علي سيريني
الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 15:16
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
انتشر مقطع فيديو لداعية سلفي، يتهكم ويتسائل بسخرية "ماذا فعل لنا الإمام السجاد في ديننا وفي دنيانا؟ هل حفظ لنا القرآن، هل حفظ لنا السنة، أين أحاديثه مثلا؟". هذا الشخص معذور سلفا، معذور بجهله، والناس بطبيعتها تعادي أو تنكر من تجهله. وبما أن أهل بيت النبي (عترته) عليهم السلام، واجهوا منذ بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) العداوة والبغض والحقد من قبل قريش وأحزاب الشرك والكفر والنفاق، فإنهم تعرضوا للقتل، التنكيل، السجن، التعذيب التعتيم والملاحقة لمدة فاقت قرنين ونصف واقعيا، وكسياسة للدولة العبّاسية إلى منتصف القرن السابع، أي آوان سقوط بغداد بيد المغول. لذلك، فإن ما بقي من تراث مكتوب ممتد من أهل البيت يشكل بحد ذاته معجزة تأريخية، لأن أئمة أهل البيت منذ علي بن أبي طالب، تعرضوا للقتل والتصفية، ناهيك عن السجن والإقامة الجبرية وتضييق الخناق عليهم وعلى أتباعهم. هذا ناهيك عن محاربتهم ومصادرة حريتهم في التعبير والنشر والتواصل مع عامة المسلمين. وبسبب إستمرار الملاحقة والمعاداة لهم، أمسى المسلمون بمنأى عنهم نظرا لخطورة الإتصال بهم، مما كان يعرض الناس إلى خطر القتل والسجن. لذلك، اضطر المسلمون العمل بالتقية لقرون، فضلا عن المواربة، المجاز والمعنى الخفي في التفسير والشرح للقرآن والحديث. لأن التصريح المباشر كان يودي بصاحبه في وهدة الموت. ودفع صحابة وتابعون، وعلماء كبار حياتهم ثمنا لدفاعهم عن أهل البيت في العصرين الأموي والعباسي، وعرّضوا أنفسهم للتعذيب والملاحقة. ويأتي في مقدمة هؤلاء أبا ذر الغفاري، عمار بن ياسر، حجر بن عدي، عمرو بن الحمق الخزاعي، ميثم التمار، سعيد بن جبير، كميل بن زياد، أبا حنيفة (صاحب المذهب)، والمالك (صاحب المذهب)، والشافعي (صاحب المذهب)، وأحمد بن حنبل (صاحب المذهب) النسائي (أحد أصحاب الكتب الستة)، إبن السكيت، عبدالله بن جرير المعافري، الحاكم النيسابوري (صاحب المستدرك على الصحيحين)، الحافظ عبدالرزاق الصنعاني (أحد شيوخ البخاري)، الإمام الخطيب البغدادي، عبيد الله بن موسى العبسي والمئات من شخصيات مشهورة وكبيرة (سنفرد لهم في كتاب بعون الله).
القمع والظلم ضد أهل البيت كان شديدا إلى درجة كان يعرّض من يواليهم ويقترب منهم إلى القتل، التعذيب، الملاحقة، الطرد، النفي والحرمان من العطاء، فضلا عن العزل والحصار الإجتماعي. بل طال ذلك أهل البيت أنفسهم. فقد قضى جميع أئمة أهل البيت نحبهم في أعمار يافعة شابة، بسبب التعذيب والسجن والطرد، و بسبب القتل المتعمد، أو عن طريق الإغتيال بالسم. لكن أشهر الظلم الذي لحق بأهل البيت جاء عبر الملاحقة العسكرية والمخابراتية الشهيرة، في جرأة غريبة وشاذة على الله ودينه من قِبل من يفترض أن يكونوا مسلمين، في عام 61 للهجرة، حين حوصر الإمام الحسين (ع) سبط الرسول وريحانته مع أهله وأولاده وأقاربه في كربلاء، حيث تعرضوا في مواجهة غير متكافئة على الإطلاق إلى عملية إبادة جماعية (جينوسايد) على يد الجيش الأموي. وفي هذه العملية تعرض النساء إلى الضرب، التعذيب والنهب من قبل الجنود المهاجمين، مع أن العرب والشعوب في تلك الأيام، بل حتى في أيام الجاهلية، كان يُعرف عنهم تجنب التعرض للنساء في الحروب! نعم كانت النساء تسبى في الحروب، لكن ضربهن وأخذ مقتنياتهن النسائية كان ضربا من الخسة والدناءة التي يندى لها الجبين. حتى أنه روي أن أبا جهل رفض أن يقتحم بيت النبي (ص)، حتى لا يقال بين العرب أنه أرعب النساء كما نقل عنه. لكن هذا ما حدث لنساء أهل بيت رسول الله (ص)، على يد السلف غير الصالح من متبوعي السلفية المعاصرة.
كان الإمام زين العابدين في مقتبل شبابه، إثنين وعشرين عاما من العمر، وله إبن واحد، وهو الإمام محمد الباقر ذي أربعة أعوام (لقبه النبي بالباقر وقد أخبر بذلك الصحابي جابر بن عبدالله). لكن الإمام زين العابدين كان مريضا جدا، ومصابا بمرض ثقيل يمنعه من تحمل الوقوف، لذلك بقي تحت الخيمة ممتدا يئن من شدة مرضه، ويرفع هدب الخيمة (أسفل الباب) لينظر إلى ميدان المعركة، ليرى كيف يذبح الوحوش الهمج أباه وإخوانه وأعمامه وأولاد أعمامه، ويطعنونهم ثم يدوسونهم بحوافر الخيل والبغال. وللقارئ أن يتخيل، مدى العذاب والألم الروحي والجسدي لشاب في مقتبل العمر يرى بعينيه كيف يُذبح والده وإخوانه وكافة أفراد أسرته من الرجال، في أجواء مليئة بالرعب والخوف وإنعدام للضمير والأخلاق حتى درجة الصفر. وهناك عدة مشاهد لهذا الإمام الجليل داخل الميدان يجب أن أشير إليها. فحين كان الإمام السجاد مغمى عليه من شدة المرض وأفاق، دخلت عليه السيدة زينب (عمته، أخت الإمام الحسين) في الخيمة، فسألها عن أحوال الميدان، فبكت السيدة زينب أن الحسين وحده بقي في الميدان، فاشتد بالسجاد حاله وحرقته، وهو يريد الميدان ليذود عن أبيه، فغشته السيدة زينب باكية تعلم أن مصير الحسين أصبح في متناول رماح وسيوف وسهام الكفر والنفاق، وحتى لا ينقطع نسل النبي (ص) منعته. والمشهد الثاني هو بعد إستشهاد الحسين عليه السلام، حيث تعرض النساء والأطفال إلى الهجوم والرعب والنهب من قبل علوج بني أمية، حيث هربت فاطمة الصغرى بنت الإمام الحسين في البيداء، فلحقها أحد الجنود وضربها بكعب رمحه فأغميت عليها، حتى إذا فاقت والسيدة زينب تحتضنها، ذهبتا سوية إلى الإمام زين العابدين للمواساة، فترويان، حين رأينا الإمام السجاد في حال يرثى لها، بكينا له وبكى لنا، فلم نكن نعرف أنواسيه أم هو يواسينا! وبعد إنتهاء المعركة بعدة أيام، ذهب الإمام زين العابدين ليواري جثث ذويه الثرى، أراد رفع جثة أبيه الحسين فكانت مقطعة، يرفعها قطعة قطعة، لأنها كانت قد تمزقت لكثرة الضرب والطعن ودعس حوافر الخيل فوقها. وحين أقتيدوا بعد المعركة أسارى إلى زياد بن أبيه، كان علوج بني أمية يضعون رؤوس أهل بيت رسول الله (ص) فوق الرماح إيغالا في إيذاء الإمام السجاد وذرية النبي من النساء والأطفال نفسيا، وللإنسان أن يتخيل كيف يكون شعوره وهو ذليل بين يدي عدوه الذي يتشفي برأس والده وإخوانه وذويه!
لماذا رويتُ هذه المشاهد؟
حين يتعرض أي إنسان إلى هذا الظلم المتوحش الذي لا مثيل له في التأريخ، أو يندر له مثيل، يتحول إلى كتلة من الحقد والبغض على أعدائه، وإن تمكن منهم يوما فلن يتوانى على أقل تقدير في قطع رؤوسهم. لكن لننظر كيف تعامل الإمام زين العابدين مع عدوه من الأمويين الذين قتلوا أباه وذويه. حين ثار الصحابة والمسلمون في المدينة، لم يقدر مروان بن الحكم (الذي صار خليفة لاحقا وكان من أشد المحرّضين على قتل الإمام الحسين)، من تأمين الخروج لنسائه وعياله وكان يبلغ عددهم المئات، فلجأ إلى عبدالله بن عمر فرفض. ثم لجأ إلى خير أهل زمانه، وهو الإمام السجاد، فاستجارهم وأعطاهم الأمان، وعاملهم كأهل بيته حتى عاد مروان بعد تمكن الأمويين من إخماد الثورة وأخذ نسائه وعياله الأمويين. ولأنهم انتقموا بوحشية من الثائرين وذويهم، فقد تحول الإمام زين العابدين هذه المرة إلى ملجأ آمن لذوي الثوار وعوائلهم يقوم على خدمتهم ويعاملهم كما يعامل أهل بيته. وبهذا سجل هذا الإمام المبارك أروع مواقف التأريخ من الصفح والعفو على الإطلاق، حيث لا يقدر على ذلك إلا الأنبياء والرسل المسددون من الله العلي القدير.
وفي خضم ما كان يحدث لهذا الإمام، من ألم وعذاب، جراء ما حدث له ولأهل بيته قبل كربلاء وبعدها، فقد تجسدت روحه الطاهرة في الصحيفة السجادية، في أدعية معجزة، لا يقدر التأريخ البشري عن الإتيان بمثلها، ما عدا كلام الله المنزل عزوجل وأدعية الأنبياء والرسل. ففي هذه الأدعية هناك أروع التجليات الحية للإتصال بالله، وإستمداد النور الأزلي وإتخاذه سلّما للصعود إلى ملكوت السماوات، حيث تسمو الروح وتتسامى فوق الإنحطاطات الأرضية من الشهوات والأحقاد والضغائن وصغائر المتعلقات، من الماديات الدنيوية الدنيئة التي يتقاتل عليها البشر. فقبالة الهول العظيم الذي ابتلاه الله به في كربلاء وهو يرى رجال أهل بيته، وقبل كلهم والده (فلذة كبد رسول الله) يتعرضون لمئات الضربات والطعنات، بالسيوف والرماح والسهام والأحجار والمطارق، وأمام مشهد تعرض النساء والأطفال من أهل بيته إلى صنوف العذاب وألوان الإهانة والمصائب، على يد الوحوش البشرية، قام وهو مصاب كما لم يصب مثله أحد، يصلي لله مع السيدة زينب ويدعو: يا من تحل به عُقد المكاره، ويا من يُفثأ به حد الشدائد، ويا من يُلتمس منه المخرج إلى روح الفرج... وقد نزل بي يا ربي ما قد تكأدني ثقله، والَمّ بي ما قد بهظني حمله، فقد ضقت لما نزل بي يا ربي ذرعا، وامتلأتُ بحمل ما حدث عليّ همّا، وأنت القادر على كشف ما منيت به ودفع ما وقعت فيه، فافعل بي ذلك وإن لم أستوجبه منك يا ذا العرش العظيم (وهو دعاء قاله مباشرة بعد واقعة كربلاء وهو يمثل أبلغ معاني الشكوى إلى الله وبث الهموم إليه والتذلل والتعبير عن الصبر والحمد). وقضى هذا الإمام حوالي ستة وثلاثين عاما بعد واقعة كربلاء، لا يمر يوم إلا ويبكي عدة مرات، حتى اهتز من حوله ومن رآه، مشدودين مجذوبين نحو الله الرحيم ببكاء هذا الإمام وأدعيته المعجزة لغة وتعبيرا ومعنى. وظل بارّاً بالناس والفقراء، يعفو عن المسئ، ويكرّم الذي يتعرض له بالبذاءة والسب، ويدعو: اللَّهُمَّ وَأَيُّمَا عَبْدٍ نَالَ مِنِّي مَا حَظَرْتَ عَلَيْهِ، وَانْتَهَكَ مِنِّي مَا حَجَرْتَ عَلَيْهِ، فَمَضَى بِظُلَامَتِي مَيِّتاً، أَوْ حَصَلَتْ لِي قِبَلَهُ حَيّاً، فَاغْفِرْ لَهُ مَا أَلَمَّ بِهِ مِنِّي، وَاعْفُ لَهُ عَمَّا أَدْبَرَ بِهِ عَنِّي، وَلَا تُقِفْهُ عَلَى مَا ارْتَكَبَ فِيَّ، وَلَا تَكْشِفْهُ عَمَّا اكْتَسَبَ بِي.
في زماننا المعاصر، وحيث تشوهت صورة الإسلام بيد المسلمين، وخصوصا الذين يدعون أنهم يتبعون السلف الصالح، وقد مثلوا في ذواتهم كل معاني التطرف والقساوة والتوحش والقبح بحق المسلمين وغير المسلمين، نقدر أن نقدم للبشرية الإمام زين العابدين كأرقى نموذج إنساني على مر العصور والدهور، وهو مثال لا تقدر أمم الأرض عن الإتيان بمثله! فيعقوب النبي (ع) لم يتعرض أهل بيته إلى الإبادة كما أهل بيت النبي محمد (ص)، لكنه ظل يبكي ليوسف (ع) أربعين عاما، مع أن يوسف كان قد أصبح وزيرا، ثم منّ الله على يعقوب بلقاء يوسف ليتمتعا بالنعيم والتمكين. والمسيح (ع) تحمل اليهود ثلاثة أعوام يصبر على أذاهم وعنادهم، حتى رفعه الله إليه. لكن اهل بيت النبي، ولثلاثة قرون ممتدة، واجهوا دوما عملية الإبادة والتعذيب والسجن والمحاصرة والتقييد والمحاربة المادية والنفسية، مع ذلك لم يرتكبوا سوءا بحق أحد، ولا ظلموا أحداً، وظلوا يصبرون بالدعاء والعبادة، وينشرون العلم والدعوة والخير وخصوصا للفقراء وذوي الحاجات. وأكثر من جسّد هذه الخصال هو الإمام زين العابدين (ع)، الذي كانت أخلاقه أخلاق الأنبياء والرسل، لكنه لم يكن يأتيه الوحي وهذا هو الفرق.
ليس من المبالغة القول، أن الإمام زين العابدين، هو أحد أجمل وأجلّ خلق الله قاطبة، وبتعبير مجازي من أجمل أزهار الله في الكون، حريّ بكل مسلم أن يضعه شارة جمال وإفتخار على صدره، ويعرّف الناس بجماله وعطره الفوّاح الذي لا ينقطع أبدا. وليس من المبالغة القول أنه لو لم يكن للمسلمين إلا القرآن الكريم والصحيفة السجادية لكان ذلك كافيا لهم لينالوا صدارة الأمم لو كانوا يعلمون. فالصحيفة السجادية بحر من نور مستمدٌ من نبع النبي (ص) و الإمام علي بن أبي طالب (ع). وعلى سنّة هذا الإمام الجميل الجليل، نقول، من كان أعمى البصيرة لا يرى هذا النور، اللهم فاهديه حتى لا يفوته ما لا يمكن فوته!
#علي_سيريني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟