أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بديع الآلوسي - عزلة ريفية















المزيد.....


عزلة ريفية


بديع الآلوسي

الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 02:54
المحور: الادب والفن
    


(1)

لم أفقه ما أسرّت به كرستيان إليّ إلا بعد شهرٍ من مواجهة روحي , وفقدان شطرٍ منها:
ــ إن التمرد فعل ضروري لمن يريد أن يخرج من عزلته.

إن استيقظتُ حيًا ، متشبثًا بحبال الأمل، فذلك وحده ما يعينني على اقتحام يومٍ جديد، أو على مصارعة خريف عمري ، وما يخبئه لي من حيرةٍ أمام المجهول، مدركا ً بقلقٍ مضنٍ أن زوجتي جاكلين باتت أحوج ما تكون إلى عنايةٍ تليق بوهنها.
ما عاد لي مؤنسٌ. ولكي أطرد عني مواجع الجسد والنفس، كنت ألجأ إلى الموسيقى أصغي إليها، وأحيانًا أسترسل في الغناء، لكن القنوط كان يطبق على روحي كلما عدتُ بفكري إلى زوجتي، ابنة الثانية والسبعين، التي لا تتوقف عن اللغو ليل نهار ، و عيناها الصغيرتان لا تكفّان عن التفتيش عما أضاعته في غفلةٍ من الدهر، ولعل ذلك ما جعل طباعها تنسجم حتى مع رمادية ثيابها التي تخيطها بيديها.
منذ نصف قرن ونحن نقتسم معًا مغريات الزمن وفواجعه. وما تزال تدهشني أحيانًا حين تقول بحزنٍ غائر: أفضّل أن أموت قبلك.
فأتساءل في خلدي : أما يزال للحياة طعمٌ يستحق كل هذا العناء ، وكل وهذا البقاء؟
منذ ثلاث سنوات حلّت الفاجعة ، برحيل ابنتا الوحيدة كاترين، فانقلبت طقوس حياتنا رأسًا على عقب ، وتكدّر صفو نفسينا ، حتى غدا تعاقب الفصول لا يبعث فينا البهجة.
ولكي لا ندع الوسواس يقتفي أثرنا، كانت جاكلين لا تنهض إلا بعد التاسعة صباحا ً، إذ ما عادت تكترث بما حاكه لها القدر، ولا بما تبثه شاشات التلفاز من أخبارٍ مفجعة.
حين كنت ضابطًا في القوات البحرية، كنت أنهض عند الخامسة فجرًا، أما اليوم ما عاد لذلك من مبرر. ما إن غادرت فراشي حتى اتجهت شطر الصالة ، أزحتُ الستائر لأرى غيوم الربيع المدلهمة، قبضتُ على فروة رأسي وضغطتُ على جبهتي وتمتمت:
— متى يتوقف هذا الصداع اللعين؟
ورغم ذلك، فتحت النافذة فتسلل هواء آذار العذب. شغلتُ نفسي لدقيقتين أرقب عصافير تتقافز وتحلق لاهثةً وراء أرزاقها. ثم داهمني سؤال غريب أقلقني: — ماذا لو كان ما أعانيه عرضًا لورمٍ في الدماغ؟
تجاهلتُ ما يعصف برأسي من غريب الأفكار وعجيبها، وتقدمت بخطى متثاقلة حذرة نحو المطبخ. وكعادتي كل صباح، قبّلت صورة كاترين ، وهمست لها:
— عمتِ صباحًا يا غاليتي.
مع أني أتدبر أمري، إلا أن رحيل كاترين إلى كندا وغيابها المباغت أثقلنا بقناعاتٍ كئيبة. ذاكرتي تحلق نحوها ، ويقتحم طيفها على أحيانًا ، فيبعث في نفسي نشوةً تنعش مشهد حياتي الغريبة. أحيانا ً أرتبك حين أشرع في التفكير بها. ما أذكره جيدًا عيناها الجاحظتان ، كأنهما مأخوذتان بدهشةٍ أبدية ، وشعرها الفاحم المنسدل على كتفيها ، وكيف جُبلت على مساعدة الفلاحين في أيام القطاف.
وبعد نصف ساعة، استبد بي العجب: لمَ لم تنهض جاكلين، وهي التي تعاني خللًا في كهربائية القلب؟ أعلم أن العجائز يخفن ّ من طول النهار لأنه يوهن عزيمتهن. أذكر جيدًا، في بواكير الصيف العامر بالضوء ، نبهتني جاكلين إلى ذلك الأمر الجلل:
— ستموت إن لم تكفّ عن التعلق بأفكارك السوداء.
ومع مرور الوقت، تيقنتُ أنه لا جدوى من الصراخ في وجهها، فقد أدركتُ ، عامًا بعد عام أنها غدت طفلةً تقاوم الضجر. وهذا ما رسّخ اعتقادي بأن الحياة ما عادت كما كانت.
أخبرتني البارحة وهي تبكي:
— تخلت كاترين عني، فكيف سأحيا إن تخليتَ أنت أيضًا؟
وكنت أؤكد لها في كل مرة أن ذلك لن يحدث أبدًا، وأني سأظل أعتني بها مهما كان الثمن.
وذات يومٍ حافلٍ بالشمس، كانت الريح تعصف بالأشجار، ومع اقتراب العقارب من العاشرة، سمعتُ فجأة ذلك الصوت الذي كنت أترقبه ، خطى جاكلين قبل أن أراها، وأدركت أنها اتجهت نحو دورة المياه، ومن هناك عاتبتني: لماذا يا ميشيل لم توقظني؟
في عزلتي خلال الأسابيع الماضية، لم أجد سلوتي إلا في الجلوس تحت شجرة جوزٍ عملاقة زرعتها كاترين في حقل الذرة التابع لكرستيان، التي لا يفصل منزلها عن حديقتنا سوى سياجٍ حديدي صدئ منخفض. من يزور جارتنا يحسّ توًا بمرحها وتحديها للزمن، فبيتها معطّر برائحة زيت القداح، ومضاء ومزين بمصابيح برتقالية نادرًا ما تنطفئ. ضحكتْ حين قلت لها يومًا:
— صحيح أني بلا أصدقاء، لكني بلا أعداء أيضًا.
في هذا الصباح مع جاكلين ، وبعد أن احتسينا القهوة بالحليب معًا، نظرتُ إلى الصحن الذي أعددته له ا، كانت شاردة الذهن، كأن شيئًا عاد يوقد مخيلتها، حتى إن اليأس طعن فكري حين أطلقت سؤالها الموجع:
— لماذا بدأت أفقد ذاكرتي شيئًا فشيئًا؟
أغلقتُ النافذة، لأنها تنزعج من تيارات الهواء البارد الرطب ، اضطربت مشاعري، لكني تجاسرت وقلت لها:
ـ إن كنتِ تحبينني حقًا، فاعتني بغذائك كي لا يداهمك الوهن.
لكنها بدل أن تستجيب لكلماتي، نكأت مواجعي بقولها:
ـ إلى متى ستضل ستعاني بسببي؟
منذ أن اختفت كاترين وانقطعت أخبارها، ما عدنا نتحدث إلا بالنزر اليسير من الكلام الذي لا يتعدى أسئلة مثل: هل أخذتِ أدويتك؟ وهي في الغالب تسألني: لماذا لا نذهب إلى كندا بحثًا عنها بدل هذا العزاء اليومي؟
صارت غيوم الزمن مثقلة بالمواجع، لكني أعلم أنها ستنقضي، فلا شيء يدوم إلى الأبد.
فجأة دون سابق إنذار، اغرورقت عينا جاكلين، التي أفنت عمرها في مداواة المرضى، وتنهدت بهاجسٍ كئيب وقاسٍ عن ابنتنا الوحيدة:
— ربما ماتت هناك، أو لعل أمرنا ما عاد يشغلها كثيرًا.


( 2 )

كان بيتهما صغيرًا محاصرًا بحقول البرسيم والبعوض ، يقابل بيت كرستيان التي تزداد حسنًا على كبر، فقد حافظت على بنيتها القوية رغم تجاوزها الخمسين، وهي في الآونة الأخيرة أخذت على عاتقها العناية بحصان ميشيل الأبلق مكسور الساق.
في منتصف ذلك النهار، شعرت جاكلين أن الحياة تسخر منهما، وما أثار انتباهها أن زوجها صار يهرب من البيت في نزهاتٍ مختلفة . قالت بوجل : سيعود يومًا ويجدني جثة هامدة.
وقفت أمام الباب الخارجي ولوّحت لكرستيان المنهمكة في مزرعتها وعملها كمربية أطفال.
لكن ميشيل ما إن عاد حتى تجرّع كأس نبيذٍ دفعة واحدة وهو يصيح مبتسمًا:
— إني جائع لكل شيء.
قبل أن يأخذ قيلولته، وقف أمام مرآة علاها الغبار، يرتب أفكاره، موقنًا أن زوجته بحاجة إلى كلمة حنان تسند مزاجها الثقيل. عاد وسألها بعينين حائرتين:
ـ عجبًا، توقعت أنكِ لم تستيقظي من قيلولتك!
بدأت جاكلين تبلل وجهها بالماء البارد، وكان ميشيل يحلق ذقنه حين مرت كرستيان حاملة باقة ورد بري، فقادهم الحديث إلى ذكر كاترين . طأطأت جاكلين رأسها وقالت بحزن متسائلة : منذ متى بالضبط لم تصلنا منها أي رسالة؟
أجاب ميشيل: منذ ثلاث سنوات تقريبًا.
خيّم التوتر وغشاهم الحرج، لكن كرستيان حاولت تلطيف الجو:
— عاجلًا أم آجلًا ستعود يومًا.
غير أن جاكلين وهي تعبث بالورد الذي على الطاولة قالت ببرود:
— إن كانت على قيد الحياة فهي ناكرة للجميل.
صار ميشيل ينقل نظره بين عيني كرستيان وعيني زوجته بأسى، ثم صارحهما مقتضبًا:
— لا شك أنها تحبنا، وكل ما نتمناه لها أن تكون بخير هناك.
كانوا جميعًا يخدعون أنفسهم بتخيلات غير واقعية، لكنهم اتفقوا آخر الأمر على أن مكروهًا ما قد أصابها . هذه الحقيقة تجاهلتها جاكلين وأصرت على أن ابنتها تحطم قلبها كل يوم، وهذا لا يحتاج من ميشيل تفسيرًا. هذا الغياب المؤلم حد الجفاء حوّل الحب إلى وجعٍ عاصف، لكن من جانب آخر كان عدم معرفة الحقيقة يجنّب أرواحهم التصدع. لذلك صار أمر كاترين كجمرة لا يدرون أيقبضون عليها أم يتركونها، لذا وجدو من الحكمة عدم التمادي في تهييج المخيلة.
في نفس ذلك اليوم من بواكير الربيع ، بزغ القمر بنوره خلف التلال البعيدة وتألقت نجمة وحيدة، أثارت هذه الأجواء حفيظة جاكلين وجعلتها تهذي كأنها في غيبوبة: حين ستأتين يا كاترين، لن أواجهكِ بكلمة تأنيب، لكنني سأقول بصراحة إني ما نسيتكِ أبدًا، وإن عودتكِ ستغمر أرواحنا بالمسرات، لذلك اشتريت لكِ معطفًا وجوارب من الصوف وقبعة من فرو الثعالب، علها تحميك من البرد حين يداهمكِ شتاء كندا الثلجي.
كان ميشيل يحسد زوجته التي هدأ في ذهنها كابوس كاترين تقريبًا في الأشهر المنصرمة، وصارت تشغل يومها بالعناية بنباتات الزينة أو حياكة الصوف. أما هو فقد غمره إحساس بأن كتابة المذكرات ستنضج روحه . كانا تحت سقف واحد لكن لكل منهما عوالمه واهتماماته.
في المساء، حفّزه الضجر الجاثم على الأنفاس أن يعتمر قبعته السوداء غير مبالٍ بالرذاذ، فخرج يحث الخطى متأملا ً كل شيء كأنه يراه للمرة الأولى، فأيقظت فيه هذه المتعة الروحية قناعة مفرطة ، أجبرته ان يتوقف ويقول : إن الطبيعة تهذب الطباع.
ومن حسن حظه أنه التقى كرستيان مصادفة قرب مقهى القرية، فاسترسلا في الحديث وضحكا معًا، وترك هذا اللقاء غبطة في حواسهما لم ينسياها بسهولة . افترقا خشية زخات مطر تضر بصحتهما ، لكن كرستيان التي مات زوجها في نفس السنة التي غابت فيها كاترين ،
انصرفت تجري بخفة، والتفتت إليه قائلة بمحبة:
— اعتنِ بصحتك ولا تؤذِ روحك بما فوق طاقتها.
عاد إلى بيته خال ِ الذهن ممتلئ الروح ، لكنه للمرة الأولى أخفى عن جاكلين ما يعبث في ذهنه من أفكار غريبة، غير أنها سألته بفضول: — لماذا أراك منشرحًا؟
فأجاب مبتسمًا كمن عثر على جواب : حمدًا للرب فقد أزال الهم عن قلبي.


(3)
الخوف من الانتقال إلى الأبدية يداهمني ويقض مضجعي منذ قرأت كتاب مقبرة الرب المترامية. في الماضي البعيد كنا مع جاكلين لا نبالي ولا نخشى ما يضمره لنا المستقبل، كنا نملك كثيرًا من الأمل والنشاط والمباهج، لكن ما إن أحلنا الى التقاعد حتى تكاسلنا وخمدت رغباتنا تدريجيًا، يضاف إلى ذلك أنه بعد اختفاء كاترين من حياتنا صار وسواس اليأس عبئًا يعاقبنا.
نهضت ذات يوم متثاقلًا واحتضنت جاكلين التي صارت تبكي دون سبب واضح، ولكي أخرجها من دوامة كآبتها حاولت في البدء أن أحتفظ برباطة جأشي. راقبتني بعينيها الطفوليتين، وابتسم وجهها الشاحب ما إن بدأت أسرد لها بعض حكايات خرافية . لا أعرف فيما اذا كانت محاولتي قد أنقذتها قلبها من ذلك التوتر غامض. من حسن حظنا أن أعراض الهستيريا لم تهدد صحتها منذ سقوط الثلج. فركت يديها بقوة ودون تردد قالت مبتسمة:
— أنت رائع يا ميشيل، لأنك تنقذني من هذا الموت البطيء.
وما إن نهضت حتى تجمدت في مكانها، فأعطيتها الوقت الكافي وتحركت بخطوات قلقة، وقبل أن تتجه إلى غرفة النوم أطلقت جملتها المدوية: — أريد أن أموت.
أما أنا فلم يباغتني سوى صوت كاترين الغائبة الحاضرة، فصرت أكثر تمسكًا بمناجاتها، ففي زحمة الحياة قد ننسى مشاعر الحب أو ما يزيدنا ثقة بأنفسنا. في هذه اللحظة قررت أن أقرن أفكاري بأفعالي من خلال الرحمة والرأفة ، وتجلى ذلك بمد يد المساعدة إلى جاكلين التي أصابتها خسارة لا تعوض.
كنت وما زلت أحب الرب والصيف والبحر، وكذلك شروق الشمس وما يولده من مشاعر تستحق المراجعة ، وصرت أشعر بغبطة الروح حين أتسامر مع كرستيان بتفاصيل تغمرنا بالراحة ، فعلى نحو ٍ غريزي تجاسرت منتظرًا ردود أفعالها:
ــ محظوظ من يحظى بقلبكِ الطائش.
أما عن جاكلين فقد صار التلفاز مخدرًا يبعث في قلبها الهدوء والنسيان الحذرين، رغم معرفتنا أن الحل الحقيقي يكمن في رؤية كاترين ولو كطيف عابر ولو لدقيقة واحدة. كنت أراقب جاكلين وجل خشيتي أن تتداعى على الأرض بجثتها البدينة ، فعدت ممسكا ً بيدها لرؤية التلفاز بعد أن رأيتها تلف وتدور بين الغرف.
في تلك الأثناء جلسنا على كرسيين مريحين، كانت ألوان وصور التلفاز مبهرة، مع أنها ما عادت تنقذنا من الملل ، لكننا كنا حذرين من تدهور مفاصل حياتنا. لم نتجاهل أنه في بعض الأحيان هناك برامج ترفيهية تنتشلنا ساعتين أو ثلاث، وأن ذلك يساعدنا على تجاوز الزمن وما يؤججه من انقباض يبعثر قوتنا .
ما إن شعرت جاكلين بالأرق حتى اتجهت إلى غرفة النوم، وهذا أتاح لي أن أنصرف إلى مشاغلي البيتية، لكن صوتها كان واضحًا:
— صدقني، إني أفضل الموت على هذا الشقاء.
عدت مسرعا ً إليها ، بدا لي ان ا الانزعاج قد استحوذ عليها ، حاولت من جديد النهوض لكني احسست انها غيرت رأيها مخافة أن تتهاوى بعد ان تفقد توازنها ، وما ان تركتها لدقائق بحثا ً عن علبة دواءها ، حتى سمعتها تصرخ كفأر وقع في فخ محكم:
— أينك يا حفيد الجنرال؟
تمهلت بالإجابة كأني لم أعثر بعد على الحدود الفاصلة أو من منا الضحية او الجلاد ، ربما صورة كاترين هي السبب ايضا ً ، حيث أججت شريط ذكرياتي معها حين كانت طفلة ، حدث كل ذلك عندما التفت يسارًا صوب الخزانة الخشبية .
ما إن هدأت وهجعت جاكلين حتى منحتني فرصة مخاطبة كاترين وأنا أنظر إلى عينيها اللوزيتين الفرحتين ، متعطشا ً باللقاء بها ، متذكرًا كيف كانت صبية مشاكسة ، تقتنص الفرص للنجاح وترقص على أنغام الجاز، وكيف كانت إنسانة حالمة وتحن على أرواحنا الهشة ، حينها كانا لا نتوقع ما يخفيه لنا القدر من متاعب.
بعدها بيومين أكدتُ لكرستيان حين وجدت اللحظة مؤاتية:
— إن حظنا العاثر خطفها منا.
فقالت: إنها الآن تحلق بعيدًا.
ما نطقت به كرستيان أصابني بقشعريرة غريبة، لكن قبل أن تفر الكلمات مني صارحتها:
— أشعر أن روحي أضاعت جوهرة وسط ظلمة موحشة.
حين عدت إلى بيتنا رأيت جاكلين تقرأ في روايتها المفضلة ( البؤساء ) ، كأنها مخلوقة جزعت من رتابة الحياة التي وصفتها بقولها: ليس من مكافأة، فتفاصيل الحياة تؤدي إلى التهلكة.
منذ أن اختفت ابنتنا ، لم يتملكني الغضب أو الامتعاض من زوجتي، حتى حين أسمعها تصرخ في وجهي : تحملتك كثيرًا، أني لا اقبل أبدا ً أن تحب كرستيان أكثر مني.
لم أجد ضرورة للرد عليها، لكني شعرت بالارتباك، وواصلت كتابة مذكراتي محتسيا ًقليلًا من البيرة السمراء، بعد ساعة عادتو اعتذرت مني جاكلين حين أخبرتها بأني زرت كرستيان لإصابتها بنزلة برد حادة.
كنت أبحث عن الراحة عكس جاكلين التي تعتاش على افتعال المناكدة ، لكن وبالرغم من كل ذلك لا أنسى أنها كانت عشيقتي منذ الصبا ، مذ كنا نلهو في حقول الكرز او نتسلق أشجار البلوط أو نبحث عن أعشاش العصافير .
ما ان تعافت كرستيان ، حتى بادرت بزيارتنا ، وأحسست للمرة الأولى ونحن نثرثر عن غلاء أسعار المحروقات والخبز ، أن المودة ببنا بدأت تتحول إلى شيء آخر لم أتمكن من التكهن به ، لذا لم أرَ أفضل من هذه المناسبة كي أسألها: — لماذا انتحر زوجك، هل حقًا إن الغيرة قتلته؟

(4)

في نهاية الربيع هبت زوبعة قلعت شجرة الجوز، فأحدث ذلك ألمًا لم يستطع ميشيل تجاوزه بسهولة ، لكنه بعد أشهر اعترف لكرستيان أنه لم ينم تلك الليلة محاولًا تفسير بريق عينيها، هذا الصخب استدعى منه أن يتعلم اجترار وإخفاء عاطفته.
في ذلك الوقت كانت جاكلين تئن طيلة النهار من آلام مفاصلها، وكان يتمنى لو تتركه وشأنه مرتاح البال أمام ألسنة نار الموقد المتراقصة بعيدًا عن المتاعب والكآبة، سألته:
ألست زوجتك، لماذا لا تسر ني بما يجعلك شاحب الوجه؟
أجابها مطمئنًا: لا تقلقي، كل ما في الأمر أني أشعر أن الحياة تعاقبني بقسوة.
كانا يظنان أن الرب الرحيم سيمنحهما طعم الراحة الطيبة ، لكن بعد يومين وقت الغروب ، حدث ما كانا يخشيان ، حين صرخت جاكلين حال سقوطها على الأرض ولم تستطع النهوض، فكان الحدث كناقوس خطر أفزعهما ، لم يتمكن ميشيل من القيام بواجبه لمساعدتها. هرع إلى بيت كرستيان طالبًا النجدة، قال لها بصوت كئيب ومضطرب:
— تعالي، أرجو أن تأتي حالًا، إني في ورطة.
تركت كرستيان كل مشاغلها وأعربت عن قلقها هي الأخرى، ودون أي تردد بادرت مندفعة نحو حجرة النوم التي تداعت فيها جاكلين. ما هي إلا دقائق حتى تمكنا بصعوبة من إعادتها إلى سريرها. بعد ذلك الحدث الذي سيغير حياتهم، قررت جارتهم الانصراف والعودة الى بيتها بعد أن أجاب على سؤالها:
— هل في وسعك تدبر الأمر هذه الليلة؟
فقال: أعتقد ذلك.
لكن في اليوم التالي دفعه شعوره بالعجز أن يقول لها ما يجول في خاطره من أسى :
— صدقيني، إن أطياف كاترين بجسدها الرشيق وبصوتها العذب ما عادت تغادر أحلامي.
بينما هو يسرد لها شريط همومه تظاهرت كرستيان بالحياد، وعندما لاحظت أن هواجسه تخنقه سألته محاولة إقناعه : إلى متى تتمسك بتلك الذكريات الجارحة؟
بعد ستة أيام لم تتعافَ جاكلين من وقعتها، حينها مر ميشيل بأطول وأثقل ليلة في حياته ، لم يفارق زوجته، كان يتوق لو تفتح عينيها أو تستفيق من نومها ولو للحظة واحدة ، ولطالما ناجى الرب أن يخرجهما من هذا الضيق. كان يوما ً كابوسيا ً مشؤوما ً ا جعل قلبه يتأرجح بين الخذلان والارتباك. بعد إغفاءته القصيرة سمع صوت كاترين أو خُيل له أن روحها الهائمة تناديه: استفق، استفق.
لم يمهله الزمن، فقلبه المتكدر ، صار عاجزا ً عن مجارات تسارع الأحداث ، حتى انه ما عاد يفهم ما ينتظره .
كان مذهولًا، ، من توقف شخير جاكلين، شاعرا ً بالخطر المحدق بهما ، وبدون وعي منه تعثرت الكلمات في حنجرته ، وضع راحة يده على جبهتها، كانت لا تزال دافئة، حتمًا أنها حاولت التشبث بالحياة إلى آخر لحظة ، اصطدم وعيه برهبة الموت ، ما إن تيقن من أن أنفاسها قد توقفت وإلى الأبد. حتى انه لم يجد ما يقوله سوى:
ـ يا إلهي، لا أقوى على تحمل هذا البلاء بمفردي.
إن الزمن المتربص به كاد يهزمه ويحطم قلبه ، كذلك اليأس بهواجسه المريرة صار يطارده ، اما عن الفوضى الحواس فقد جعلته يبكي مثكولا ً ، أمام ذكريات وخزت قلبه بالشقاء والحرمان ، أجبره كل ذلك أن يطلق صيحة جزع ربما سمعتها كرستيان التي تترك شبابيك بيتها مشرعة للريح .
بعد يومين وضع لصورة زوجته إطارًا ذهبيًا وركنها قرب صورة أبنته . كان يتأملهما كل صباح طاردًا الكدر عن نفسه بسؤال مرهف: متى تهتم بأمرك؟
لكن الزمن المحمل بالمقترحات الباهرة هو الذي دفعه أن يحدق بصورة جاكلين ويسألها بصوت واهن: هل أنتِ موافقة؟
فتهاوى على الكرسي من فرط حيرته غير فاهم ما يتوجب فعله ، لم ينتظر ردًا سريعًا، لكنه لم يجد ما يقوله سوى: ما زال ثمة وقت كي أقرر.
لم يعتقد أن جاكلين الفقيدة ستبارك خطواته، خُيل له أنها لن تتأخر في الجواب كثيرًا. بعد خمس دقائق اعترى قلبه دفق سلام وأصيب بالغبطة ما إن استلم تلك الشفرة منها:
— أترك لك الخيار.
حين قال لكرستيان ما مر به من متغيرات أطلقت ضحكة اخترقت جدار الصالة .
ذات يوم كانا معا ً بسلام ، يجمعان بيض الدجاج ويقطفان الزهور ويجنيان الثمار متجاهلين سواد الدنيا، فباغتته بسؤال جريء : ألم ترَ أن الوقت قد حان لانتقالك إلى بيتي، إني أعتقد أنك بحاجة لمن يواسيك ويعتني بأمرك.
هذا المقترح المنتظر جعله يقتنع بأن ديناميت الحب يعيش داخلنا فيجب إشعاله في اللحظة المناسبة. تشبث بهذه المغامرة ، أخذ بيد جارته وتسلقا جالسين على صخرة كبيرة ، لا لشيء سوى ليردد جملتها التي استوعبها الآن دفعة واحدة: — حقًا، إن التمرد فعل ضروري لمن يريد أن يخرج من عزلته.



#بديع_الآلوسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة : الخراب
- جماليات الوصف _ في قصة حديقة كيفين
- جماليات الوصف
- هذا ما قاله النادل الذكي
- حوار التحولات مع القاص جمال نوري / اجرى اللقاء الفنان : بديع ...
- التحولات
- قصة قصيرة : وداعا ً ايتها الغيوم
- سعدي يوسف وزمن القتلة
- قليل من هارمون السعادة يكفي ..
- حزن يطارد قلوبنا
- 2020202020 ونخبك ِ يا 2021
- الكرسمس
- الأرمني الجميل
- المتطفّل
- لكن ماذا رأى ؟
- العم حسام الالوسي .. اجراس لذكرى رحيله .
- اغنية الكتابة
- مع روحي على انفراد
- الحجيج إلى شكفته خَمري
- قصة قصيرة : الأرغن الذائع الصيت


المزيد.....




- ذكرى iPod الـ25 تتحول إلى مشغل موسيقى رقمي على Apple Music
- فيلم -البارح العين ما نامت-.. جمال المكان وقسوة الأعراف
- ريمون شويتي يوثق مسيرته الفنية وذاكرة بيروت في سيرة ذاتية جد ...
- تُوفي عقب السقوط على المسرح.. زوجة لاعب كمال أجسام تحذر من ح ...
- فنانة تركية ترسم لوحة لمحمد صلاح وتحلم بتقديمها له بنفسها (ف ...
- الأمير وليام يكشف عن شغفه بالسينما والموسيقى وطموحاته القديم ...
- فضل شاكر يصالح المسرح مجدداً بعد 14 سنة من الغياب، كيف تفاعل ...
- “الخدمات البيطرية” تبحث تعزيز التعاون المشترك مع روسيا في ال ...
- جلسة تناقش الحقوق الثقافية وحقوق الإنسان في معرض أربيل الدول ...
- -فستان ينسجم مع لون عينيها-.. مريم أوزرلي تتألق بتصميم عربي ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بديع الآلوسي - عزلة ريفية