أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - علي سيريني - إنهيار اليسار أمام لحى التطرف الإسلامي السياسي















المزيد.....

إنهيار اليسار أمام لحى التطرف الإسلامي السياسي


علي سيريني

الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 12:01
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


قد تكون حركة اليسار في كُردستان آخر معاقل اليسار العالمي، بل هي أقوى حركة مسلحة لليساريين في العالم، لكنها سقطت سقوطا مدويا بإعلان مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديموقراطية (قسد) حلّها في دمشق في الخامس والعشرين من الشهر الجاري أغسطس 2026. وهذا السقوط يختم مسيرة حركة اليسار التي بدأت في جغرافيات كُردستانية منذ بدايات القرن العشرين، وانتشرت في الأقاليم المجاورة، فتزعم الكُرد في سوريا والعراق الحزب الشيوعي وحركات يسارية آخرى جنبا إلى جنب مع أطياف أخرى عربية، فارسية، تركية موزعة بين سنّة وشيعة، وموزعة على دول وأقاليم أخرى أيضا منها لبنان، تركيا، إيران وفلسطين. هذا الإنهيار اليساري، عبر الإعلان المدوي لعبدي، كان صدى لإعلان سبقه لحركته الأم، حزب العمال الكُردستاني، الذي ارتضى مقاتلوه الألوف في جبال قنديل تسليم رقابهم للدولة التركية، وحلّ حزبهم الذي خاض صراعا لأكثر من أربعة عقود مع تركيا خلّف عشرات الآلاف من القتلى والملايين من الجرحى والمشردين، وحرق الألوف من القرى والبلدات في شمال وجنوب كُردستان.
إذن، فإن القوة اليسارية الأكبر في منطقة الشرق الأوسط، وربما في العالم، انتهت وسلّمت رقبتها للنظام "الإسلامي" السنّي بقيادة رجب طيب أردوغان ومعاونه في دمشق أحمد الشرع. والغريب أن نفس هذه القوة كانت إلى أمس قريب تدين بالولاء للنظام "الإسلامي" الشيعي بقيادة إيران، في إنسجام تام وتناغم في الآداء السياسي والعسكري الذي كان من إفرازاته التعاون والتحالف مع نظام سوريا السابق بقيادة بشار الأسد. والأغرب من هذا هو أن هذا التيار اليساري الكُردي الذي ظل منسجما مع جميع خصوم وأعداء الكُرد كتابع، وجد في كل مرحلة متبوعاً وراعياً، بقى في خصومة وصراع مع القوى والفصائل الكُردية من أبناء الجلدة! والأكثر غرابة، أن هذه القوى اليسارية الكُردية كانت تناوئ وتخاصم القوى الكُردية الأخرى، على جملة من الأمور والقضايا القومية، الفكرية والمجتمعية التي رَسَمَتْ فيها حدودا فاصلة لم تكن لتساوم قيد شعرة على إمكانية التفاهم بشأنهن. وهذه القوة اليسارية كانت تبث أدبياتها كحقائق قاطعة، بمثابة نصوص مقدسة، تجر بها الشباب اليافع إلى أتون قتال ضارم افتدت بالآلاف منهم على مذبحة اليسار.
في ما يخص القومية الكُردية، بدأ حزب العمال بقيادة عبدالله أوجلان مسيرته في بداية الثمانينات، رافعاً شعار إستقلال كُردستان، وبه تخندق ضد سائر الأحزاب الكُردية الأخرى في جميع أجزاء كُردستان والتي كانت ترفع شعار الحكم الذاتي أو الفيدرالية لكُردستان. فقد اتهمها حزب العمال بالإنهزامية، وعدم بلوغ الفكر القومي الناضج، وقوقعتها في أوحال الرجعية والتخلف المكبل بثقال الإقطاعية والرجعية الدينية، والعمالة للإستعمار الرأسمالي الإحتكاري الإستغلالي لقوى العمال والفلاحين. لكن التسعينيات من القرن الماضي عرّت بالتدريج هذه الدعاوي التي تبينت لاحقا أنها ليست سوى ترف فكري نزق لزعيم الحزب، أوجلان، القابع في سجن إيمرالي بتركيا منذ عام 1999. فهذا الرجل، ومن ورائه حزبه، قيادة وقواعدا، على شاكلة ترديد تلاميذ الصفوف الإبتدائية الكلمات والجمل خلف معلم الصف، بدأوا يرددون شعارات جديدة تدرجوا في تغميقها وإدكانها بمرور الزمن. مثلا، صرّح أوجلان علنا أن إقليم كُردستان العراق ليس سوى إسرائيل ثانية، وعليه فإن من مهام حزبه القضاء على هذا الكيان. ثم انسحبت قواته من شمال كُردستان (المحتل من قبل تركيا) إلى داخل الجنوب، أي إقليم كُردستان، ليعطي الحجج والذرائع المجانية لتدخل تركيا في إقليم كُردستان وإحتلال أراضيه. وحين ألقي القبض عليه، ذهب يقدم تنازلات أكبر للفاشية والشوفينية التركية إلى حد إنكار الهوية الكُردية، ناهيك عن التخلي الكامل عن أي حديث يمت بصلة إلى تثبيت الهوية الكُردستانية جغرافيا وتأريخيا وإجتماعيا للمنطقة الكُردية "بشرق وجنوب تركيا". ثم بدأ يملي على حزب العمال وقيادته وصاياه التي كان يتسلمها من المخابرات التركية (ميت)، ويفرضها على حزب العمال وظليه، حزب الشعوب الديموقراطي في تركيا وقسد في سوريا. فمنذ عام 2011، ظل حزب العمال وظليه متحالفاً متعاوناً مع المعسكر الشيعي بقيادة إيران. لذلك فإن حزب العمال الذي ظل مسيطرا على مناطق شنكال (سنجار) الإيزيدية لأكثر من خمس سنوات، رفض تسليمها للحزب الديموقراطي الكُردستاني بزعامة مسعود بارزاني. لكنه وبأمر مباشر من طهران، قام أحد ضباط الجيش العراقي من الشيعة آمراً حزب العمال الأوجلاني بإخلاء شنكال فورا، وهو ما نفذه الحزب خلال سويعات، مسلّماً المنطقة برمتها إلى الحشد الشعبي الموالي لإيران.
وإذ قامت إيران بقصف مناطق كُردستان مرارا وتكرارا، بقي الحزب وظله (حزب بجاك) في شرقي كُردستان (كُردستان إيران) بمنئى عن أي مواجهة مع النظام الإيراني. ولكن هذا التحاشي المستمر للصدام لم يشمل الأحزاب والقوى الكُردية في جميع أجزاء كُردستان. بل استمر حزب العمال في فرض هيمنته على الساحة الكُردية وخصومته المطعمة بعدائية مقيتة، وإقصاء غليظ، ومقاطعة نكراء مع قطاعات الشعب الكُردي في جميع أجزاء كُردستان. وحيث سيطر الحزب عبر ساعده (قسد) على روجافا (المناطق الكُردية في سوريا منذ عام 2011)، تم تشريد عدد هائل من الكُرد السوريين إلى تركيا وإقليم كُردستان وأوروبا، مما قلل من نسبة سكان الكُرد في تلك المناطق بشكل مخيف. ومنذ ذلك التأريخ، قام الحزب بتشكيل قوى مسيحية مسلحة وتنظيم قوى بدوية عربية، تحت شعار "الأخوة بين الشعوب". وفي هذا المجال، وحيث كان الكُرد ينشدون حقوقا ثقافية منذ تقسيم سايكس بيكو في منطقتنا إبان سقوط الدولة العثمانية، أهملت إدارة قسد أي بناء تعليمي وثقافي كُردي لإبناء الكُرد في تلك المناطق. واقتصرت مناهج التعليم في روجافا على الترهات النزقة لزعيمهم أوجلان وأمور غريبة لا علاقة لها بواقع الشعب الكُردي، كانت تبث كثقافة يسارية، مثل أزمة الإشتراكية العلمية في كوبا، تنامي الحركة العمالية في نيكاراغوا وتشيلي، مشاكل الحركة الفلاحية في الفليبين وفيتنام، تحرير المرأة الكُردية من قيود الإستغلال والعبودية، مساواة الرجل والمرأة، حقوق المثليين جنسيا وحقوق الأقليات الدينية. أما التراث الكُردي، من شعر وفلسفة وعرفان وحكمة، مما تركه العلماء والشعراء عبر قرون متعاقبة، فقد جرى إهماله بشكل كامل ولم يلتفت إليه حتى بدرجة خجولة من الإهتمام. وما خبره الكُرد، ورأوه بأم أعينهم هو إستغلال الجنس الأنثوي في ميادين حزب العمال وسواعده بشكل لا لبس فيه. فقد دُفعت المئات بل الألوف منهن إلى ميادين القتال، وميادين ترضية المسؤولين في الحزب، طبقا لمتطلبات الإشتراكية العلمية في المساواة بين الرجال والنساء، وحرية ممارسة الرغبات الجسدية. وحيث لا لبس في أن المقاتلات الكُرديات أثبتن شجاعة فائقة ضد داعش وقوى أخرى مناوئة، وهن مدفوعات بشعور ملئ بالمظلومية على الصعيد القومي الكُردي بيد دول المنطقة، فإن قيادات الحزب وضعت غلة وثمرة قتالهن في جيوب أنظمة وقوى أخرى غير كُردية. فتارة في جيب الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأذرعها في المنطقة سابقاً، ثم في جيب تركيا وأذرعها في سوريا لاحقاً.
ولكن وحيث أعلن الحزب عن حل نفسه، بقي أمرٌ هام وتأريخي يدور بين الكُرد جميعا في هذه المنطقة، وهم مندهشون من هذا الإقدام العجيب من حزب العمال وذيوله على الذل والإنهيار، وهم يملكون قوة تضاهي قوة دول المنطقة ودعما خارجيا لافتاً، مالذي حدا بهم إلى حل أنفسهم بأمر رجل يقبع في سجن بتركيا منذ حوالي ثلاثة عقود، من دون تضمين الدرجات الدنيا لحقوق الكُرد القومية والوطنية، ناهيك عن أي ضمان معقول لتأمين هذه الحقوق الآن أو في المستقبل؟ وحتى على المستوى الشخصي، ارتضى مظلوم عبدي أن يكون موظفا بسيطا لدى الرئيس السوري أحمد الشرع الذي كان متهما في الأوساط الدولية بالإرهاب. أما أوجلان فقد قال عدة مرات قبل سجنه وبعده "أن يوما سيأتي سيخلده الأتراك كأكبر خادم للقومية التركية وسيوصم من قبل الكُرد كأكبر خائن لهم" والفيديوهات متداولة اليوم بين الناس وأجوجلان يقول ذلك صوتا وصورة!
يبدو أن الرجل عرف نفسه مبكرا، وهذا ما تحقق بالفعل اليوم بين عموم الشعب الكُردي الذي أعطاه هذا اللقب بجدارة، اعترف بها أوجلان منذ سنين طويلة، وهو اليوم يتمتع برتبته كخادم للقومية التركية الأتاتوركية بقناع إسلامي سني، مع فارق أن الأتراك مازالوا يترددون في إعطائه لقب خادم!
وهكذا أسدل الستار على أكبر حركة يسارية مسلحة في العالم، استغلت مظلومية الشعب الكُردي ووظفته بأدبيات يسارية، لتدخله في مسارات حروب ومعارك دخلت أرباحها في جيوب التطرف الإسلامي، الشيعي سابقا والسنّي في أيامنا الراهنة!



#علي_سيريني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تضحية أمريكا بالأهداف الإستراتيجية من أجل المصالح الآنية أدت ...
- فاتح هرمز دونالد إبن ترامب
- قناة الجزيرة بين الحقد والتحريض ضد الكًرد و وجودهم
- درس للصف الأول الإبتدائي عن معنى العنصرية القومية وللجاهل ال ...
- المعنى الأبدي
- من طهران إلى حلب ونيران الشرق تلتهب حيث مراعي الغرب خضراء
- القمصان الخمسة التي ألبسها الله ليوسف فتنةً وإمتحانا: تأملات ...
- أدرتُ عنك خلدي دهرا
- لولا الحواسمُ
- عاشوراء الحسين فيصل النور والظلمات
- الطريق لحل أزمة غزة
- أين نقف في الصراع الغربي الإيراني والحرب الدائرة بينهما
- برقية سرية إلى سمو أمير قطر
- إنتهاء إزدواجية السياسة التركية منذ مائة عام والفوضى على الأ ...
- كسوريا، التقسيم والفوضى يطرقان بوابة تركيا
- حلب بداية تأريخ جديد في المنطقة وشرارة حروب وتخوم تستعر بجحي ...
- السلام بين الكُرد والترك بوابة لتأريخ عظيم في المنطقة وتشالد ...
- لماذا تركز إيران والمحور الشيعي على معاداة إسرائيل
- حماس والإسلام والصراع مع إسرائيل
- بسمة النجاة


المزيد.....




- على الخريطة.. ماذا تسبب بالفيضان الكارثي بين نيبال والصين وم ...
- اقتراح بإعادة تسمية مطار ناشفيل الدولي تكريماً لدوللي بارتون ...
- علاء مبارك يرد على مقترح -المقايضة الكبرى- قناة السويس مقابل ...
- فيضانات نيبال والتبت: مئات المفقودين وبحيرة جديدة تعرقل عملي ...
- نيبال تحذر من فيضانات جديدة والمجتمعات تكافح الدمار وارتفاع ...
- طهران تعلن تحويل 7.5 مليارات دولار كـ -عائدات نفطية- وتؤكد ت ...
- النيجر ـ عشرات الجنود بين قتيل وأسير في محاولة تمرد عسكري
- آيسلندا.. معارضو الاتحاد الأوروبي يتقدمون في الاستفتاء على م ...
- مجتبى خامنئي يذكّر دول الخليج بتصريحات الغرب المهينة
- نائب إسرائيلي سابق: اتفاقية السلام مع مصر مجرد -حبر على ورق- ...


المزيد.....

- خواطر في المسألة العربية / ياسين الحاج صالح
- سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام ... / غازي الصوراني
- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - علي سيريني - إنهيار اليسار أمام لحى التطرف الإسلامي السياسي