمعرفة، وشغفًا بالتعرّف إلى الناس والمجتمعات.
على الرغم من أن سفري الجوي أصبح نادرًا هذه الأيام، فإن اثنتين من شركات الطيران العالمية المرموقة منحتاني بطاقة تعريف «بلاتينيوم مدى الحياة» تقديرًا لكثرة رحلاتي على متن طائراتهما، مما يتيح لي التمتع بامتيازات خاصة عند السفر معهما.

السفر مدرسة الإنسان الكبرى:
إن السفر، في حقيقته، ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هو عبورٌ في داخل الذات قبل أن يكون عبوراً في الجغرافيا. ففي كل خطوة، تتبدى للمرء معالمٌ جديدة من وعيه، وتنهض أمامه أسئلة لم يكن يدركها في أمان المسكن. لقد علمتني الطرقات أن الإنسان كلما ابتعد تعمق، وكلما ضل وجد حقيقة نفسه على مفارق الغربة. بين المطارات والحدود، وبين ليل المدن المجهولة وسكون القرى، كان وعيي ينمو وتتكشف لي طبقات الذات شيئاً فشيئاً.

أوطاني الأربع: محطات من رحلة العمر
1. العراق: وُلدتُ في العراق، وكان يحكمه آنذاك نظامٌ ملكي تقوده أسرةٌ من الحجاز جاءت إلى الحكم في ظل الانتداب البريطاني. وبعد سقوط النظام الملكي، عايشنا عقودًا من عدم الاستقرار، وانقسام المجتمع، وتعدد الولاءات للأحزاب والقوميات والأديان والطوائف، فضلًا عن الحروب الداخلية والحروب مع دول الجوار، وهي أحداث ما زالت آثارها ممتدة إلى يومنا هذا.
2. الجزائر: عشتُ في الجزائر أربع أعوام كانت من أجمل سنوات عمري، بعيدًا عن ولاءات الأحزاب والصراعات السياسية. وخلال تلك الفترة، قمتُ بتدريس الرياضيات باللغة العربية لمئات الطلبة في معهد إعداد المعلمين، فكانت تلك المرحلة من أروع محطات حياتي في عقد العشرينيات من عمري. وقد أحببت الجزائر وأهلها، واستمتعت بالتجوال في مدنها وقراها والتعرف إلى ثقافتها الغنية وتنوعها الاجتماعي.
3. اليمن: عاشرتُ الشعب اليمني خمسةً وعشرين عامًا، وعشت بينهم وكأنني واحدٌ منهم. عرفت شيوخهم، وقادتهم، ووزراءهم، وسفرائهم، ورجال أعمالهم، فوجدت فيهم كثيرًا من الكرم والنبل والأصالة. ولولا التدخلات الخارجية والانقسامات السياسية والمذهبية التي عصفت بالبلاد، لكان اليمن أكثر استقرارًا وازدهارًا.
4. هولندا: أعيش في هولندا منذ أكثر من أربعة عقود، وقد وجدتُ شعبها من أطيب الشعوب الأوروبية؛ إذ احتضنوني ورعوني وقدموا لي الدعم، شعبًا، وحكومةً، ومؤسساتٍ، وأفرادًا. وعشت فيها تجارب متنوعة بين المعاناة والنجاح؛ فنجحت في أعمالي، وحققت فيها الاستقرار والرخاء، وتعلمت الكثير من مجتمعها وثقافتها. وما زلت أعيش فيها آمنًا مطمئنًا، أنظر إلى الغد بثقة وأمل.

التعلم في مدرسة الأخطاء:
ما من رحلة في الحياة إلا وكانت الأخطاء رفيقها المخلص، فكل عثرة درس، وكل سقطة بداية لحكمة جديدة. تعلمت أن الخطأ ليس عيباً يُخفيه الإنسان، بل هو بابٌ يطرقه النضج ويعبر منه إلى رحابة المعرفة. في كل تجربة خاطئة كنت أكتشف جزءاً خفياً من طبائع نفسي، فكان للأخطاء أثرٌ عميق في صقل الإرادة وإعادة فهم الذات، حتى صار الخطأ معلمًا أقرب من كثيرٍ من البشر.
حذفت كلمة "المستحيل" من قاموسي؛ فكلما واجهت صعوباتٍ لم أستسلم، بل اعتبرتها اختبارًا جديدًا للإرادة والخبرة.
قصة الاعتداء والتهديد:
في مواجهة المحن تتكشف المعادن الحقيقية للقلوب، ففي إحدى الأيام العابرة، وجدت نفسي عرضة للاعتداء والتهديد، تجربة لم تسرق فقط ممتلكاتي، بل زلزلت أعماقي وخلفت جراحًا من القلق والخوف. غير أن المحنة علمتني أن الأشياء العزيزة على النفس يمكن ان تختفي وتزول، لكن ما يبقى هو القدرة على الصمود والمضي قدمًا، وأن اليأس ليس نهاية المطاف، بل بداية الرجوع إلى الله بقلبٍ منكسر وأملٍ جديد.
الأسرة ملاذ الروح ومأوى القلب:
حين تضيق الدروب وتظلم الليالي، لا يجد الإنسان حضناً أحن من أسرته ولا جداراً أمتن من روابط الدم. الأسرة ليست مجرد كلمة، بل هي وطن، حارسٌ للأحلام، ودفءٌ يُعيد للروح توازنها حين يضطرب العالم. وفي تجربة الهجرة، أدركت معنى الحنين، ووجع البعد، وضرورة حماية الأبناء من رياح التغيير، فأصبحت الأسرة درعاً يقاوم به الإنسان صروف الزمان.

العمل الصالح يحميك من شر الناس:
عندما يتحصن الإنسان بالخير، تصبح تصرفاته حكيمة ونقية، فيقل احتمال أن يكون هدفًا للشر، ويزداد دعم المحيطين له عند تعرضه لأذى. العمل الصالح لا يجعل الإنسان منيعًا ضد جميع الشرور، لكنه يجعله أكثر قدرة على الصمود، وأكثر تحصينًا برصيد من الحسنات البشرية التي ترد عنه كثيرًا من الأذى.
الضعف والرجوع إلى الله:
يُعلّمنا الضعف أن الإنسان مهما ملك من أسباب القوة، يظل في حاجة إلى رحمة الله وعفوه. التوبة ليست ضعفًا، بل قوةٌ في مواجهة الذات، والاستغفار جسرٌ يعبر به القلب من ضيق الخطأ إلى رحابة القبول. لا تزال قصص الأنبياء تلهمني في كل لحظة ضعف؛ إذ كيف كان الرجوع إلى الله بداية لكل انتصار؟ في حضرة الرحمة الإلهية، يتهدّل الكبرياء، ويولد الرجاء من رحم الانكسار.
الثقة بالناس:
الثقة بالناس ليست سذاجة ولا تهوراً، بل فنٌ عميق يحتاج إلى حسن الظن وحذرٍ حكيم. علمتني التجارب أن الإنسان بين خذلان وخيبة، لا يملك إلا أن يعطي الآخرين فرصةً، دون أن يتخلى عن يقظة القلب ووعي الفؤاد. وما الخذلان إلا درسٌ جديد يضيف إلى رصيد الفطنة، ويجعل حسن الظن رحيماً، والحذر رفيقاً لا يفارق صاحبه.

كلمة أخيرة:
• تقودنا التجارب بين محطات السفر والأخطاء والمحن، وتعيدنا الأسرة إلى دفء الأمان، ويدفعنا الضعف إلى أبواب الله، وتعلمنا الثقة بالناس كيف نوازن بين الحذر والأمل.
• إن خلاصة الرحلة ليست في كثرة الدروس، فقد بلغتُ من الكِبَرِ عِتِيًّا، بل في استعداد القلب لأن يتعلم، وفي الإيمان بأن لكل تجربة رسالة، ولكل لحظة معنى، وأن الدعاء هو الحبل الذي يشدنا إلى نور التوفيق من الله عز وجل.
• أسأل الله أن يجعل كلماتي نوراً لمن ضل في الطريق، ودعماً لمن آلمه المسير، وأن يمنح القارئ توفيقاً في درب الحياة.



#احمد_موكرياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل تتمكن الحركة الصهيونية أن تحافظ على الدولة اليهودية على أ ...
- إلى دولة رئيس الوزراء علي الزيدي: خارطة طريق لإنقاذ العراق و ...
- إلى دولة رئيس الوزراء علي الزيدي: خارطة طريق لإنقاذ العراق و ...
- تكلفة النظام الحكم الحالي في العراق منذ 2003 ورواتب المعلمين ...
- إن تجّار الأسلحة ومطوريها ومصنّعيها يساهمون في إشعال الحروب ...
- التمييز القومي والديني والطائفي هو السبب الرئيسي في تخلف وعد ...
- متى تنتهي تجارة الحروب وهل قضت حرب ترامب ونتن ياهو عل إيران ...
- كيف يمكن للشعب العراقي استعادة الحكم دون ارتباط سياسي مع إير ...
- هل كان تفكيك العالم الإسلامي هدفًا استراتيجيًا للاستعمار الب ...
- هل كان تفكيك العالم الإسلامي هدفًا استراتيجيًا للاستعمار الب ...
- تقييم اللياقة العقلية للرئيس ترامب
- الحكم العائلي في الحكم وفي قيادة الأحزاب
- من الطرف المنتصر في حرب ترامب وحكومة نتن ياهو ضد إيران؟
- من يحمل السلاح هو قاتل مع سبق الإصرار
- هل ممكن استمرار الحكومة الصهيونية في فلسطين؟
- هل كانت حرب ترامب وحكومة نتن ياهو على إيران مبرَّرة؟
- إنّ حلم ترامب بالسيطرة على مضيق هرمز هو حلم بعيد المنال.
- مستقبل الدول النفطية في عصر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والا ...
- لماذا لم تُنهِ الديمقراطية الغربية وتطور العلم والثقافة الحر ...
- الحرب على إيران: هل نحن أمام سقوط أنظمة أم ولادة شرق أوسط جد ...


المزيد.....




- إيران تُعلن مقتل 3 أشخاص خلال هجوم إسرائيل الأخير
- متوعدًا بالرد.. ترامب: إيران أسقطت مروحية -الأباتشي- خلال دو ...
- سبع حيل بسيطة تساعدك على تناول طعام صحي
- إسبانيا: آلاف يتجمعون مع وصول البابا ليون 14 إلى برشلونة
- ترامب يتهم إيران بإسقاط مروحية أمريكية ويتوعد بالرد
- تقرير السلام: هكذا يُقَوِّض-أمراء الحرب الجدد- النظام الدولي ...
- تصعيد جديد.. ترمب يتهم إيران بإسقاط مروحية أمريكية ويتوعد با ...
- نافذة من لبنان.. تصعيد إسرائيلي واسع في لبنان
- مدينة صور.. الحرب تعيد رسم المشهد خلال دقائق من إنذار الإخلا ...
- كاميرا الجزيرة ترصد حركة الملاحة بمضيق هرمز


المزيد.....

- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل
- رواية سيدي قنصل بابل / نبيل نوري لگزار موحان
- الناس في صعيد مصر: ذكريات الطفولة / أيمن زهري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - احمد موكرياني - تأملات في دروب الحياة: صفحاتٌ من تجربةٍ إنسانية