أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - أحد الأسباب الرئيسية للتخلّف، هو إيمان النّخب الدّفين بالاستبداد.















المزيد.....

أحد الأسباب الرئيسية للتخلّف، هو إيمان النّخب الدّفين بالاستبداد.


عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)


الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 02:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أوّل أمس شتمني واحد رقيع (*) حاشاكم، فدفعني لقراءة كتاب "ثورات الربيع العربي، مقارنة بالثورات العالمية". للمفكر والأكاديمي المصري: حسين عبد الحميد أحمد رشوان. الكتاب مؤلم، ولكنه مُفيد جدّا من جهة المعطيات والأرقام.
عزّز هذا الكتاب قناعتي بدور النخب في تطور المجتمعات الإنسانية، فقد ظلت هذه القناعة لسنوات طوال في دائرة التنسيب والحذر، لتقترب اليوم أكثر فأكثر من دائرة اليقين.

بعد مرور 15 سنة على حدث الثورة التونسية التي أطلقت حركة التغيير على امتداد الساحة العربية، نشهد اليوم ازدياد أعداد المعتقلين، وضحايا النزاعات، وارتفاع معدلات الهجرة، وتأزم الوضع الاقتصادي، واحتكار لأدوات البناء الثقافي من قبل من هم في السلطة، واستبداد النخب الحاكمة، وتخبط النخب المعارضة، ومن هنا ولدت الشكوك بالمؤسسات السياسية، بالأحزاب، بالمنظمات الاجتماعية، وحتى بالقيم الدينية، حيث تزداد الشعوب اقتناعا بأن النخب لم تستطع حلّ الأزمات المتراكمة، فتنقلب عليها وتبدأ رحلة البحث عن حلول متطرفة وعشوائية بقدر اتساع الفجوة بينها وبين نُخبها على اختلاف منابتها وأدوارها.

يقول ابن خلدون: "إن أحوال العالم والأمم وعوائدهم وغلبهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال، وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول".

لعلّ ابن خلدون برؤيته للتغيير واستمراريته، وفكرته حول هرم الدولة الحتمي، يؤكد أن الثورة جزء من دائرة التطور. تبقى مسألة كونها تقود إلى الأفضل أو إلى الأسوأ، فهذه تحتاج بيئة ونُخب.

يعود تعثر التحرر السياسي في بلادنا العربية إلى مسؤولية النخب الحاكمة والمعارضة على حدّ السّواء، إذ فشلت جميعها، في تفكيك البنية الذهنية والاجتماعية التي تنتج الاستبداد وتعيد تدويره باستمرار، ومعه يُعاد إنتاج نفس الكوابح والمعيقات ليظل المجتمع راكدًا يُراوح نقطة الصّفر.

فالنخب الحاكمة رسّخت منطق السلطة المطلقة، انسجامًا مع سلطة الربّ "تحكم ما شاءت، لا ما شاءت الأقدار". وبهذه النفسية حولت الدولة إلى ملكية خاصة، توظّفها لخدمة أغراضها، فالحاكم عندنا ربّ على وجه الأرض، هو الدستور وهو القضاء وهو القانون وهو الإدارة، وهو إرادة الأمة، ولا شريك له في ملكه ومتاعه. بينما سقطت قطاعات واسعة من النخب المعارضة في انتهازية موازية، استبدلت مشروع التحرر بتعبئة غرائزية تقوم على الأكاذيب والشائعات وتشويه الخصوم والولاءات الحزبية والقبلية والطائفية والمناطقية. وبدل مساعدة المجتمع على الانتقال من ثقافة العبودية إلى ثقافة المواطنة، جرى الاستثمار في وعي بدائي يقدّس الزعيم والاصطفاف، ويستبدل النقاش العقلاني بالعنف، ويحوّل الصراع السياسي إلى صراع وجودي. وهذا ما يفسّر العنف والهدر البشري والتدمير الواسع، وجميع المآسي التي يعيشها العرب، باعتبارها نتاجًا مباشرًا لاستراتيجيات نخبوية تستخدم المجتمع وقودًا في صراعات السلطة.

يظهر ذلك بوضوح عند مقارنة التحولات العربية مع تجارب أخرى، حيث جرت التغييرات السياسية هناك بأقل كلفة بشرية ومادية، لأن النخب والمجتمعات امتلكت حدًا أدنى من العقل الجمعي و[مفهوم الوطن]، بينما قادت هشاشة البنية الذهنية العربية إلى انفجار شامل جعل الاستبداد يتجدد باستمرار، من أبسط دائرة انتماء اجتماعي، وصولا إلى الأحزاب والمنظمات ودوائر الحكم.

فلو قارننا مستوى الهدر البشري والمادي بين التحولات التي شهدتها أروبا الشرقية آواخر ثمانينات القرن العشرين بالثورات العربية، لاكتشفنا فجوة ضخمة على جميع الأصعدة لا يصدقها عقل.
ففي أروبا الشرقية، تم تغيير الرؤساء، تغيير الحزب الحاكم، تغيير الدساتير والنظام السياسي كله، وتغيير النظام الاقتصادي من النقيض إلى النقيض، أي التحول من الاشتراكية الى راسمالية هجينة، مع كل ما انجرّ على ذلك من تغيّر عميق في نمط الانتاج والبنية الطبقية التي أعيد تشكيلها على نحو مختلف تماما. وتم تفكيك الحلف العسكري الجامع للمعسكر الاشتراكي (حلف وارسو). وتم تفكيك (الكومنترن) وهو النظام الاقتصادي الإقليمي الذي استندت إليه دول المنظومة الاشتراكية جميعا. فكما هو معلوم بدأ الاضطراب في الاتحاد السوفييتي منذ آواسط الثمانينات، وامتد الى بقية الدول ( ألبانيا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا وهنغاريا وبلغاريا ورومانيا وألمانيا الشرقية)، فإذا استثنينا رومانيا (لخصوصية وضعها الداخلي)، فان حجم الخسائر في الدول السبع الاخرى لم يتجاوز مئة قتيل خلال الأحداث، ففي الاتحاد السوفييتي التي يضم خمسة عشرة جمهورية، لم يتجاوز عدد القتلى ثلاثين قتيلا، وبعد التفكك بدأت حروب أهلية ناتجة عن اختفاء الدولة المركزية وليست نتيجة التحولات في النظام السياسي، فقد اندلعت تلك الحروب بعد تغير الانظمة بسنوات وليس خلال تغيرها.

هذا يعني أن عدد القتلى في ثلاثة وعشرين بلدا أروبيا شرقيا، لا يتجاوز عدد الضحايا في بلد عربي واحد (أيام الثورات) خلال أسبوع. أما الخسائر المادية التي حصلت أيام التغيير، في أروبا الشرقية فلا تكاد تُذكر.

في المقابل، بلغت خسائر الدول العربية خلال عشرية الاضطراب التي تلت 2011، أكثر من مليون قتيل، مع دمار اقتصادي يقدر بحوالي 250 مليار دولار، منها سوريا 620 ألف قتيل وخسائر مادية 67 مليار دولار، ليبيا 40 ألف قتيل و80 مليار دولار، اليمن 320 ألف قتيل و100 مليار دولار، مصر 7000 قتيل وخسائر سياحية 9 مليارات دولار، تونس 220 قتيل تقريبًا.
يعود هذا التفاوت إلى غياب الحد الأدنى من العقل الجمعي، وإلى تقديس الجماهير للنخب المستبدة، التي أعادت إنتاج الاستبداد باستخدام الولاءات القبلية والطائفية والمناطقية كأدوات قوة. كما فشلت النخب المعارضة في تقديم مشروع تحرري منظم قادر على تفكيك بيئة العبودية السياسية، وعلى عكس ذلك استخدمت غرائز المجتمع الأولية في تأجيج الصراعات، ولذلك ارتبط العنف والهدر والهجمات على الممتلكات مباشرة بسياسات النخب وليس بردود فعل طبيعية للشعوب.

تكشف الأرقام والفارق بين التجربتين عن أن الاستقرار النسبي في أروبا الشرقية كان ممكنًا بفضل إدارة النخب للتغيير ضمن قواعد واضحة ومؤسسات قادرة على ضبط الصراع، بينما تحولت النخب العربية إلى أدوات للعنف والانقسام بسبب ايمانها الدفين بالاستبداد، فزاد التشظّي، وتعاظم الهدر البشري والمادي، وعجزت المجتمعات عن احتواء الصراع، ما جعلها مسرحًا للعنف والارهاب والانهيار الاقتصادي والاجتماعي المستمر.

(*) الرّقيع = الأحمق السّمج



#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)       Boughanmi_Ezdine#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإشهار السياسي: كيف تُباع الأكاذيب باسم الديمقراطية
- حول مطالبة الحزب الشيوعي الإيراني بإسقاط نظام الملالي.
- أوهام الخلاص الخارجي ومآلات الخراب الداخلي
- التغيير المؤجَّل: بين دعاية -السقوط الوشيك- والأسئلة التي تخ ...
- شرعية بلا مشروع: كيف أُفرغت الدّولة من السياسة في تونس
- هل سيستولي ترامب على جزيرة غرينلاند كما توعّد؟
- من نفط فنزويلا إلى غرينلاند، أطماع ترامب العالمية، وصراع الأ ...
- المعارضة التونسية والغارة الأمريكية على فينيزويلا
- إنها تيتانيك، وليست سفينة نوح. فيا بُنيّ لا تركب معنا.
- راشد الغنوشي هو الحليف الوحيد لنظام قيس سعيّد
- كيف نفهم عملية اختطاف -مادورو- ؟ وما هي رسالتنا للمعارضة الت ...
- -ديمقراطية الأقليات- في معنى -جودة السياسة- و-الشعب المستنير ...
- حتى لا يحتقركم شعبكم !
- رسالة إلى العقلاء في السلطة وفي الاتّحاد الاتحاد العام التون ...
- الاختلاف، التسامح، وحدود المشترك في الدولة الحديثة
- قراءة نقدية في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي (2025–2030): ...
- وثيقة -الوصاية الجزائرية المزعومة- كيف نفهمها؟
- مأزق الرّمز في ذاكرة الشعوب، إضاءة على رسالة السيد منذ الزنا ...
- الانقسام داخل الفضاء العام في تونس: هل هو انعكاس لاختلاف سيا ...
- التوانسة فرّوا من حركة النهضة، وليس من الديمقراطية


المزيد.....




- في نهائي مثير.. السنغال تخطف لقب أمم أفريقيا 2026 من المغرب ...
- الشرع يبحث مع قادة إقليميين ودوليين التطورات بعد اتفاق وقف إ ...
- تفويض واسع وأسئلة كثيرة.. ماذا تستطيع اللجنة الوطنية لإدارة ...
- 21 قتيلا و100 جريح بتصادم قطارين فائقي السرعة جنوبي إسبانيا ...
- الاتفاق بين دمشق وقوات -قسد-.. نهاية الحلم الكردي بإدارة ذات ...
- السنغال تفوز على المغرب وتتوج بلقب بطل أمم أفريقيا 2026
- -مسار الأحداث- يتناول تحديات وقيود -إدارة غزة-
- سوريا مباشر.. الشرع يوقع اتفاقا لوقف إطلاق النار وقسد تطلب ض ...
- كيف بسط الجيش السوري سيطرته من حلب إلى دير الزور؟
- اتفاق تاريخي بين الحكومة السورية وقسد يشعل منصات التواصل


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - أحد الأسباب الرئيسية للتخلّف، هو إيمان النّخب الدّفين بالاستبداد.