أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - بين فشل السلطة وعُقم المعارضة والأمعاء الخاوية: قراءة في ثنائية العزلة والانفجار















المزيد.....

بين فشل السلطة وعُقم المعارضة والأمعاء الخاوية: قراءة في ثنائية العزلة والانفجار


عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)


الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 16:12
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يمر العالم اليوم بما يشبه "حرباً عالمية" غير معلنة بمحاور متعددة، تجسد مرحلة انتقالية حرجة وعنيفة من نظام دولي يتآكل ويتحلل، إلى نظام دولي جديد لم تكتمل ملامحه ولم يتشكل بعد. في هذا المخاض الجيوسياسي العسير، تنكفئ القوى العظمى والدول الكبرى على صراعات وجودية وقضايا أمنية واقتصادية تمس صلب بقائها، مما أدى إلى شطب شعار "نشر الديمقراطية" تمامًا من جداول أعمال السياسات الخارجية الغربية. هذا التراجع كان له ما يُبرّره، فقد جاء نتيجة اصطدام البراغماتية الغربية بوقائع الحرب التي انفجرت في قلب أوروبا بين روسيا وأوكرانيا، ووقائع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران واختناق الاقتصاد العالمي في مضائق الخليج العربي، وكذلك بعد "تجريب الإسلاميين في الحكم"، وما نتج عن ذلك من نماذج حكم هشّة غير مُستقرّة ومشبوهة من جهة تماسِّها مع الجماعات الإرهابية.في قلب هذا التحول الاستراتيجي، يعيش المشهد التونسي مفارقة شديدة التعقيد؛ حيث تُدار البلاد بين فكي كماشة: سلطة حسمت خياراتها بالنزوع نحو الحكم الفردي والسلطوي والقبضة الأمنية، ومعارضة تعيش عزلة قاسية بعد أن أساءت قراءة عوامل تغيّر السياسة الغربية، وظلّت تُراهن على الضغط الدولي للإطاحة بالرئيس قيس سعيّد. وأساءت قراءة المشهد الداخلي بعد أن ربطت مصيرها بعودة حركة النهضة للحكم، وهي التي رفضها الشعب وبات ينظر إليها على أنّها سبب الخراب الذي حلّ بالبلاد منذ 2011.

رهانات المعارضة الخاطئة خلقت مشهدًا سياسيًا عليلًا ومُشوّهًا بعناصره الثلاثة: سُلطة فاشلة تحافظ على عوامل الأزمة وتُعمّقها. ومعارضة تتشبّث بمنظومة فاسدة ثبت فشلها وتسعى لإعادة تركيبها ضد إرادة شعبها، ما جعلها منبوذة وعديمة التأثير. وشعب ممعوس بالفقر والخصاصة ولا يرى بديلًا جاهزًا يُخرجه من الهاوية.
هذه المعادلة الثلاثية هي التي تجعل الوضع مستقرًّ ظاهريًّا، غير أن هذا الاستقرار السياسي الظاهري يخفي تحته غليانًا اجتماعيًا غير مسبوق يُنذر بانفجار حتمي لا يستأذن أحدًا.

وحْتّى لا نُتّهم بإطلاق الأحكام جزافًا -ورغم أننا حذّرنا منذ 2021 من أن رهان المعارضة الخاسر على الخارج سيؤدي حتمًا وحصرًا لعزلتها الداخلية- هنالك مسائل تستحقّ التوضيح:
لقد سقطت المعارضة التونسية في فخّ راشد الغنوشي، حين زيّن لها الرّهان على "العامل الخارجي" كأداة للإطاحة بنظام الرئيس قيس سعيد و"استعادة الديمقراطية"، في اللحظة التي كان يجب عليها أن تتشكّل بمعزل تام عن حركة النهضة لكي تكسب حضن شعبها. فمع انطلاق مسار جويلية 2021، اعتقدت هذه القوى أن العواصم الغربية (واشنطن وبروكسل) ستتحرك سريعًا لفرض عقوبات أو ضغوط قصوى لإعادة القطار لما قبل 25 جويلية. لكن هذا الرهان اصطدم بصخرة الواقعية السياسية الدولية لثلاثة أسباب مفصلية:
1/ تغير الأولويات الغربية ومخاض النظام الدولي الجديد: في ظل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، والتصعيد الحاد في فلسطين وما رافق جريمة الإبادة الجماعية من توسع الحرب على الطاقة والنفوذ والمضائق البحرية، تراجع ملف الديمقراطية في تونس إلى قاع الأجندة الغربية. فالعالم الغربي الغارق في حروب المحاور وصياغة قواعد الاشتباك الجديدة لا يبحث عن نشر الحريات، بل يكافح من أجل تأمين الطاقة وضمان الاستقرار الاستراتيجي المحض.

2/ إرث الفشل والشكوك الإقليمية وحسابات الطاقة:
يدرك الغرب أن تجربة حكم الإخوان طوال عقد كامل لم تنتج سوى الركود الاقتصادي وتمدّد الإرهاب واشتداد الانقسام، ورفض الشعوب عودتهم للحكم، فضلًا عن وجود "فيتو إقليمي" صارم (مصري، سعودي، وجزائري) يمنع منعًا باتًّا التدخل الغربي لإعادة الإسلام السياسي للحكم في أيّ قطر عربي، لما ترى فيه من تهديد وجودي لها. هذا الفيتو مدعوم بحاجة أوروبا الحيوية لنفط وغاز هذه الدول؛ حيث تلتزم الجزائر (على سبيل المثال) بتغطية حوالي 14% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز، بل إن إمداداتها تتدفق مباشرة عبر الأنابيب لتمثل أكثر من 40% من واردات الغاز لإسبانيا. وفي ذات الوقت، تخشى أروبا خصوصا في ظل حكم ترامب، من تبعات أي صدام مع مصر والمملكة العربية السعودية، لاسيما بعد أن هدّد التصعيد العسكري بتعطيل مضيق هرمز الذي يمر عبره قرابة 20 مليون برميل نفط يوميًا (ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا) ونحو 110 مليارات متر مكعب من الغاز المسال سنويا. هذه الأرقام، وهذه الحاجة الحيوية للطاقية التي بلغت في بعض دول أوروبا مثل اليونان نسبة 36% تجاه المنطقة، وسياسة التهميش التي مارستها عليها الولايات المتحدة، وتمدد الحضور الصيني والرّوسي في المنطقة العربية عبر اتفاقيات الشراكة والتعاون، جعل العواصم الأوروبية تستميت في الحفاظ على ود الشركاء النفطيين وتتفادى أي أزمة معها من أجل "ديمقراطية تونسية هشة ومشكوك في أمرها".

3/ العزلة الشعبية والوسائط المفقودة:
داخليا، تعاني المعارضة المرتبطة بالإسلام السياسي من قطيعة حقيقية مع الشارع التونسي الذي بات يربط وجوه قيادات النهضة بملفات الإرهاب والفساد وخراب الإدارة والأضرار المعيشية. وبسبب تهميش الأجسام الوسيطة (الأحزاب والمنظمات، والاتحاد العام التونسي للشغل على وجه الخصوص)، فقدت المعارضة أي قدرة على الحشد الفعلي أو تفعيل ضغط ميداني يُجبر السلطة على التراجع.

مأزق السلطة في تراكم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية واحتمال انفجار الشارع:

إذا كان نظام الرئيس قيس سعيد قد استفاد من إضعاف المعارضة السياسية لنفسها من خلال تشبثها بحركة النهضة، واستفاد من غياب الضغوط الدولية، ونجح في تقديم نفسه كـ"شريك أمني براغماتي" يضبط السواحل ويمنع تدفقات الهجرة غير النظامية، فإن التحدي الحقيقي والوجودي للنظام يكمن في جبهة الداخل المعيشية. فالمسكنات المالية الأمنية المحدودة التي تقدمها أوروبا لتونس لضبط الحدود لا تصنع اقتصادا. ورغم أن البيانات الرسمية لوكالة النهوض بالاستثمار الخارجي (FIPA) تُظهر بلوغ الاستثمارات الدولية 1929.5 مليون دينار (منها 1911.8 مليون دينار استثمارات أجنبية مباشرة) بنهاية سبتمبر 2026، إلا أن هذه الأرقام تظل غير كافية لإخراج البلاد من أزمتها العميقة. ويعود ذلك إلى التركز القطاعي المحدود لهذه الاستثمارات، حيث استحوذت الصناعات التحويلية على 72% والطاقة على 19%، وعجزها عن تغطية الفجوة التمويلية الضخمة لاقتصاد يرزح تحت وطأة الديون ونقص التمويل الشامل. ونتيجة لذلك، ما انفكّ الوضع يقترب من نقطة الغليان الشديد بسبب عوامل هيكلية متفاقمة:

أ/ أزمة المواد الأساسية وتآكل القدرة الشرائية:
بات المشهد اليومي للمواطن التونسي رهينا لرحلة البحث عن الأدوية والوقود، بالتوازي مع أزمة جفاف حادة ومعدلات تضخم غير مسبوقة التهمت ما تبقى من الطبقة الوسطى. ومما لا شك فيه أن غياب الإصلاحات الشاملة وتصاعد وتيرة التضخم والمديونية العالية يعوق جهود محاربة الفقر، ليعيش ملايين التونسيين تحت وطأة تآكل القدرة الشرائية وتوسع رقعة الحرمان.

ب/ البطالة وتحوّل البلاد إلى وعاء مضغوط:
تشير المؤشرات الرّسمية إلى استقرار معدل البطالة عند 14.9%، لكن هذه النسبة تخفي عمق الأزمة الهيكلية، حيث تتركز النسب المرتفعة في صفوف خريجي التعليم العالي والشباب، وتصل في المناطق الريفية رسميا إلى 16.5%. ومع نجاح الحرس البحري في تشديد الخناق على قوارب الهجرة، تحولت تونس إلى مساحة مغلقة أمام هؤلاء الشباب. فغياب أفق التوظيف والاستثمار، بالتزامن مع انسداد منافذ الهروب نحو أوروبا، يشحن طاقة غضب هائلة ستظلّ تتصاعد طالما ظلت أسبابها قائمة.

ج/ خطورة الانفجار بلا تأطير:
إن ضعف الأحزاب وتراجع دور الاتحاد العام التونسي للشغل الذي كان يلعب دور "صمّام الأمان" أو لِنقُل "الوسيط الاستراتيجي"، يعني أن أي انفجار قادم للشارع ضد السلطة لن يكون سياسيا ولا منظما. سيكون انفجارا عشوائيا، عنيفا، ومدفوعا بـ"معركة الأمعاء الخاوية".

في الختام، يُخطئ الغرب حين يظن أن "الاحتواء الهادئ" وضخ القروض المشروطة بملف ضبط الحدود البحرية كافيان للحفاظ على استقرار الضفة الجنوبية للمتوسط. وتخطئ السلطة في تونس إذا اعتقدت أن "الخطاب السّيادي" والاكتفاء بشعارات "ملاحقة الفساد" يُغنيان عن الإصلاحات الهيكلية العاجلة. فتاريخ تونس يثبت دائما أن المعدة الفارغة لا تقرأ كتاب السياسة. وتُخطئُ المعارضة إن استمرّت في استبدال رهانها على شعبها بِرهاناتها الوهمية على الخارج وعلى النهضة. ويخطئُ هؤلاء جميعًا إذا لم يُدركوا أن صمت الشارع الحالي ليس رضاءً ولا ولاءً بقدر ما هو خوف من عودة عصابة النهضة للحكم، وانتظار للحظة قاسية تتجاوز السُّلطة والمعارضة معًا، ولن يستفيد منها أحد.



#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)       Boughanmi_Ezdine#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الثّورة بين حتميّة الدّاخل ومكائد الخارج
- بين فخ النضال المشترك وذُعر عودة -العدو. لماذا لا يُحسم الصر ...
- بين البوصلة المفقودة وفقه الضرورة المُزوّر
- في عناد التاريخ الذي لا يُرد.
- تاريخ البايات في تونس: لا شيطنة ولا تمجيد، قراءة في سياقها
- لا أحد يقبل بسقوط النظام الإيراني باستثناء الكيان الصهيوني
- هنري كيسنجر ونظام صدام حسين: هندسة الانعطاف الكبير - كيف شكل ...
- الإمارات هي خيمة التهديد للأمن الجزائري، وليس القُراد الملتص ...
- بغض النظر عن الوسائل: المشروع هو أساس النهوض
- تونس العطشانة: لماذا ينقطع الماء والكهرباء لساعات طويلة في ه ...
- وراء مضيق هرمز، مخطط صهيوني لتفكيك إيران وتصفية القضية الفلس ...
- هل سقطت الهدنة؟
- تشييع الإمام استفتاء على المشروع: إيران بين نقد الداخل ومواج ...
- في مضيق هرمز، كأن التاريخ يعيد سيناريو السويس.
- وهم نزع السلاح: لماذا تخسر بيروت معاركها السياسية؟
- إضاءات سريعة حول مشروع -إسرائيل الكبرى- وطبيعة الصراع في الش ...
- طوفان الأقصى أجبر السعودية على إعادة تعريف عدوّها
- الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وسياسة حافّة الهاوية
- ترامب أو -الإنسان الآلي المُتوحّش- !
- -العالم بين المعنى والآلة: صراع الإنسان مع منطق الإبادة-


المزيد.....




- الجيش السوداني يعلن إسقاط مسيّرة -انطلقت من إثيوبيا- وقواته ...
- أستراليا.. مقتل 3 نساء في حوادث عنف أسري منفصلة خلال 24 ساعة ...
- الدفاعات الجوية الروسية تدمر عددا قياسيا من المسيرات الأوكرا ...
- لبنان.. وزيرا الصحة والعمل يزوران قلعة بعلبك دحضا لادعاءات إ ...
- الأمن السوري يعتقل وائل عقيل وقضايا جنائية وأمنية بانتظاره
- إصابة 8 عناصر من الشرطة خلال أعمال شغب اندلعت في وسط فرنسا
- بامفيلوفا: تدمير مركز اقتراع في زابوروجيه ومقتل مسؤولة انتخا ...
- مقتل مستوطن في هجوم إطلاق نار ومحاولة دهس في الضفة الغربية
- رصد إقلاع قاذفة أمريكية من قاعدة بريطانية وسط تحذيرات أمنية ...
- عادات يومية تزيد خطر الجلطات


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - بين فشل السلطة وعُقم المعارضة والأمعاء الخاوية: قراءة في ثنائية العزلة والانفجار