|
|
فرنسا بين ثقافة العنف وفقدان الدولة لمعناها
عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)
الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 20:00
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تعيش فرنسا منذ أيام انتفاضة تلاميذ الثانويات، بدأت من مؤسسة تعليمية في "كريتاي" ثم امتدت إلى مدن ومناطق عدة، حيث خرج المراهقون احتجاجًا على نقص المدرسين، واكتظاظ الأقسام، وثقل جداول الدراسة، وتدهور المباني، ونقص الممرضين والمساعدين الاجتماعيين، والضغط الذي تفرضه منصة "باركورساب" (المنصة الوطنية الإلكترونية للقبول في الجامعات والمعاهد العليا على التلاميذ المقبلين على التعليم العالي). بدأت الحركة في 21 سبتمبر 2026، ثم اتسعت سريعًا. وبحسب المعطيات المنشورة يوم الجمعة 2 أكتوبر 2026، طالت الاضطرابات أكثر من ألف ثانوية، وأُغلقت نحو أربعمائة منها. ويحمل هذا التحرك دلالة تتجاوز مطالبه المباشرة. فحين ينزل الأطفال والمراهقون إلى الشارع احتجاجًا على المدرسة، فإن الأمر يكشف وصول الأزمة الاجتماعية إلى جيل كان يفترض أن يكون بمنأى عن صراعات الشارع.
ذاكرة العنف الثوري وثقافة الاحتجاج
يصعب فهم علاقة فرنسا بالاحتجاج من دون استحضار الذاكرة العنيفة التي طبعت تاريخها السياسي. فلقد قامت "الثورة الفرنسية" سنة 1789 على إسقاط النظام الملكي القديم، وشهدت اقتحام "الباستيل"، والمجازر الثورية، والمحاكم الاستثنائية، والإعدامات بالمقصلة، وإرهاب "اليعاقبة"، والقمع الدموي للثورات المضادة. وفي تلك السنوات الدامية، تحولت "العدالة الثورية" إلى سلطة إقصاء وقتل، وتحول العنف، في بعض مراحلها، إلى وسيلة لإعادة تأسيس الشرعية السياسية.
تكررت هذه الخبرة في "كومونة باريس" سنة 1871. فقد أقامت الكومونة أول تجربة عمالية ثورية في العاصمة، وانتهت خلال "الأسبوع الدموي" بسحق الجيش لها وقتل أعداد كبيرة من أنصارها. ومنذ ذلك التاريخ، ظل الفضاء العام في فرنسا محلًا للافتكاك وميدانًا للصراع السياسي: الشوارع، والساحات، والمتاريس، والمباني العمومية، ووسائل النقل العمومي.
لا تقتصر خصوصية العنف السياسي الفرنسي على أحداث الثورة والكومونة، بل تمتد إلى تاريخ طويل من قتل الملوك وإسقاط رموز السلطة. فلقد اغتيل "هنري الثالث" سنة 1589، وقُتل "هنري الرابع" سنة 1610، وانتهى مسار الملكية بإعدام "لويس السادس عشر" بالمقصلة سنة 1793، وأُعدمت "ماري أنطوانيت" في العام نفسه. ونُفي "نابليون بونابرت" بعد سقوط إمبراطوريته، ثم انتهى حكم "نابليون الثالث" بعد هزيمته وأسره سنة 1870. كما هرب كل من "شارل العاشر" و"لويس فيليب الأول" بعد ثورتين أطاحتا بحكميهما، وأنهى انقلاب لويس نابليون بونابرت سنة 1851 الجمهورية الثانية ومهّد لإقامة الإمبراطورية الثانية، وقُتل الرئيس "كارنو" عام 1894. وتكشف كل هذه الوقائع عن علاقة تاريخية مضطربة بين الشارع والسلطة في هذا البلد، وعن استعداد العنف السياسي للانتقال من الاحتجاج على سياسات الحاكم إلى استهداف الحاكم نفسه.
لذلك لا يمكن فهم احتجاجات تلاميذ المعاهد اليوم من دون فهم تاريخ الحراك الثوري الذي شهدته فرنسا، في الحد الأدنى، بعد الحرب العالمية الثانية. فالمشهد الراهن ينتمي إلى ثقافة سياسية تراكمت فيها الانتفاضات، وسقوط الحكومات، واحتلال الساحات، وإغلاق المؤسسات، ومواجهة قوات الأمن، وتحويل الشارع إلى مجال لإعادة توزيع القوة. فبالإضافة إلى تاريخ العنف القديم في "الثورة الفرنسية"، وتعاقب الجمهوريات والانقلابات والانتقالات النظامية، و"كومونة باريس"، هنالك العنف الحديث الذي رافق الجمهورية الخامسة، ولعل أبرز مظاهره:
* مظاهرات 17 أكتوبر 1961، وهي مظاهرة شارك فيها آلاف الجزائريين في باريس احتجاجًا على حظر التجول التمييزي. وقمعتها الشرطة الفرنسية، بأوامر من مدير الأمن "موريس بابون"، بقوة شديدة، فسقط قتلى وجرحى، وأُلقي عدد من الجثث في نهر السين. ولا تزال الحصيلة الدقيقة للقتلى موضع نقاش بين المؤرخين، بينما تتفق المصادر على الطابع الدموي للقمع.
* أحداث محطة مترو شارون في 8 فيفري 1962، حين خرجت مظاهرة ضخمة في باريس ضد منظمة الجيش السري والحرب في الجزائر. وأدى التدخل الأمني العنيف للشرطة عند مدخل محطة مترو "شارون" إلى سحق المتظاهرين وتدافعهم، مما أسفر عن مقتل 9 أشخاص، معظمهم من النقابيين والشيوعيين.
* انتفاضة ماي 1968، وهي المحطة الأضخم. بدأت باحتجاجات طلابية في جامعة السوربون، ثم تحولت إلى إضراب عام شل فرنسا بالكامل بمشاركة ملايين العمال. وشهدت شوارع الحي اللاتيني في باريس مواجهات واسعة، وإقامة متاريس، وصدامات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن، خلفت آلاف الجرحى من الطرفين.
* احتجاجات عمال مصانع الفولاذ والتعدين سنة 1979، حين شهدت منطقة لوران وباريس مسيرات لعمال التعدين والصلب احتجاجًا على خطط إعادة الهيكلة وتسريح العمال. وتخللتها مواجهات مع الشرطة وأعمال تخريب طالت مباني إدارية ومتاجر.
* احتجاجات مشروع قانون دوفيكيه في نوفمبر وديسمبر 1986، وهي انتفاضة طلابية عارمة ضد مشروع قانون لإصلاح الجامعات. وتخللت الاحتجاجات مواجهات في باريس وأعمال تخريب للممتلكات من جانب مجموعات من المحتجين. وبلغت الأزمة ذروتها مع مقتل الطالب "مالك أوسكين" في 6 ديسمبر 1986 بعد تعرضه للضرب المبرح على يد وحدة شرطة (Voltigeurs)، وهو ما دفع الحكومة إلى سحب المشروع وحل تلك الوحدة الأمنية.
* اضطرابات "الضواحي" سنة 2005، وهي انتفاضة شبابية اندلعت في ضواحي باريس والمدن الكبرى بعد وفاة شابين صعقًا بالكهرباء أثناء اختبائهما من الشرطة في مدينة "كليشي سو بوا". ورافقت الأزمة أعمال عنف واشتباكات وحرق آلاف السيارات، مما عكس حالة الاحتقان ضد التهميش الاجتماعي، والبطالة، والتعامل الأمني للشرطة في الأحياء الفقيرة.
* حركة "السترات الصفراء" بين 2018 و2019، وهي احتجاجات شعبية عفوية انطلقت في البداية رفضًا لفرض ضريبة بيئية جديدة على أسعار الوقود. ثم تطورت سريعًا إلى حراك أوسع ضد تراجع القوة الشرائية، والسياسات الضريبية للحكومة، والفجوة بين الطبقات الكادحة في الأقاليم والنخبة السياسية. وقد تميزت الحركة بإغلاق الدوارات، ومظاهرات أسبوعية شهدت أعمال تخريب وصدامات عنيفة مع الشرطة.
* احتجاجات سنة 2023، وقد شهد ذلك العام موجتين رئيسيتين من الاضطرابات:
1. أزمة التقاعد في النصف الأول من العام، وهي احتجاجات نقابية وشعبية وإضرابات شلت قطاعات حيوية رفضًا لرفع سن التقاعد القانوني من 62 إلى 64 عامًا. وزاد من حدة المواجهات استخدام الحكومة للمادة الدستورية 49.3 لتمرير القانون دون تصويت البرلمان.
2. اضطرابات الصيف بين جوان وجويلية، وهي أعمال تخريب واسعة النطاق استهدفت مباني حكومية ومتاجر، اندلعت إثر مقتل الفتى "نائل مرزوق" برصاص شرطي أثناء نقطة تفتيش مرورية في ضاحية "نانتير"، مما أعاد إشعال ملف عنف الشرطة والتوتر المزمن في الضواحي.
إذن نحن اليوم إزاء حلقة جديدة مختلفة داخل ذاكرة احتجاجية واحدة، تتقاطع أسبابها الاجتماعية والسياسية مع أسباب الحركات السابقة، ومن المرجح أن تكون لها نتائجها التاريخية.
لقد توارثت الثقافة السياسية الفرنسية عقلية ثورية ترى في احتلال الفضاء العام وسيلة لإجبار السلطة على الاعتراف بالمطالب. إذ يؤدي تعطيل الطرق، وإغلاق المدارس أو الجامعات، وإقامة الحواجز، والتجمع أمام المؤسسات، وظيفة سياسية تتجاوز التعبير الرمزي، بحيث تنقل النزاع من قاعات المؤسسات إلى ميزان القوة في الشارع.
هذا الإرث يفسر استمرار الاحتجاج كأداة سياسية، ويشرح حضور العنف في بعض محطاته. وإحراق مدرسة، وتدمير حافلة، ومهاجمة رجال الإطفاء، وتعريض المارة للخطر، أفعال لا يمكن تصنيفها إلا كاعتداء على المجتمع نفسه، مهما كانت المظالم التي فجّرتها.
أزمة التمثيل ومنطق الدولة الجاف
يمكن فهم التعامل الأمني العنيف مع تظاهرات تلاميذ المعاهد ضمن ما يمكن تسميته "منطق الدولة الجاف". هذا المنطق يرتبط بتحولات عميقة في بنية السلطة والمجتمع، وبأزمة الديمقراطية التمثيلية التي تراجعت فيها قدرة الأحزاب التقليدية والنقابات على نقل المطالب الاجتماعية إلى السلطة وامتصاص غضب الشارع. ويؤدي ضعف الوسائط واختفاء القنوات المدنية إلى مواجهة مباشرة بين السلطة والجماهير. وحين تفقد الدولة قنوات التفاوض التي كانت تسمح بتحويل الاحتجاج إلى مطالب منظمة ومسارات سياسية، يقع الصدام المباشر بين سلطة الدولة وقوة الاحتجاج، ويظهر الشارع باعتباره المجال الذي تتواجه فيه السلطة الرسمية، الساعية إلى الحفاظ على النظام، والحركة الاحتجاجية، الساعية إلى فرض مطالبها وإعادة فتح قنوات التفاوض.
هنا يجب التذكير بأن أزمة الاحتجاج الحالية، كما سابقاتها، ترتبط بتراجع "دولة المرفق العام". فالتلاميذ والشباب يرون أن مؤسسات التعليم والصحة والنقل تعاني نقص الموارد والموظفين، وأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية تضعف قدرتها على أداء وظائفها. ويولد هذا الوضع قلقًا واسعًا بشأن المستقبل، إذ يصبح التعليم مرتبطًا بصعوبة التوظيف، وتصبح الخدمات العامة أقل قدرة على ضمان المساواة بين المواطنين.
من جهة أخرى، يمنح النظام السياسي الفرنسي رئيس الجمهورية والسلطة التنفيذية صلاحيات واسعة، تتيح استخدام أدوات دستورية مثل "المادة 49.3" (التي تسمح للحكومة بتبني قانون دون تصويت البرلمان، وتعد رمزًا لتركيز السلطة وتجاوز التمثيل النيابي). ويسهم تركيز السلطة في اعتماد استراتيجية عمودية لفرض النظام، بدل بناء تفاوض أفقي مع الحركات الاجتماعية. ويترجم هذا الخيار ميدانيًا بمنطق يرى في الاحتجاج تهديدًا لهيبة الدولة وسيادتها.
العقيدة الأمنية والخوف من عدوى الاحتجاج
يمثل المراهقون والشباب الكتلة الأكثر حركية في الاحتجاجات، والأسرع تأثرًا بصور العنف وبانتقال الغضب من مؤسسة إلى أخرى. وتخشى السلطة من أن تتحول الاحتجاجات المحدودة إلى حراك وطني واسع يعطل البلاد، لذلك اندفعت إلى استعمال القوة في مراحل مبكرة بهدف الردع النفسي ومنع توسع الحركة. ويمكن تفسير ذلك بعجز الحكومة عن تقديم حلول مكلفة ماديًا في ظل عجز الميزانية، بحيث أصبحت تميل إلى تقديم الحل الأمني على الحلول السياسية والاجتماعية. وهكذا تعمل قوات الأمن ضمن تصور يجعلها خط الدفاع الأخير عن "الجمهورية" في مواجهة الفوضى. ويؤدي هذا التصور إلى إسقاط صفتي "الطفل" و"التلميذ" عن المحتج، وتحويله في الوعي الأمني إلى عنصر شغب ينبغي تحييده. وعندما تتقدم المقاربة الأمنية على التواصل والتفاوض، يصبح الاحتجاج موضوعًا للضبط قبل أن يكون تعبيرًا عن مطالب اجتماعية.
تقوم عقيدة حفظ النظام الفرنسية على المواجهة والردع الحازم، والحفاظ على المسافات، واستخدام الغازات والقنابل الصوتية في بعض الحالات. وقد تعرضت هذه العقيدة لانتقادات متكررة، خصوصًا بسبب اتساع الفجوة بينها وبين مقاربات أوروبية أخرى، كألمانيا والمملكة المتحدة، تركز على التواصل مع المحتجين وخفض التصعيد والاحتواء المرن.
في معركة التلاميذ الجارية حاليًا، تكتسب الصور الصادمة قدرة كبيرة على إعادة إنتاج العنف. وتُحفر بعض المشاهد في ذاكرة جيل كامل. وعلى سبيل المثال، ظلت حادثة توقيف تلاميذ في "مانت لا جولي" سنة 2018، حين ظهر عدد منهم راكعين وأيديهم على رؤوسهم، راسخة في ذاكرة شبابية جماعية تحيل على معنى إذلال الجماهير الناشئة وتلقينها حدود القوة. وتضاعف وسائل التواصل الاجتماعي سرعة انتشار هذه الصور. وتعمل منصات مثل "تيك توك" و"إنستغرام" كمضخم فوري للغضب، إذ تنشر مشاهد العنف خلال دقائق، وتولد شعورًا جماعيًا بالمظلومية، وتحفز الشباب على الحشد والمحاكاة الميدانية دون حاجة إلى تنظيم قيادي تقليدي.
ضحايا الاحتجاج ورموز الغضب: من "مالك أوسكين" إلى "نائل مرزوق"
ارتبطت محطات أساسية من الاحتجاج الفرنسي الحديث بأسماء ضحايا تحولوا إلى رموز جماعية. ففي سنة 1986، كان الاسم هو "مالك أوسكين"، الطالب الذي توفي إثر تعرضه للضرب على أيدي عناصر من "فرقة الدراجين". أحدثت وفاته صدمة وطنية واسعة، وتحولت قضيته إلى رمز للخوف من الاستخدام المفرط للقوة، وللقلق من أن يتحول حفظ النظام إلى اعتداء على المحتجين.
بعد ذلك، في سنة 2005، اندلعت احتجاجات واسعة بعد وفاة شابين في "كليشي-سو-بوا"، عقب اختبائهما من الشرطة داخل محطة كهرباء. وخرج الغضب من "الضواحي"، واختلطت فيه مشاعر التهميش والبطالة والتمييز وسوء الخدمات وانعدام الثقة في مؤسسات "الجمهورية".
أما في سنة 2023، فقد أصبح اسم "نائل مرزوق" رمزًا جديدًا. أدت وفاته برصاص شرطي أثناء مراقبة مرورية في "نانتير" إلى اضطرابات واسعة في مدن فرنسية كثيرة. حملت الحادثة، في وعي قطاعات واسعة من الشباب، أسئلة تتعلق بالمساواة أمام القانون، وبعلاقة الشرطة بسكان "الضواحي"، وبحدود القوة التي تملكها الدولة.
هكذا تتكرر البنية الرمزية نفسها: فوفاة شاب تتحول إلى عنوان لغضب متراكم. وتكشف الضحية، في هذه الحالة، أزمة أعمق من الواقعة التي أدت إلى وفاتها، هي "أزمة علاقة" بين الدولة وجزء من مواطنيها، خصوصًا في الأحياء الشعبية.
التّراجع الخارجي والحصن الداخلي
لا يجب أن ننسى أن فرنسا تعيش ضغوطًا جيوسياسية متزايدة، مع تراجع نفوذها التقليدي في أجزاء من "أفريقيا"، وصعود أقطاب دولية جديدة، وما رافق ذلك من ضغوط اقتصادية. وقد يؤثر هذا التراجع الخارجي في صورة الدولة عن نفسها وفي الطريقة التي تحاول بها إظهار قوتها أمام الداخل. وفي بعض الحالات، قد تدفع الضغوط الخارجية النخب الحاكمة إلى التشدد في إبراز السيادة والاستقرار الداخليين. وتخشى النخبة الحاكمة أن يرسل أي مظهر من مظاهر الضعف أمام الشارع إشارات سلبية إلى الشركاء والمنافسين الدوليين. لذلك ينظر إلى الحفاظ على الاستقرار الداخلي كشرط لتظل فرنسا "دولة قوية" على المستوى الأوروبي والدولي.
تظهر الدولة هنا في صورة "حصن داخلي" يركز على حفظ النظام وإظهار السيطرة، بينما تتراجع قدرتها على تقديم تنازلات اجتماعية كبرى نتيجة الضغوط الاقتصادية. ويتحول احتكار العنف المشروع إلى أداة لتعويض ضعف الإقناع السياسي والاجتماعي.
والحقيقة أن هذه المفارقة التي تتجلى في التاريخ السياسي الفرنسي، وفي العديد من التجارب العالمية، بما في ذلك تونس، تستحق التأمل والدراسة، وتتمثل في التناسب العكسي بين قوة الدولة واستخدامها للعنف. فالدولة القوية بمؤسساتها وقنواتها المدنية والاجتماعية والتربوية هي التي تملك القدرة على فتح قنوات التواصل المستمر مع شعبها، واحتواء بؤر الاحتقان والاحتجاجات الشعبية عبر الاستجابة العقلانية والمادية لقدر معقول من المطالب المشروعة. هذا النضج المؤسسي والسياسي يسمح للدولة بـ"الاقتصاد في العنف" وتفادي التورط فيه، باعتباره خيارًا مكلفًا ومعبّرًا عن خلل في البنية الحوارية.
في المقابل، كلما ترهلت قدرات الدولة وضعفت بنية نظامها السياسي، سواء بسبب عجزها المالي والاقتصادي عن توفير الإجابات المادية لمتطلبات عيش شعبها، أو بسبب انسداد قنواتها السياسية، وكلما عجزت عن مخاطبة الجماهير واحتوائها وزرع الأمل في النفوس وفتح آفاق حقيقية للمستقبل، وجدت السلطة نفسها مدفوعة بضعفها وخوفها من فقدان السيطرة إلى استخدام مفرط للقوة. وعندئذ تتحول أدوات حفظ الأمن إلى وسائل قمع مفرط، وتصبح ضراوة العنف مؤشرًا على ضعف السلطة وهشاشتها، لا على قوة الدولة وهيبتها.
من "السترات الصفراء" إلى انتفاضة التلاميذ
جاءت حركة "السترات الصفراء" لتكشف مسارًا آخر من مسارات الأزمة. بدأت الحركة احتجاجًا على رفع أسعار الوقود، ثم توسعت إلى اعتراض على الضرائب، وغلاء المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وابتعاد الدولة عن المناطق الريفية وشبه الحضرية.
كان المشاركون عمالًا وموظفين وأصحاب دخول محدودة وسكانًا يشعرون بأن الدولة لا تراهم إلا عندما يغلقون الطرقات أو يحتلون "الدوارات المرورية" (أي تقاطع الطرق) التي تحولت إلى فضاءات رمزية للاحتجاج المفتوح في الشوارع. ولأنها لم تنطلق بقيادة حزب سياسي أو نقابة مركزية، فقد أظهرت هشاشة القنوات والوسائط المدنية التقليدية ذات القدرة على التأطير، التي كانت تنقل المطالب الاجتماعية إلى السلطة. كما أوضحت الحركة أن الاحتجاج يتغذى من فجوة متزايدة بين الدولة والمجتمع. فالمواطن يدفع الضرائب، ويعمل، ويتحمل ارتفاع الأسعار، لكنه يواجه في المقابل تراجع الخدمات، وصعوبة الوصول إلى العلاج والسكن والنقل. وقد كشفت دراسات ميدانية أن جزءًا مهمًا من المشاركين كان يعيش صعوبات مالية حقيقية، ويشعر بتراجع الخدمات العامة.
تمنح انتفاضة التلاميذ الحالية الأزمة معنى أكثر خطورة. فقد كانت الاحتجاجات السابقة تنطلق غالبًا من طلاب جامعات أو عمال أو سكان "الضواحي" أو فئات مهنية. أما الحركة الراهنة فقد دفعت تلاميذ تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عامًا إلى إغلاق مؤسساتهم ومواجهة الشرطة.
بدأت الحركة في ثانوية "سانت إكزوبيري" في "كريتاي"، حيث ظهرت مشكلات تتعلق بالوظائف التعليمية غير المشغولة ونقص الموارد. ثم انتقلت إلى مؤسسات أخرى، وتوسعت مطالبها لتشمل نقص المدرسين والعاملين، واكتظاظ الأقسام، وتهالك المباني، وطول ساعات الدراسة، وغياب الممرضين والمساعدين الاجتماعيين، وغياب الكتب والمعدات التعليمية. وفي بعض المؤسسات، تحدث التلاميذ وأولياؤهم عن درجات حرارة مرتفعة جدًا داخل الأقسام، وعن غياب مياه الشرب، وعن مبان وأقسام غير صالحة. وتكمن خطورة هذه الحركة في أن التدهور بلغ مرحلة صار فيها الأطفال أنفسهم يدركون أن المؤسسة التي يفترض أن تفتح لهم المستقبل عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية. ففي حين تمثل المدرسة في المخيال الجمهوري الفرنسي وعدًا بالمساواة والترقي الاجتماعي، يجد التلميذ داخلها قسمًا مكتظًا، وأستاذًا غائبًا، ومبنى متداعيًا. وهذا الوضع اختبار ميداني ملموس لانهيار الوعد الجمهوري في حياته اليومية. ذلك أن أوضاع الدراسة المتهالكة دفعت التلاميذ إلى النزول إلى الشارع قبل أن يدخلوا عالم العمل، وقبل أن يمارسوا المواطنة السياسية الكاملة. ومعنى ذلك أن غضبهم يكشف امتداد الأزمة إلى الجيل الذي يفترض أن يستفيد من ثمار الدولة الاجتماعية، وأن هذا الجيل بدأ حياته العامة من موقع الاحتجاج والشك في المؤسسات. لذلك سرعان ما اتسعت الحركة، وظهرت أعمال عنف. واشتَبك بعض المحتجين مع الشرطة، وأُحرقت حاويات، وأُطلقت مقذوفات، وأُغلقت مؤسسات.
تضم الحركة أغلبية من التلاميذ الذين خرجوا للمطالبة بمدرسة أفضل، إلى جانب مجموعات من المهمشين انخرطت في التخريب والمواجهة. ويحتاج التلاميذ إلى الاستماع والحماية والمساءلة التربوية، وتحتاج المطالب الأصلية إلى معالجة سياسية واجتماعية واضحة، لأن الأزمة سياسية واجتماعية في أصلها وجوهرها. وتتقاطع أسباب انتفاضة التلاميذ مع أسباب الاحتجاجات السابقة، فيما يتمثل الجديد في تفاقم تراجع دور الدولة في التعليم والصحة والنقل والسكن والأمن. إذ تعاني المدارس نقصًا في المدرسين، وتعاني المستشفيات نقصًا في العاملين، وتواجه الشرطة ضغطًا متزايدًا، بينما تتراجع قدرة الأسر على تحمل تكاليف الحياة.
وتتسع الفوارق بين المدن الغنية والضواحي، وبين المؤسسات التعليمية، وبين أبناء الأسر القادرة على تعويض نقص المدرسة بالدروس الخصوصية وأبناء الأسر التي لا تملك هذا الخيار. وتتراكم هذه الفوارق داخل بلد من أغنى دول العالم، وهو ما يجعل الإحساس بالظلم أكثر حدة. فالفقر في دولة فقيرة يخلق شعورًا بالحرمان النسبي، لكنه يخلق شعورًا بالعار في دولة غنية، إذ يرى المواطن الثروة حوله، لكنه لا يجد نصيبه منها في المدرسة أو المستشفى أو السكن أو النقل.
تعبر كل هذه الاحتجاجات عن أزمة دولة اجتماعية فقدت جزءًا من قدرتها على الوفاء بوعودها. فهي تنفق، وتسن القوانين، وتعلن الإصلاحات، لكنها تعجز عن ضمان الحد الأدنى من الأداء اليومي للمؤسسات. ومن هنا تأتي أزمة الثقة: المواطن لا يقيس الدولة بخطابها، بل بوجود الطبيب والمدرس والحافلة والممرض والموظف.
"فرنسا الأبية" ودورها في احتواء الغضب الاجتماعي
أصبح حزب "فرنسا الأبية" هدفًا رئيسيًا لاتهامات الحكومة والأحزاب اليمينية بتأجيج الاحتجاجات، وباستغلال تحرك التلاميذ، وبمحاولة تحويل مطالب مدرسية إلى مواجهة سياسية. وهي اتهامات تختزل الحركة في فاعل حزبي وتتجاهل طبيعتها ومصادرها وأسبابها الاجتماعية. فقد بدأت من المطالب اليومية المعيشية، إذ ارتبطت بنقص المدرسين والموارد، ثم انتشرت أفقيًا عبر مؤسسات ومناطق مختلفة. وتؤكد المعطيات المتداولة أن التحركات التلاميذية تشكلت عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومن خلال مبادرات محلية.
في المقابل، تسعى "فرنسا الأبية" إلى كسب الشباب المحتجين وإلحاقهم بصفوفها، وهذا جزء من طبيعة التنافس السياسي. غير أن حضورها في هذه اللحظة يؤدي وظيفة تتصل باحتواء الغضب، وتنظيم المطالب، وفتح الطريق أمام التفاوض والحل السياسي. وقد دعا قادتها إلى حماية التلاميذ، وإلى استمرار التعبئة مع التشديد على الوسائل غير العنيفة.
من المعلوم أن الحركات الشبابية، في ظل غياب قنوات تمثيل واضحة، تحتاج دائمًا إلى طرف سياسي يستطيع مخاطبتها والتواصل معها ودفعها نحو التنظيم والتفاوض. وهذا الاحتواء السياسي، الذي تقوم به "فرنسا الأبية، يكتسب أهمية خاصة، لأنه يخفّض العنف ويمنع التخريب، ويقف سدًا أمام تحول الاحتجاج إلى تمرد متصاعد بفعل القمع. وقد تصل الأمور، عند بلوغ عتبة اللاعودة، إلى نزول الطلبة والأولياء وعموم الفئات الشعبية إلى الشارع تضامنًا مع تلاميذ المعاهد، فتنتقل المواجهة إلى صدام واسع وكارثة اجتماعية وسياسية.
يبدو تحميل "ميلونشون" مسؤولية السياسات الفاشلة وتحويله إلى سبب للاحتجاجات محاولة يائسة لتبسيط أزمة عميقة. فقد سبقت الحركة مشكلات متراكمة في التعليم والخدمات العامة وعلاقة الدولة بالمجتمع. وفي المقابل، يبدو أن "ميلونشون" كان من أكثر السياسيين انتباهًا إلى مآلات الأزمة، حين حذر منذ سنوات من "الثورة المواطنية" ومن تراكم الغضب خارج الأطر الحزبية التقليدية.
تستطيع "فرنسا الأبية" تحويل الغضب إلى برنامج سياسي، كما تستطيع الدولة استثمار وجودها كقناة تفاوضية بدل دفع حركة الاحتجاج إلى مزيد من الراديكالية. وكلما جرى التعامل مع هذا الحزب الجماهيري المؤثّر، بوصفه طرفًا سياسيًا قادرًا على التواصل مع المحتجين، ازدادت فرص السلطة في نقل الاحتجاج من الشارع إلى الحوار، ومن المواجهة إلى الحلول المؤسسية.
أزمة المعنى وفقدان الدولة قدرتها على الاستباق
المشكلة الأعمق أن السلطة الفرنسية القائمة بدأت تفقد معنى الدولة والقدرة على التوقع والاستباق، إلى درجة أنها لا تتحرك إلا بعد "وقوع الفأس في الرأس".
كانت الدولة، في المخيال الجمهوري، تعني المساواة والتعليم والصحة والأمن والعدالة والنقل. أما اليوم، فيرى المواطن دولة قوية في قدرتها على المراقبة والعقاب، ضعيفة في قدرتها على ضمان الخدمات الأساسية. فيحضر الشرطي في اللحظة التي يقع فيها الاحتجاج، بينما يغيب المدرس في القسم، والممرض في المؤسسة، والمساعد الاجتماعي عن الحي، والحافلة عن المنطقة، والسكن الملائم عن الأسرة. هذا التفاوت بين حضور الدولة الأمني وغيابها الاجتماعي يضعف شرعيتها.
يرتبط عجز الدولة عن التفاوض بعجزها عن تقديم حلول تحسن حياة الناس بصورة ملموسة. فعندما لا تملك السلطة الموارد أو الإرادة أو الرؤية الكافية لإصلاح المدرسة والصحة والنقل والسكن، يصبح التفاوض صعبًا. وعندما يصل الاحتجاج إلى الشارع، تفضّل السلطة أحيانًا اختزاله في مشكلة أمنية أو حزبية، لأن الاعتراف بجذوره يحمّلها مسؤولية سياسية مباشرة. ويزداد هذا العجز وضوحًا وفداحة عندما تتعامل الطبقة السياسية الحاكمة مع احتجاجات التلاميذ وكأنها حادثة مفاجئة نزلت من السماء. فقد عرفت فرنسا خلال عقود متتالية احتجاجات طلابية وشبابية واجتماعية تركت آثارًا عميقة في المجتمع والدولة. وشكلت انتفاضة تلاميذ المعاهد سنة 1986 محطة كبرى في علاقة الشباب بالشرطة والسلطة، ثم جاءت اضطرابات "الضواحي" سنة 2005 لتكشف أزمة التهميش والتمييز وانعدام الثقة في مؤسسات "الجمهورية". وبعدها أظهرت حركة "السترات الصفراء"، منذ سنة 2018، هشاشة قنوات التمثيل التقليدية واتساع الفجوة بين الدولة والمناطق الريفية وشبه الحضرية، ثم أعادت احتجاجات سنة 2023 طرح أسئلة المساواة أمام القانون وعلاقة الشرطة بسكان "الضواحي". وكتب علماء الاجتماع والباحثون الفرنسيون حول هذه المحطات، ودرسوا تركيب الحركات الاحتجاجية، وشروط نشأتها، وعلاقتها بالطبقات الشعبية والوسطى، وأثرها في التسييس، وتحولها من مطالب اجتماعية إلى صدامات مع الدولة. وقد أظهرت الدراسات المتعلقة بـ"السترات الصفراء"، مثلًا، أن الحركة نشأت في مناطق ريفية وشبه حضرية، واستندت إلى فئات شعبية ووسطى عانت تدهور القدرة الشرائية وتراجع الخدمات العامة، كما أبرزت دور "الدوارات المرورية" ووسائل التواصل في بناء تعبئة لا تخضع لقيادة حزبية أو نقابية مركزية.
من المفترض أن تمنح هذه الذاكرة الاجتماعية والسياسية الدولة أدوات لفهم الاحتجاج قبل انفجاره. غير أن الطبقة السياسية الحاكمة تبدو في كل مرة وكأنها تعيد اكتشاف الظاهرة بعد خروجها إلى الشارع، فتتعامل مع نتائجها الأمنية بدل معالجة مقدماتها الاجتماعية. ويكشف ذلك ضعف القدرة على التعلم المؤسسي، وعلى تحويل دروس الاحتجاجات السابقة إلى سياسات عامة وآليات تفاوض دائمة.
بين تفسير العنف وضبطه
تفسير العنف لا يعني تبريره. فإحراق المدارس، والاعتداء على رجال الإطفاء، وتدمير الحافلات، ورشق الشرطة بالحجارة، وتعريض التلاميذ والمارة للخطر، أفعال تضر السكان أنفسهم، خصوصًا الفئات الشعبية التي تعتمد على المدرسة العمومية والنقل العام والخدمات المحلية.
في الوقت نفسه، لا يؤدي رفض عنف الشارع إلى تبرئة كل استعمال مفرط للقوة من جانب الشرطة. بحيث يحتاج أي انحراف في استخدام القوة إلى تحقيق ومساءلة، كما تحتاج الدولة إلى ضبط وحداتها ومحاسبة المخالفين. وأيضا، من المهم التمييز بين نقد تجاوزات "أفراد بعينهم" وبين اتهام "كل الشرطة".
في النهاية، تتطلب الاستجابة الديمقراطية للأزمة مستويين متلازمين: حماية المؤسسات والأفراد من العنف، ومعالجة الظروف التي جعلت المدرسة نفسها شرارة احتجاج. أما الاكتفاء بالمستوى الأمني فقد يوقف الأعراض لفترة قصيرة، لكنه يترك المرض قائمًا.
مستقبل السلطة والنخبة الحاكمة
تؤدي هذه الأزمات إلى استقطاب حاد وتآكل الوسط السياسي. وتضعف شرعية النخبة الحاكمة عندما تظهر عاجزة عن الحوار وعن تحسين أداء المؤسسات العامة. ويدفع هذا الوضع الناخبين تدريجيًا نحو قوى سياسية تعد بالأمن المطلق أو تتبنى مطالب الشارع، الأمر الذي يهدد النموذج السياسي الحاكم الذي يوصف بـ"الوسطي" و"المعتدل".
كما تتأثر قدرة السلطة على إدارة الأزمة بموقع فرنسا الخارجي وبصورة الدولة عن قوتها. وكلما اتسعت الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية، ازدادت صعوبة تقديم تنازلات اجتماعية كبرى، وارتفع الاعتماد على أدوات الأمن. وفي هذا السياق، يصبح التعامل مع الحركة الاحتجاجية في مراحلها الأولى عاملًا حاسمًا في تحديد ما إذا كانت ستتجه نحو التفاوض أو نحو مزيد من الصدام.
في هذا السياق، تستدعي انتفاضة التلاميذ مراجعة جذرية للسياسات العامة، وإجراءً يتجاوز تهدئة الشارع إلى خطة طويلة المدى تعيد بناء المدرسة العمومية، وتضمن شغل الوظائف التعليمية، وتعوض المدرسين الغائبين، وتخفف اكتظاظ الأقسام، وترمم المباني، وتوفر الممرضين والمساعدين الاجتماعيين، وتراجع ضغط الانتقال إلى التعليم العالي. وتحتاج كذلك إلى معالجة متزامنة لأزمات الصحة والنقل والسكن والقدرة الشرائية، لأن المدرسة تعمل داخل وعاء اجتماعي له صعوباته وأوضاعه القاسية. ولا يكفي إعلان ميزانية جديدة إذا ظلت المؤسسات المحلية عاجزة عن التنفيذ. ولا يكفي إطلاق مؤتمر للحوار إذا لم يرتبط بجدول زمني وقرارات قابلة للقياس. فالتلاميذ والأسر والمدرسون، جميعهم، يحتاجون إلى معرفة ما الذي سيتغير، ومتى، ومن المسؤول عن إنجازه.
تبدأ السياسة بالاستماع قبل الانفجار. ويشكل التفاوض وسيلة لمنع العنف وحماية المؤسسات. وحين تتفاوض الدولة مبكرًا مع حركة تحمل مطالب قابلة للفهم، فإنها تحمي المؤسسات وتحافظ على الشرعية.
إن انتفاضة التلاميذ اختبار لقدرة الدولة الفرنسية على استعادة دورها الاجتماعي. فلقد خرج التلاميذ إلى الشارع لأن المدرسة عجزت عن منحهم شروط التعلم. وهذه إشارة قاسية إلى عمق الأزمة: إذا وصل التدهور إلى الجيل المدرسي، فإن معالجة الأزمة تحتاج إلى تغيير في السياسات، وفي توزيع الموارد، وفي طريقة فهم الدولة لعلاقتها بشعبها. ومع الأسف، ليس هنالك ما يدلّ على أنها ستجتاز الاختبار بنجاح. ففرنسا تواجه فقدانًا تدريجيًا للثقة في معنى الدولة. واستعادة هذا المعنى تمر عبر مدرسة تعمل، ومستشفى يستقبل المرضى، ونقل متاح، وسكن ممكن، وشرطة تحمي وتحاسب، وحكومة تفاوض قبل أن يحترق الشارع. ويُجمع الباحثون بأنه لا يوجد حزب سياسي أو شخصية سياسية وازنة وقادرة على إنجاز كل هذه الأمور، عدا "فرنسا الأبية" وزعيمها التاريخي.
#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)
Boughanmi_Ezdine#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الانسحاب الأمريكي من العراق: قراءة في مستقبل السيادة،
-
المعارضة التونسية ومتلازمة ستوكهولم
-
قراءة في خلفية إيقاف هيئة تنظيم الأسطول وأبعاده
-
بين فشل السلطة وعُقم المعارضة والأمعاء الخاوية: قراءة في ثنا
...
-
الثّورة بين حتميّة الدّاخل ومكائد الخارج
-
بين فخ النضال المشترك وذُعر عودة -العدو. لماذا لا يُحسم الصر
...
-
بين البوصلة المفقودة وفقه الضرورة المُزوّر
-
في عناد التاريخ الذي لا يُرد.
-
تاريخ البايات في تونس: لا شيطنة ولا تمجيد، قراءة في سياقها
-
لا أحد يقبل بسقوط النظام الإيراني باستثناء الكيان الصهيوني
-
هنري كيسنجر ونظام صدام حسين: هندسة الانعطاف الكبير - كيف شكل
...
-
الإمارات هي خيمة التهديد للأمن الجزائري، وليس القُراد الملتص
...
-
بغض النظر عن الوسائل: المشروع هو أساس النهوض
-
تونس العطشانة: لماذا ينقطع الماء والكهرباء لساعات طويلة في ه
...
-
وراء مضيق هرمز، مخطط صهيوني لتفكيك إيران وتصفية القضية الفلس
...
-
هل سقطت الهدنة؟
-
تشييع الإمام استفتاء على المشروع: إيران بين نقد الداخل ومواج
...
-
في مضيق هرمز، كأن التاريخ يعيد سيناريو السويس.
-
وهم نزع السلاح: لماذا تخسر بيروت معاركها السياسية؟
-
إضاءات سريعة حول مشروع -إسرائيل الكبرى- وطبيعة الصراع في الش
...
المزيد.....
-
مصر: ارتفاع أسعار الهواتف وسط ضغوط عالمية على شرائح الذاكرة
...
-
عقب انسحاب القوات الأميركية.. لماذا تتجه أنظار إسرائيل إلى ا
...
-
شعبية المستشار ميرتس أمام تحدي تصاعد مشاعر الحنين إلى عهد مي
...
-
لجنة الحوار المصغرة تؤجل المسار القانوني لاتفاق الانتخابات ا
...
-
ألمانيا تشدد الطوق على حزب البديل
-
تسجيل انقطاعات تطال إمدادات الطاقة الكهربائية في كييف
-
اليمن.. عمليات عسكرية جديدة تعقد المشهد
-
كيف تختلف التصورات التوحيدية عن الإله عن تصورات الديانات الد
...
-
سوريا تدين -الانتهاكات الإسرائيلية- واستكمال العمل فيما يسمى
...
-
دميترييف: ميرتس يريد أن يتوقف الألمان عن الكسل والشروع بالعم
...
المزيد.....
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
المزيد.....
|