|
|
إضاءات سريعة حول مشروع -إسرائيل الكبرى- وطبيعة الصراع في الشرق الأوسط في علاقة بالحرب على إيران، وقضية -أذرع إيران- و-عملاؤها-.
عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)
الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 20:35
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تفاعلا مع الجدل المحتدم حول "شرعية سلاح المقاومة" من عدمها، أحاول التذكير ببعض الوقائع والأفكار مساهمة في تأطير النقاش.
الجزء الأول: جنوب لبنان المقاوم، عودة على الجذور
بعد وقف إطلاق النار وبموجب الهدنة الموقعة بين لبنان وإسرائيل عام 1949، وتفاعلاً مع القضية الفلسطينية بسبب اللجوء الفلسطيني وإقامة المخيمات الدائمة، نشأ جو سياسي جنوبي متأثر بالدول العربية المناهضة لاحتلال فلسطين والمؤيدة لتحريرها بشتى السبل.
كما هو معلوم أسفرت حرب 1948 على احتلال إسرائيل أجزاءً من الأراضي العربية، ثم انسحبت منها بموجب اتفاق الهدنة مارس 1949. وعلى مدى 18 عاما قبل حلول حرب 1967، غابت الأعمال العسكرية وهدأت الجبهات، لكن جنوب لبنان ظل يعيش تداعيات نكبة فلسطين مباشرة، لأسباب عديدة، منها التصاق الحدود والترابط التاريخي والاقتصادي بحكم جيرة جنوب لبنان مع فلسطين، ومنها كذلك الترابط الأسري من زواج ومصاهرة بين الجنوبيين والفلسطينيين، إضافة إلى نزوح أكثر من 110 آلاف فلسطيني من مناطق الجليل والمدن الساحلية الفلسطينية مثل يافا وحيفا وعكا إلى جنوب لبنان وإقامتهم منذ ذلك الحين في مخيمات انتشرت حول مدن الجنوب الرئيسة في صور وصيدا والنبطية.
فإضافة إلى كون كلّ سكان سوريا الكبرى يشعرون بغُبن التمزيق الجغرافي والديمغرافي الناجم عن سايكس- بيكو، ويشعرون أنّ اغتصاب فلسطين قضيّتهم الوطنية، تفاقمت هذه المشاعر بمنسوب أعلى لدى سكان جنوب لبنان، الذين وجدوا أنفسهم جزءِا من الصراع، وبالتالي هم جزء أساسي عن "المد العروبي" الذي تبنى شعار تحرير فلسطين، ومواجهة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا باعتبارها "دولاً استعمارية". لذلك تضامن أهل الجنوب وتظاهروا تأييدا للثورة الجزائرية 1954 وتظاهروا ضد "حلف بغداد" سنة 1955، ورفضًا للعدوان الثلاثي على مصر في أزمة السويس سنة 1956، وفي مواجهة مشروع أيزنهاور سنة 1957، وصولًا إلى انتفاضة 1958، التي أطاحت بكميل شمعون، ومنعت انخراط لبنان في حلف بغداد. ذلك الحلف الذي سيسقط في صيف نفس العام بعد سقوط النظام الملكي في العراق.
خصوصية جنوب لبنان الملتصق بالأراضي المحتلة والذي احتضن الفلسطينيين المهجرين عام 1948، جعلت الجنوبي مُسيّسًا ومُحاربًا بالفطرة، ما عزّز انتشار الأحزاب القومية على نحو "حركة القوميين العرب"، و"حزب البعث العربي الاشتراكي"، و"الحركة الناصرية"، تضاف إليها القاعدة الشعبية للحزب الشيوعي اللبناني التي كانت قد توسعت في جنوب لبنان منذ الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي. ولقد كان الجنوب معقل المعارضة لـنهج السلطة الانعزالية اللبنانية، والتي رأت على الدوام أن الفلسطيني هو الخطر على أمن لبنان وليس الاحتلال. كل هذه الأمور جعلت جنوب لبنان في حال حراك دائم، ناهيك عن التدرب على السلاح بالتعاون مع الزعامات التقليدية إبان انتفاضة 1958، ما سهّل تحوّل المدن الرئيسة إلى مدارس مقاومة، مثل صيدا والنبطية وصور وبنت جبيل ومرجعيون، وامتدادا نحو قرى الأقضية. وهذا ما يفسّر مشاركة كثيرين من الجنوبيين لاحقا في المقاومة الفلسطينية المسلحة ضد إسرائيل. وما يعطي المقاومة في لبنان ميزتها وعنصرية قوّتها المتمثل في البيئة المولّدة للمقاومة، فلو لم يكن حزب الله لأنجب الجنوب مقاومته كما كان دائمًا.
يعني تاريخيا لم ينفصل جنوب لبنان عن الموضوع الفلسطيني أبدا بسبب ما تعرض له من اعتداءات حتى قبل الهدنة، مثل هجوم العصابات الصهيونية وارتكابها مجزرة حُولا في 31 أكتوبر 1948. وبسبب احتضانه للفلسطينيين المهجرين من أراضيهم. وستتنامى الاعتداءات الصهيونية، ويتنامى معها العمل الفدائي الفلسطيني، لا سيما بعد اتفاق القاهرة 1969 الذي سمح بالوجود الفلسطيني المسلح على الأراضي اللبنانية، وتحديدا في الجنوب. وتتالت الحروب الإسرائيلية في 1969 و1978 و1982 و1993 و1996 و2006، وصولاً إلى الحرب الأخيرة التي انطلقت في الثامن من أكتوبر 2023، ولم تزل مستمرة حتى اليوم.
الجزء الثاني: جنوب لبنان، وحدة البندقية وتعدّد الرايات.
الحرب الدائرة ضد إيران ليست أمرا جديدا، ولا يحتاج عباقرة في العلوم السياسية يفسرون للناس طبيعة الصراع وخلفياته وأهدافه. وبقدر وضوح طبيعة الصراع، تسعى النّخب المأجورة إلى نقله عمدًا إلى حيّز الغموض عبر تزوير التاريخ والوقائع. منذ تقسيمات سايكس–بيكو وتفتيت المنطقة، مرورًا باكتمال المشروع الاستيطاني في فلسطين، واحتلال أجزاء من سوريا ومصر والأردن ولبنان في مراحل مختلفة، وإلى يوم الناس هذا، يجري مشروع الهيمنة على هذه المنطقة ومنع شعوبها من النهوض بكل الطرق والوسائل. في المقابل، المواجهة التي تخوضها إيران وحلفاؤها من قوى المقاومة اليوم، هي نفسها المواجهة التي بدأها الشعب الفلسطيني سنة 1936، ثم المجاهدون العرب الذين تصدوا للمشروع الصهيوني عام 1948، ثم القوى الوطنية واليسارية في لبنان وسوريا ومصر وفلسطين، وولادة الحركة الوطنية الفلسطينية، ثم جاءت المواجهة التي قادها جمال عبد الناصر، فمنظمة التحرير والحركة الوطنية اللبنانية، وصولا إلى ولادة المقاومة الإسلامية بداية الثمانينات ارتباطا بتغيرات كبرى جرت على مستوى الإقليم والعالم (يطول شرحها).
عندما نُذكّر بهذه المحطات، لا يعني أننا نردد "شعارات أكل عليها الدهر وشرب" كما يحلو للبعض، بل هذا هو تاريخ الصراع. ولذلك لا يمكننا أن ننظر للمقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله اليوم خارج هذا المسار. فالبندقية التي يرفعها أهل جنوب لبنان في وجه الاحتلال اليوم تحت راية حزب الله، هي نفس البندقية التي رفعها أجدادهم وآباؤهم تحت راية الحزب الشيوعي اللبناني، وراية حركة القوميين العرب، وراية الحركة الوطنية اللبنانية. فسواء كان صاحب البندقية فرج الله الحلو، أو محسن إبراهيم، أو كمال جنبلاط، أو ياسر عرفات، أو حسن نصر الله،، في كل الحالات هي بندقية واحدة وأصحابها هم أنفسهم أصحاب الأرض والقضية، والعدو هو نفسه لم يتبدّل.
فهل كانت هذه القوى التي واجهت المشروع الصهيوني بلا أخطاء؟ هل كانت دائما على صواب؟ هل كانت على درجة من النقاء الثوري الذي لا يطاله الشك؟ الجواب: لا طبعا، كلها في مرمى النقد، وقد أُشبعت بحثا ونقدا، لكن هذا بحث آخر، لا يُبيح الهروب من نهج المقاومة والارتماء في ذاكرة المحتل وتبنّي سردية الاستعمار بذريعة "تعبنا من الشعارات"!
في الوقت الذي يعلن فيه العدو مشروعه بوضوح، مشروع تصفية قضية فلسطين، مشروع هيمنة وتوسع مُستند إلى رواية دينية وسياسة مدعومة من القوى الاستعمارية وتُدرّس علنا في المدارس علنًا، يهرب الخطاب الرجعي المتصهين، بالناس إلى جدالات خاطئة، ويستحضر كل المسميّات وكل القضايا الصغيرة التي تُبعدهم عن جوهر الصراع. وأقصد هنا الجميع، الدول والإعلام وكل القوى التي تتحرك في هذا المسرح المضطرب ضمن المشروع الأمريكي. فالمشهد الذي نعيشه اليوم تحكمه مصالح الأنظمة، وتحركه حسابات ضيقة، بينما تُرسم خرائط المنطقة في غرف التخطيط الاستراتيجي للقوى الكبرى.
هي حرب تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل، نعم، لكنها أيضا حرب على المنطقة، حتى وإن بدأ عنوانها الظاهر بالصراع مع نظام الملالي في إيران. وحين لا نفهم حقيقة الصراع نتصرف وكأننا خارج المعادلة، أو نردد سرديّة كون "إيران الطائفية، الدولة الدينية التي جلبت الدمار وأشعلت الطائفية في المنطقة، ولذلك فهي تستحق ما يحدث لها"!
قد يكون في هذه السردية جزء من الحقيقة، لكن تحويلها إلى التفسير الوحيد للأحداث ليس سوى شكل من أشكال تزوير جوهر الصراع. فما يحدث اليوم لا يمكن اختزاله في صراع ضد نظام طائفي أو باعتباره نزاع إقليمي محدود، بل هو صراع على إعادة تشكيل خرائط الشرق الأوسط، تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل عن طريق البلطجة الدولية خارج الأطر القانونية. فاحتلال الأراضي العربية مستمر رغم القرارات الدولية، والعدوان يتكرر دون مساءلة، والخرائط تُعاد صياغتها بالقوة العسكرية. بحيث لم تعد القوانين الدولية سوى نصوص تُستحضر عندما تخدم مصالح القوى الكبرى.
إذن هذه حرب كبرى، أبعد من الخلاف الفكري الايديولوجي أو الخلاف السياسي حول المساواة والديمقراطية ومجانية التعليم. إنها فصل من فصول الصراع على الخرائط والوجود. ولا يستقيم التندّر على المقاومين والشهداء الذين تصدوا بدمائهم وأجسادهم إلى زحف الاحتلال وأوقفوا مشروعه منذ مئة عام.
الجزء الثالث: أوّل مقتضيات نزع سلاح المقاومة: جيش لبناني قادر على حماية البلد، وتفاهم وطني واسع على استراتيجية دفاعية.
بعض المحسوبين على النخبة في تونس يستعملون مقولة صحيحة جدا، "ضرورة احتكار الدولة للسلاح"، لكنهم يضعونها في غير موضعها وخارج شروطها، فيجعلونها كلمة حق يراد بها باطل. ذلك أن مسألة نزع السلاح في لبنان بالذات، وما يحيط بها من تعقيدات وتناقضات عميقة بين المقاومة من جهة، والسلطة من جهة أخرى مسألة في غاية التعقيد نظرا للطبيعة المُفتّتة للدولة وضعفها وافتقارها لأدوات الدفاع عن سيادتها. وهو أحد أهم الأسباب التي دفعت السكان إلى مقاومة المحتل في ظل عجز الدولة عن ذلك، وهو نفس المسار الذي ولّد كل المقاومات عبر التاريخ.
في هذا السياق علينا أن نتوقف عند دعاية "أذرع إيران" و"عملاء إيران"، لأنها تحتاج للتوضيح، حتّى تُحسم في أذهان الناس. ظاهرة "الأذرع" أو "الوكلاء" في الشرق الأوسط ليست حكرا على إيران، بل هي سمة عامة للصراعات الإقليمية والدولية في المنطقة. فإلى جانب دعم إيران لـحزب الله وأنصار الله وبعض فصائل الحشد الشعبي في العراق وفصائل فلسطينية مختلفة الجهاد وحماس والشعبية، دعمت الولايات المتحدة الأمريكية قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، كما أقامت شراكات عسكرية وأمنية مع قوى محلية متعددة على رأسها (داعش). كذلك اعتمدت تركيا على فصائل من الجيش الحر في شمال سوريا، وجبهة النصرة، واتخذت لها أذرعا في فصائل إسلامية أخرى عديدة. من جهتها، دعمت المملكة العربية السعودية فصائل وقوات يمنية مناهضة للحوثيين ضمن إطار التحالف الذي قادته في اليمن. بينما ارتبطت الإمارات العربية المتحدة بعلاقات وثيقة مع المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات محلية أخرى في جنوب اليمن، وقوات الدعم السريع في السودان. كما كان لقطر أذراعها في كل دولة خلال الثورات العربية خاصة في سوريا وليبيا، ودعمت قوى مسلحة وشبه مسلحة في أكثر من بلد. أما إسرائيل، فقد كان لها عبر تاريخ الصراع العربي الصهيوني أذرعا وعملاء في لبنان والعراق. والجميع يعلم أن حزب الكتائب في لبنان كان مدعوما بالسلاح والعتاد من تل أبيب. وان جيش لحد الجنوبي هو قوة إسرائلية بجنود لبنانيين. وعلى هذا، فإن التركيز الإعلامي والسياسي الحصري على "أذرع إيران" بمعزل عن بقية أشكال الدعم الخارجي للفاعلين المحليين في المنطقة، يقدّم صورة جزئية وانتقائية للصراع، ويتجاهل حقيقة أن معظم القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في قضايا الشرق الأوسط استخدمت، بدرجات متفاوتة، فاعلين محليين لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. إنما يتم التركيز على إيران دون غيرها بغاية تشويه المقاومة وتخفيف منابعها وإنهاء وجودها.
من جانب آخر، لماذا سيكون من باب المستحيلات السبعة نزع سلاح حزب الله؟ إضافة إلى كل ما ذُكر حول تاريخ المقاومة، اتفاق الهدنة الأخير الذي تضمن قرار نزع السلاح استجابة للخيار الإسرائيلي الأمريكي، يحمل تحولًا سياسيًا وقانونيًا خطيرا في تعريف العلاقة بين لبنان و"إسرائيل"، وفي موقع الدولة اللبنانية من الصراع. فأغلب اللبنانيبن اليوم، بما في ذلك اغلب المسيحيين، يقولون بأن الحكومة تصرّفت بمنطق أحادي وسطحي، وتعاملت مع حزب الله وكأنه مجرد "سلاح غير شرعي" يجب نزعه، من دون أي مقاربة سياسية داخلية، تضمن أمن لبنان في ظل الغطرسة الصهيونية. ثم إن الهدنة نفسها لم تكن ثمرة "نجاح دبلوماسي لبناني" بقدر ما كانت نتاجًا للمفاوضات الأميركية–الإيرانية. وأن أخطر ما في هذا المسار الانعزالي، هو أن الاتفاق يكرّس حق "إسرائيل" في الدفاع عن نفسها، و"حقها في الحركة"، ويتضمن ما يفيد بأن [لبنان و"إسرائيل" لم يعودا في حالة عداء]. وهذا يطرح إشكالية دستورية وقانونية كبرى، لأن تعريف "إسرائيل" كعدو في لبنان لا يمكن تعديله إلا عبر مجلس النواب.
غير أن السلطة اللبنانية مُمثلة في جوزيف عون ونواف سلام (الذين جاء بهما الأمريكان للحكم حسب ما يقوله اللبنانيون)، ارتكبت خطأ فادحا حين تسرعت في قراءة نتائج الحرب على أنها هزيمة كاملة لإيران وحزب الله، وبنت على ذلك سياسة تستند إلى نزع الشرعية عن الحزب، والارتماء في الحضن الأميركي، وقطع الصلة مع إيران. فاندفعت لتصفية حزب الله، حيث تعاملت معه كعبء أمني. وهكذا التقت موضوعيا مع الخطاب الإسرائيلي الذي يجعل نزع سلاح المقاومة المدخل الرئيسي لأي تسوية.
المسألة الأخرى، مقاربة "جمع السلاح" بوصفها مقاربة قانونية وأمنية صرفة هي مقاربة خاطئة في الحالة اللبنانية، لأن حزب الله ليس مجرد تنظيم مسلح يمكن حله بقرار إداري أو أمني، بل هو نتاج تاريخ سياسي وعسكري واجتماعي (كما أشرنا في هذه الورقة)، ويمثل شريحة لبنانية كبيرة لها موقعها الجغرافي المتميز بالجوار الفلسطيني، ولها مخاوفها، ولها مطالبها في النظام السياسي. لذلك، فإن أي معالجة جدية لملف السلاح يجب أن تكون من خلال تسوية سياسية تتضمن نقاشا يؤمّن موقع هذا المكوّن داخل الدولة، ودوره المستقبلي في الدفاع الوطني، لا مجرد مطالبة مجانية بتسليم السّلاح من دون مقابل سياسي أو ضمانات أو صيغة بديلة للدفاع عن الجنوب وعن لبنان، سيما وأن الجيش اللبناني مُجرّد من القوة بقرار أمريكي إسرائيلي. وبالتالي فالسلطة التي تقفز على كل هذه الحقائق، وترفض بناء حدّ أدنى من التفاهم الداخلي قبل الذهاب إلى خيارات كبرى من نوع "إنهاء حالة العداء مع إسرائيل" دون أي نقاش داخلي حول كيفية التفاوض، وحدود التنازل، وشكل التسوية، والاستراتيجية الدفاعية. سلطة تراهن على الجيش اللبناني المتنوع والمتكون من جميع فئات الشعب وطوائفه، لتغامر باستعماله كأداة لفرض نزع سلاح المقاومة بالقوة، والحال أن المؤسسة العسكرية نفسها تدرك حدود هذا الخيار، وتدرك أن تحويل الجيش إلى طرف في مواجهة داخلية سيضعه أمام اختبار الانقسام والتفكك. سلطة تراهن على الوعود الأمريكية بدعم الجيش كي "يفرض نفسه" على حزب الله، وهي أعلم الناس بأن هذا "الدعم" إن حصل، لن يهدف إلى بناء قوة دفاع وطني ضد "إسرائيل"، بل ستكون غايته تحويل الجيش إلى ميليشيا شبيهة بميليشيا سعد حداد تستخدمها إسرائيل. سلطة من هذا النوع لا يسلّمها المقاومون سلاحهم. وبكل الأحوال، تابعت مواقف مختلف الأطراف من هذه القضية، وآراء المثقفين اللبنانيين، ولاحظت ما يشبه الإجماع على أن أي بديل جدّي عن سلاح المقاومة يجب أن يقوم على مشروع دفاع وطني يتفق عليه اللبنانيون.
من هنا يبدو لي أن البعض في تونس، يحاول، عن جهل بالساحة اللبنانية، او بسوء تقدير، تحميل المقاومة مسؤولية العدوان على لبنان، وما ينتج عنه من ضحايا وتهجير وتدمير. وكأن الاحتلال بريء، وكأن النكبات المتعاقبة التي حلت بفلسطين ولبنان لم تكن بتخطيط أميركي-إسرائيلي ممنهج، بل بفعل محور المقاومة الذي،تُختزل فيه كل شرور الكون.
نحن أمام حرب كبرى، تتداخل فيها عوامل متعددة: صراع على الغاز والنفط في شرق المتوسط، وعلى طرق التجارة البحرية (من طريق الهند إلى طريق الحرير الجديد)، وعلى رسم الشرق الأوسط الجديد تحت مسمى "إسرائيل الكبرى" الممتدة من النيل إلى الفرات. وعندما يبكي البعض على "الدولة التي حلت محلها المقاومة" أو "مصادرة قرار الحرب والسلم"، يسألهم بعض اللبنانيون حتى من خارج بيئة المقاومة: عن أي دولة تتحدثون؟ عن تلك الدولة التي لا يُنتخب رئيسها إلا بقرار أميركي-سعودي؟ أو عن تلك التي رئيس حكومتها مكلف بتنفيذ الإملاءات الإسرائيلية تحت عنوان الإصلاح؟ أو عن تلك الدولة الصاغرة القابلة بمحض إرادتها بأن تظل منزوعة السلاح، وممنوعة من امتلاك سلاح طيران، وسلاح دفاع جوي يحمي اللبنانيين؟
فبحيث تطبيق بعض الأفكار الصحيحة في غير محلها مثل "ضرورة تفرّد الدولة باحتكار السلاح" قد يدفع بأصحاب هذا الرّأي إلى محلّ أشبه ب"قيس البطاطا بالمتر" على رأي أحد الأصدقاء.
#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)
Boughanmi_Ezdine#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
طوفان الأقصى أجبر السعودية على إعادة تعريف عدوّها
-
الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وسياسة حافّة الهاوية
-
ترامب أو -الإنسان الآلي المُتوحّش- !
-
-العالم بين المعنى والآلة: صراع الإنسان مع منطق الإبادة-
-
محور المقاومة بين القدس وطهران: حسابات التاريخ والجغرافيا وا
...
-
هل للعرب مصلحة في إسقاط إسرائيل للنظام الإيراني؟
-
اليسار الشيوعي في أوروبا الغربية: قصة المنع المؤبّد
-
الريع السياسي: إعادة إنتاج القيم والفشل المؤسسي في تونس ما ب
...
-
أفول الهيمنة الغربية على العالم
-
في استحالة الدولة الكُرديّة
-
أحد الأسباب الرئيسية للتخلّف، هو إيمان النّخب الدّفين بالاست
...
-
الإشهار السياسي: كيف تُباع الأكاذيب باسم الديمقراطية
-
حول مطالبة الحزب الشيوعي الإيراني بإسقاط نظام الملالي.
-
أوهام الخلاص الخارجي ومآلات الخراب الداخلي
-
التغيير المؤجَّل: بين دعاية -السقوط الوشيك- والأسئلة التي تخ
...
-
شرعية بلا مشروع: كيف أُفرغت الدّولة من السياسة في تونس
-
هل سيستولي ترامب على جزيرة غرينلاند كما توعّد؟
-
من نفط فنزويلا إلى غرينلاند، أطماع ترامب العالمية، وصراع الأ
...
-
المعارضة التونسية والغارة الأمريكية على فينيزويلا
-
إنها تيتانيك، وليست سفينة نوح. فيا بُنيّ لا تركب معنا.
المزيد.....
-
صرخته أقوى من الطائرة.. رجل يحطم الرقم بأعلى صوت في العالم
-
الاتحاد الأوروبي يدرس إرسال بعثة لدعم جيش لبنان وتعزيز سلطة
...
-
روبيو يطمئن الخليج: لا اتفاق مع إيران على حساب أمن الحلفاء
-
-الخماسية الأوروبية- تسعى لتعميق الشراكة بين الناتو وأوكراني
...
-
قاضية فيدرالية تمنع ترامب من تطبيق شرط تقديم دليل المواطنة م
...
-
ماكرون: هناك تقارب بين الأوروبيين والأمريكيين بشأن أوكرانيا
...
-
حادثة صادمة.. موظفات في -وينديز- يقدمن لزبونة طعاما من سلة ا
...
-
تل أبيب تجابه واشنطن.. لن ننسحب من لبنان
-
الجزائر تستنفر جاليتها في مصر قبل الانتخابات التشريعية
-
وزارة الصحة الإسرائيلية في حالة صدمة: سرقة طحينة ملوثة بالس
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|