أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - حين تستوطن اللغة قبل الأرض🌲🫒 …















المزيد.....

حين تستوطن اللغة قبل الأرض🌲🫒 …


مروان صباح

الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 15:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


/ قد يترجم الإسرائيلي صحن الحمص أو حبة الفلافل إلى العبرية ، ثم يترك للزمن مهمة تحويل الترجمة إلى ادعاء بالملكية ، وقد يقتلع شجرة الزيتون ، كما يحدث في الضفة الغربية ، أو يحاول اقتلاع ما هو أعمق من جذورها : الذاكرة ، فقبل أن يستوطن الأرض ، يحاول أن يستوطن الرواية ؛ لأن الأرض التىّ تُنتزع من ذاكرتها تصبح أكثر قابلية لأن تُروى من جديد ، لكن للذاكرة ظلًا لا يُقتلع ، ظلّ الفلسطيني خفيف ، لا تراه العين دائمًا ، لكنه يظل حاضرًا في أسماء القرى والحقول ، في حجارة البيوت ، وفي شجرة زيتون تعرف أصحابها أكثر مما تعرف خرائطهم ، يلاحق المكان حتى بعد أن يُدفع أصحابه بعيدًا عنه ، ويظل حاضرًا في الرواية التىّ يحاول الآخر أن يعيد كتابتها ، لهذا لا تبدو الفلافل والحمص والزيتون تفاصيل هامشية في هذا الصراع ؛ إنها علامات صغيرة على ذاكرة أكبر ، فالطعام ، مثل الشجرة ، يمكن أن يتحول إلى أرشيف ، والاسم إلى شاهد ، واللغة إلى بيت أخير حين تضيق البيوت .

وربما لهذا السبب تبدو رواية «المحافظ» (The Conservationist) لنادين غورديمير ، الفائزة بجائزة بوكر عام 1974 ، قريبة من هذه الفكرة ، وإن كانت تنتمي إلى جغرافيا وتجربة تاريخية مختلفة ، ففي الرواية يعيش ميرينغ ، رجل الأعمال الأبيض ، داخل وهم امتلاك الأرض في جنوب أفريقيا ، وكأن تسجيلها في دفتر الملكية يكفي لكي تصبح له ، غير أن الأرض لا تقبل هذا الوهم كاملًا ؛ فهي تحتفظ بما كان قبل المالك ، وبأصوات من عاشوا عليها ، وبموتاها ، وبذاكرتها التىّ لا تظهر في وثائق الملكية ، هنا تصبح الأرض شخصية أخرى في الحكاية : لا تتكلم ، لكنها ترفض أن تنسى ، وليس من المصادفة أن يكون الصراع على الأرض متصلًا دائمًا بالصراع على اللغة ، فالذي يغيّر اسم المكان لا يغيّر كلمة فحسب ، وإنما يحاول نقل المكان من ذاكرة إلى ذاكرة ، والذي يعيد تسمية طبق أو شجرة أو مدينة ، يحاول أن يجعل الأصل يبدو كأنه ترجمة متأخرة ، لا مصدرًا أولًا ، ومن الأرض تقودنا الذاكرة إلى اللغة ، ومن اللغة إلى المعرفة ، فالعربية ، مثل الأرض ، مرت عبر تاريخها بلحظات ظن فيها كثيرون أنها فقدت قدرتها على النهوض ، لكنها كانت تعود كل مرة من مكان آخر ، وفي العصر العباسي ، لم تكن حركة الترجمة مجرد عبور للنصوص من لغة إلى أخرى ، بل كانت عبورًا للعقل نفسه ، دخلت الفلسفة والطب والفلك والرياضيات وغيرها إلى العربية ، ثم لم تبقَ كما جاءت ؛ إذ أعيد تأليفها وهضمها وإنتاجها داخل بيئة معرفية جديدة ، وفي ذلك السياق أسهم الإمام الشافعي في تأسيس علم أصول الفقه ، فيما شهدت الحضارة العباسية حركة واسعة في الترجمة والتأليف والمناظرة ، كانت العربية يومها لا تستقبل العالم لتذوب فيه ، بل تستقبله لتعيد التفكير فيه بلغتها .

ثم جاءت قرون من الانقطاع والتراجع ، وتغيرت شروط المعرفة ومراكزها ، لكن اللغة لم تُدفن ، فاللغات ، مثل الأشجار ، قد تدخل الشتاء طويلًا ، لكنها لا تموت بالضرورة ؛ يكفي أن يبقى في جذورها شيء من الحياة ، لهذا تبدو أفريقيا امتدادًا آخر لهذه الحكاية ، فقد حمل الاستعمار الأوروبي معه لغاته إلى مؤسسات الدولة والتعليم والإدارة ، واستمرت الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية ، بدرجات مختلفة ، في لعب أدوار مركزية في عدد من البلدان الأفريقية بعد الاستقلال ، وفي المقابل تراجعت لغات كثيرة إلى هامش المدرسة والإدارة وإنتاج المعرفة ، أما العربية ، فقد كانت لها في أفريقيا حياة أقدم من الاستعمار الأوروبي ؛ حملها التجار والعلماء والفقهاء والرحالة ، وارتبطت بها مدارس ومخطوطات وطرق للتعليم والثقافة ، ولا سيما في شمال القارة وأجزاء من الساحل ، ولذلك فإن انحسار حضورها في بعض المجالات لا يمكن فصله تمامًا عن التاريخ الطويل الذي أعاد توزيع اللغات ومراكز القوة والمعرفة .

لكن المسألة ليست أن تنتصر العربية على الفرنسية أو الإنجليزية ، ولا أن تحل لغة محل أخرى ، فاللغة التىّ تحتاج إلى إلغاء غيرها كي تثبت وجودها تكون قد خسرت شيئًا من قوتها قبل أن تبدأ ، المسألة أبسط وأعمق : من حق الشعوب أن تنتج المعرفة بلغاتها ، لا أن تكتفي باستخدام لغات الآخرين للوصول إليها ، فاللغة لا تعيش بمجرد أن يتحدث بها الناس ، تعيش حين يكتبون بها العلم ، والفلسفة ، والأدب ، ويختلفون بها ، ويحلمون بها ، ويتركون للأجيال القادمة ما يكفي كي تعرف أنها لم تبدأ من الصفر .

بل ما قام به ، وبعيدًا عن كل الأموال التىّ أنفقها وسينفقها على مشروعه الهادف إلى تغيير الواقع على الأرض وتحتها ، ليس إلا محاولة أخرى لإعادة صياغة المكان واقتلاع ما يشهد على أصله ، لكن الأرض لا تنسى دماء أبنائها ، وحين غطّت زهرة النعمان الأرض الفلسطينية بألوان دمائها ، بدا اسم النعمان بن المنذر ، ملك الحيرة ، وكأنه يعود من عمق التاريخ ليذكّر بأن الأسماء العربية أبقى من محاولات محوها ، فكل زهرة من شقائق النعمان تحمل في اسمها تحوّلًا من «أحمد» إلى «النعمان»، وكأن الاسم نفسه يعبر الزمن ولا يفقد جذره ، فهل يستطيع الاستيطان أن يقتلع الزهور جميعها ؟

ولذلك يعود الزيتون إلى مكانه الأول : شاهدًا على الأرض وذاكرتها ، قد تُقتلع الشجرة ، لكن لا يُقتلع بسهولة الاسم الذي أعطاها إياه الإنسان ، ولا الحكاية التىّ نسجها حولها ، ولا اللغة التىّ وصف بها ظلها ، وقد تتغير الخرائط ، لكن الذاكرة لا تقرأ الخرائط وحدها ؛ فالأرض ليست ما تقوله وثيقة الملكية فقط ، والثقافة ليست ما تقوله الترجمة ، والتاريخ ليس ما يكتبه المنتصر وحده ، وسيظل الزيتون ينطق بالعربية ، كما تنطق الأرض بأسمائها الأولى .

إنها أشياء أكثر عنادًا من ذلك كله .

وفي النهاية ، لا يحتاج الفلسطيني إلى أن يكون حاضرًا في كل مكان كي يمنع غيابه ؛ يكفي أن يبقى في اللغة ، في اسم شجرة ، في طعم طعام ، في حجر بيت ، وفي حكاية تنتقل من فم إلى فم .

فالذي يبقى في اللغة لا يغيب تمامًا عن الأرض .

والذي يحافظ على لغته لا يحافظ على الماضي وحده ؛ بل يترك لنفسه مكانًا في المستقبل … والسلام 🙋‍♂ ✍



#مروان_صباح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من هرمز إلى باب المندب: فوضى الحقيقة وأزمة الطاقة العالمية & ...
- حين يتعلم الطفل النفاق:من براءة الفطرة إلى ثقافة الخوفԅ ...
- سبّاك في قمرة القيادة : مسرحية صهيونية ✈ بين عقد اللحم ...
- كيف يستطيع الرجل أن يعشق💔مرة أخرى؟
- من بن غفير إلى سد النهضة : الكولونيالية المتجددة وفلسطين في ...
- ما الذي نحبه حين نقع في الحب♥؟ - تأملات في الصمت والإن ...
- كينيدي🇺🇸وعبد الناصر : عندما يصطدم سؤال الحري ...
- حين تصبح الحوافز بديلاً عن الأخلاق -الكذب🤥واقتصاد ال ...
- لماذا😶لم تنسحب طالما طالبت بانسحاب الجبناء؟ …
- الدبلوماسية الفكرية🙇‍♂ - كيف تعبر الفكرة من با ...
- الصين 🇨🇳 والعرب : لماذا نجحت النهضة هناك وتع ...
- من «مدرسة أثينا» إلى مطبخ الخادمات👨‍🍳: مَن ي ...
- العقيدة أمام الجغرافيا: من غزة إلى الصومال🇸🇴 ...
- الفقر : الجريمة التىّ لا تُحاكَم⚖…انعكس مقولة عمر بن ا ...
- من نهفات الحرب على إيران: باب المندب🚪... حيث يدفع ال ...
- السأم😴: من أزمة الفرد إلى مأزق المجتمع …
- الاصطدام العربي الإيراني:بين لعبة الأمم 🇺🇳 و ...
- صمتُ العقلاء 🤫 : حين يصير السكوتُ لغةً للمعرفة …
- من جغرافيا الطاقة⛽إلى جغرافيا الذكاء🤖…
- بين معطف🧥غوغول وصراع النظريات:جدلية المبدأ والنتيجة ...


المزيد.....




- -شدونا بحبل طويل لمنعنا-.. آبي أحمد يتحدث عن -ضغوط- على إثيو ...
- -حلف مكة-: بدء التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع المشترك واتخا ...
- السلطات التركية: بلاغ عن متفجرات على متن طائرة متجهة من أنقر ...
- بعد تصريحات بشأن سيناء.. رسالة مصرية ترفع سقف التحذير لإسرائ ...
- نتنياهو يتوعّد بملاحقة المشاركين في هجوم 7 أكتوبر: سنواصل ضر ...
- إيران: نجحنا في تعطيل -ستارلينك- خلال احتجاجات يناير
- اشتباكات في مدن فرنسية مع استمرار احتجاج الطلاب على تمويل ال ...
- هل تنجح القوات الحكومية في استعادة مناطق خسرتها أمام الحوثيي ...
- مساعد طيار فلاي دبي يعتزم تحطيم الطائرة في مطار تل أبيب
- دمشق تبرم اتفاقاً استثمارياً ضخماً مع -إيغل هيلز- الإماراتية ...


المزيد.....

- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مروان صباح - حين تستوطن اللغة قبل الأرض🌲🫒 …