|
|
الصهيونية حركة عنصرية... سؤال يعود من جديد
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 23:33
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
جدل عمره نصف قرن يعود إلى الواجهة
بالنسبة إلى القارئ المتابع لتاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي، فإن قرار حزب الخضر البريطاني إعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية ليس سابقة تاريخية. فمنذ نحو نصف قرن، وتحديداً في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 1975، كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد تبنت القرار 3379، الذي نص على أن «الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري». وجاء القرار في ذروة الحرب الباردة، في مناخ دولي كانت فيه القضية الفلسطينية جزءاً من صراع أوسع بين المعسكرين الغربي والشرقي وحركات التحرر الوطني في العالم. لكن القرار أُلغي في 16 ديسمبر/كانون الأول 1991، عندما تبنت الجمعية العامة القرار 46/86 بأغلبية 111 دولة مقابل 25، مع امتناع 13 دولة. وكان الإلغاء نفسه جزءاً من التحول الكبير الذي شهده النظام الدولي آنذاك. فقد جعل الرئيس الأميركي جورج بوش الأب إلغاء القرار مطلباً معلناً، ورحبت الإدارة الأميركية بالتصويت بإعتباره إستجابة مباشرة لدعوته، أو بالأحرى لضغوطه. كما تكشف تقارير تلك الفترة عن حملة دبلوماسية أميركية مكثفة لحشد التأييد للإلغاء، فيما أيد غورباتشوف، الذي كان يعيش أيامه الأخيرة في الكرملين، القرار الجديد. وهكذا، فإن عبارة «الصهيونية هي العنصرية» ليست إختراعًا سياسياً لحزب الخضر البريطاني في عام 2026، وإنما عبارة لها تاريخ أممي وسياسي يعود إلى عام 1975، قبل أن تُلغى في اللحظة التي كانت فيها الحرب الباردة والنظام الدولي الذي أنتج ذلك القرار يقتربان من نهايتهما. من هذه الخلفية جاء قرار حزب الخضر البريطاني في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، حين أقرّ بأغلبية 1022 صوتاً مقابل 813 إعتبار الصهيونية «مشروعاً سياسياً إثنياً قومياً»، والدعوة إلى التعامل معها بوصفها "شكلاً من أشكال العنصرية". كما تضمن القرار الدعوة إلى "إقامة دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين التاريخية بحقوق متساوية للجميع". وهنا تدخل كيتلين جونستون إلى النقاش.
لا تسألني ماذا تقول الصهيونية عن نفسها
في مقالها الأخير، لا تنطلق الناشطة والصحافية الأسترالية من محاولة تقديم تعريف أكاديمي للصهيونية، ولا من إستعراض التيارات المختلفة التي نشأت داخل الحركة الصهيونية. هي تنظر إلى المسألة من زاوية أخرى تماماً. فحين يقول المدافعون عن الصهيونية، بحسب عرضها، إن الصهيونية ليست أكثر من الإعتقاد بأن اليهود لهم الحق في وطن وتقرير مصيرهم والعيش بأمان، فإن جونستون ترى أن هذا التعريف يختار أكثر صور الفكرة جاذبية، ثم يتجاهل تاريخها السياسي عندما تحولت إلى مشروع ودولة وسلطة. وتستشهد في هذا السياق بموقف يائير لابيد الذي أعلن أنه صهيوني لأنه يؤمن «بحق الشعب اليهودي في دولة في وطنه» وبحقه في العيش بأمان وسلام. لكن جونستون ترفض أن يتوقف النقاش عند هذه الصياغة. فالسؤال الذي تطرحه ليس: ما أجمل تعريف يمكن إعطاؤه للصهيونية؟ بل: ماذا فعلت الصهيونية عندما أصبحت مشروعاً سياسياً على الأرض؟
«الصهيونية هي ما تفعله»
هذه هي الفكرة الأساسية في مقال جونستون. فهي تقول إن هناك دولة إسرائيلية قائمة منذ عقود، وهناك تاريخ طويل من الحروب والإحتلال والإستيطان والتهجير والصراع على الأرض، ثم هناك ما حدث في غزة. وبالنسبة إليها، فإن هذه الوقائع ليست هامشاً يمكن فصله عن الصهيونية، وإنما هي، في نظرها، التجسيد المادي للمشروع الصهيوني. ولهذا تستعيد عبارة الكاتب ريتشارد ساندرز التي تقوم على سؤال بسيط: إذا كان بالإمكان إنشاء كيان سياسي محدد إثنياً في أرض كان يسكنها، عند بداية المشروع، شعب آخر بصورة شبه كاملة، من دون اللجوء إلى التطهير العرقي والفصل العنصري، فعلى الإسرائيليين أن يشرحوا كيف تم ذلك؛ لأن التجربة التي تراها جونستون لم تثبت إمكانية الفصل بين الأمرين. إنها هنا تنقل النقاش من مستوى الأفكار إلى مستوى النتائج. لا يهمها كثيراً، في هذا السياق، أن يقول مؤيد للصهيونية إنه يريد الأمن أو تقرير المصير أو الملاذ الآمن لليهود؛ المهم، بالنسبة إليها، هو ما يحدث عندما تتحول هذه الرؤية إلى نظام سياسي يقوم على دولة ذات هوية قومية أو إثنية محددة، في أرض يعيش فيها شعب آخر.
شهادة محمد الكرد
وتجد جونستون في شهادة الكاتب الفلسطيني محمد الكرد صياغة مكثفة للفكرة التي تريد طرحها. يروي الكرد أنه كان في إجتماع مغلق في لندن لمناقشة حركة المقاطعة، فسأله كاتب معروف، وبنية حسنة، عما إذا كان من الممكن أن تحمل الصهيونية معنيين مختلفين: حركة إستعمارية إستيطانية تقوم على التوسع والإقصاء العرقي من جهة، وحركة تطالب بتقرير المصير اليهودي من جهة أخرى. وكان جواب الكرد: «لا». فالصهيونية، وفق هذا التصور، لا ينبغي أن تُعرّف وفق ما يمكن أن تعنيه نظرياً، وإنما وفق تجلياتها المادية. وهنا تجد جونستون العبارة التي تختصر رؤيتها كلها تقريباً: «الصهيونية هي ما تفعله». أي أن تعدد التعريفات النظرية لا يلغي النتائج التي أنتجها المشروع عندما أصبح قوة سياسية ودولة ومؤسسات وسياسات على الأرض.
غزة بوصفها الإختبار الأحدث
ومن هذه النقطة تنتقل جونستون إلى غزة. فهي لا تنظر إلى الحرب والدمار في غزة بإعتبارهما حدثاً منفصلاً عن تاريخ الصراع، وإنما تعتبرهما أحدث دليل على فكرتها عن الطبيعة العملية للصهيونية. وتستشهد بصور الأقمار الصناعية التي أظهرت حجم الدمار في مدينة غزة، وتستخدمها لتقول إن النقاش لم يعد متعلقاً بتعريفات نظرية أو شعارات سياسية؛ فهناك واقع مادي يمكن رؤيته. في تصورها، ما حدث في غزة يضع أمام العالم سؤالاً لا يمكن تجاهله: إذا كانت الصهيونية مجرد حركة لتحقيق الأمن وتقرير المصير اليهودي، كما يقول أنصارها، فكيف ينبغي تفسير هذا الحجم من الدمار والتهجير والسيطرة العسكرية ضمن التاريخ الأوسع للمشروع؟ جونستون لا ترى هذه الوقائع نتيجة إنحراف مؤقت عن الصهيونية، بل تراها إمتداداً لمنطقها. وهنا تحديداً تكمن قوة وحدة موقفها.
من نقد السياسات إلى رفض الفكرة
فهي لا تقول ببساطة إن حكومة إسرائيل الحالية إرتكبت أخطاء أو أن بعض السياسات الإسرائيلية عنصرية. حجتها أوسع من ذلك. إنها ترى أن المشكلة تبدأ من فكرة الدولة المحددة إثنياً نفسها عندما تُقام في أرض يعيش فيها شعب آخر، لأن الحفاظ على إمتياز جماعة قومية محددة، في رأيها، يخلق بالضرورة تفاوتاً في الحقوق أو إخضاعاً أو إقصاءً للجماعة الأخرى. ومن هنا تصل إلى إستنتاجها النهائي: إذا كان المرء يرفض العنصرية والفصل والتمييز والتطهير العرقي، فلا يمكنه، وفق منطقها، أن يؤيد الصهيونية ثم يفترض أن هذه النتائج يمكن فصلها عنها. ولهذا ترفض جونستون القول إن هناك «صهيونية جيدة» يمكن فصلها عن تاريخ الدولة الإسرائيلية وممارساتها.
ما الذي تريد جونستون قوله؟
أهمية المقال، بالنسبة إلى القارئ، لا تكمن فقط في النتيجة التي تصل إليها جونستون، وإنما في الطريقة التي تبني بها النتيجة. هي تبدأ من تعريف الصهيونية بإعتبارها مشروعاً سياسياً، ثم ترفض الإكتفاء بالتعريف الذي يقدمه مؤيدوها عن أنفسهم، وتنتقل إلى التاريخ والواقع المادي: الأرض، السكان، الدولة، الحروب، التهجير، الإحتلال، ثم غزة. وبعد ذلك تقول إن هذه النتائج ليست أحداثاً متفرقة، بل تكشف طبيعة المشروع نفسه. وهكذا تتحول عبارتها الأساسية ــ «الصهيونية هي ما تفعله» ــ إلى مفتاح لقراءة المقال كله. إنها لا تناقش الصهيونية بوصفها فكرة مجردة في كتاب تاريخ، بل بوصفها مشروعاً سياسياً دخل التاريخ وترك وراءه دولة وسياسات وصراعات ونتائج ملموسة. ومن هنا يأتي يقينها بأن المسألة، في نظرها، لم تعد تحتاج إلى تعريف نظري جديد، بل إلى النظر في الوقائع نفسها.
وبهذا المعنى، فإن قرار حزب الخضر البريطاني في عام 2026، كما تقرأه جونستون، ليس بداية الجدل حول عبارة «الصهيونية هي العنصرية»، وإنما عودة هذه العبارة إلى الساحة السياسية بعد أكثر من ثلاثين عاماً على إلغاء القرار الأممي الذي حملها، وبعد نصف قرن تقريباً من ظهورها للمرة الأولى على منبر الأمم المتحدة.
أما السؤال الذي تتركه جونستون أمام القارئ فهو أبسط وأكثر حدة من كل التعريفات: هل نحكم على الأيديولوجية بما تقوله عن نفسها، أم بما أنتجته عندما أصبحت قوة سياسية على الأرض؟
هذا هو السؤال الذي يدور حوله مقالها كله.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
«نازا» مرة أخرى.. من عاصفة إسرائيلية إلى شاشة العالم
-
الصهيونية تحتاج إلى معاداة السامية؟ بلومنتال أمام كارلسون
-
فلاي دبي 1073: الطائرة التي كادت تسقط... والسباك الذي أصبح ب
...
-
أميركا والشرق الأوسط: نهاية الهيمنة أم نهاية الدور القديم؟
-
ألكسندر دوغين: «نحن في بداية حرب رهيبة»..
-
إنتخابات الدوما 2026: ماذا يجري خلف أسوار الكرملين؟
-
«فيفالدي» في ليمان: ماذا يجري فعلاً على الجبهة الأوكرانية؟
-
جون ميرشايمر - هل أوكرانيا ذاهبة إلى الإنتحاراً؟
-
ويستمر الهذيان
-
خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة: هل للوقاحة حدود؟
-
لافروف من الأمم المتحدة: العالم يتغير... والشرق الأوسط في قل
...
-
من آني إرنو إلى أديل هانيل: ماذا تغيّر في فرنسا؟
-
أوقفوا حرب الملك المجنون ترامب على إيران - رسالة جيفري ساكس
...
-
ألكسندر دوغين - الديسجينيكا والسياسة: ديمقراطية الأقليات (بر
...
-
جون ميرشايمر كان في موسكو
-
ما الذي يؤخر «النصر»؟
-
من طريق الهند إلى هرمز وباب المندب - من يملك مفاتيح العالم؟
-
ألكسندر دوغين - التعددية القطبية تهاجم، والمملكة المتحدة تتف
...
-
جون ميرشايمر واللوبي الإسرائيلي: حين يتغير الخطاب ولا تتغير
...
-
«نازا».. حين يخرج صوت الإبادة من داخل الجيش الإسرائيلي
المزيد.....
-
الدفاع العُمانية: إخلاء طبي لعشرة أفراد من طاقم سفينة استُهد
...
-
مقطع فيديو متداول لجنود إسرائيليين يرقصون في جنوب لبنان خلال
...
-
هل تشعر بالرهبة من تقديم العروض في العمل؟ اقرأ هذه النصائح ق
...
-
-دعهم يدمروا لوس أنجليس أو سان دييجو-.. موجة غضب من تصريح ت
...
-
الحوثيون يعلنون إحصائية الغارات والهجمات الصاروخية السعودية
...
-
تونس.. شرطة مرور -تتخفى- بزي مدني لضبط السائقين المخالفين
-
الرئيس السوري أحمد الشرع يصل الرياض في زيارة رسمية
-
الحوثيون ينشرون مشاهد لاستهداف -تحشيدات عسكرية- في رأس العار
...
-
لحظة اعتراض منطاد أوكراني يحمل جهاز -ستارلينك-
-
الجيش الروسي يقصف جسرا في كييف يستخدم لنقل وتزويد القوات الأ
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|