أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - راشد الغنوشي هو الحليف الوحيد لنظام قيس سعيّد















المزيد.....

راشد الغنوشي هو الحليف الوحيد لنظام قيس سعيّد


عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)


الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 00:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ما عرفته حركة النهضة خلال العقد الماضي يتجاوز حدود الخسارة الانتخابية أو التراجع التنظيمي، ويعبّر عن انهيار نموذج حكم تشكّل في جوهره على تناقض عميق بين خطاب معلن موجّه إلى الخارج والخصوم، وبين عقيدة تنظيمية مغلقة تُحدّد شروط الانتماء والولاء داخل الجماعة. هذا التناقض، الذي رافق كل حركات الإسلام السياسي، تحوّل في تجربة الحكم إلى عامل تفجير ذاتي قاد إلى العنف، وإلى عجز كامل عن إدارة الدولة.
على مستوى الخطاب العلني، قدّمت الحركة نفسها بوصفها قوة سياسية تقبل بالديمقراطية والتعددية وحرية الرأي وحقوق المرأة، في محاولة لتحييد خصومها وتفادي الاستهداف الداخلي والخارجي. غير أنّ هذا الخطاب ظلّ منفصلًا عن الأساس الأيديولوجي الذي تتأسس عليه الجماعة، والذي يقوم على مفاهيم التمكين، وأسلمة المجتمع، والجهاد، والتكفير، وتراتبية الانتماء العقائدي. هذه المنظومة تشكل القاعدة الفعلية التي يُبنى عليها التنظيم، وتُقاس بها درجة الالتزام، وتُبرّر عبرها الممارسات.

عند الانتقال من المعارضة إلى الحكم، انفجر هذا التناقض بكامل حدّته. فمن جهة كانت النهضة أمام مقتضيات تسيير دولة مدنية، (هي في جوهرها فضاءً مشتركًا وكيانا متعددا تحكمه القوانين والمؤسسات) بكل ما في هذه المهمة من إكراهات اقتصادية واجتماعية وثقافية، ومن جهة أخرى ظلت الحركة مشدودة بعقيدة ترى الدولة أداة للسيطرة، وترى المجتمع مجالًا لإعادة الهندسة العقائدية.
في هذا السياق، ظهر العجز البنيوي عن الحكم، لا بوصفه فشلًا تقنيًا وحسب، وإنما نتيجة استحالة التوفيق بين منطق الدولة الحديثة ومنطق الجماعة العقائدية.

منذ 23 أكتوبر 2011، دخلت حركة النهضة في صدام بنيوي مع الإدارة التونسية وأعرافها، ومع القضاء الموحّد، ومع المجتمع المدني، ومع الوجدان الوطني الجامع. هذا الصِّدام لم يكن سوى التعبير الفاضح عن رؤية تعتبر الدولة غنيمة سياسية، وأجهزتها أدوات إخضاع. ومع اتّساع الفجوة بين الشعارات المعلنة والقدرة الفعلية على الحكم، لجأت الحركة إلى ما ينسجم مع بنيتها العقائدية العميقة: توظيف العنف لفرض الإذعان وخلق واقع رُعب يغطي على العجز.

في هذا الإطار جرى توظيف وزارتي الداخلية والعدل لخدمة الجهاز السرّي، وتفريغ المؤسّستين من حيادهما، وتحويلهما إلى رافعتين لحماية التنظيم. الاغتيالات السياسية، وشبكات التسفير، وتفكيك منظومة الأمن والقضاء، كلها آليات استخدمت حين عجزت الحركة عن إدارة الدولة وفق قواعدها المدنية. بمعنى أن الإرهاب كان خيارا وظيفيّا وأداة أصلية في عقيدتها، تُستدعى كلما انسدّت آفاق الحكم.

لقد كانت تجربة حكم النهضة في غاية الأهمية من جهة كونها كشفت هشاشة الخطاب السياسي للحركة. كشفت غياب رؤية اقتصادية واجتماعية قابلة للتنفيذ. كشفت عجزها عن بناء تحالفات وطنية مستقرة. كشفت سوء تقدير قيادتها لطبيعة الدولة. كشفت ارتباكها الدائم وتمزّقها بين منطق الدعوة ومتطلبات السياسة. ومع كل أزمة، كانت العودة إلى التحشيد العقائدي، وإلى تقسيم المجتمع، وإلى تغذية مناخ العنف الرّمزي والمادي، باعتبار ذلك وسيلة لتعويض الفشل في الإنجاز.

هذا المسار تعمّق بفعل العجز عن المراجعة، ورفض التغيير، الأمر الذي فجر تناقضاتها الداخلية، فكان أن استقال عدد لابأس به من القيادات، ثم خروج المئة شخصية دُفعة واحدة، وتوالى القفز من المركب. وهذا ما يؤكد منظومة المفاهيم المغلقة عند راشد الغنوشي، التي تُعلي من الولاء التنظيمي، وتُقصي التعدد، وتتعامل مع الاختلاف بوصفه تهديدًا. وفي ظل هذا الانغلاق، تآكلت القدرة على الإقناع، واتّسعت الهوة مع قواعدها ومع المجتمع عمومًا، خصوصًا لدى الأجيال الشابة التي عاشت نتائج هذا الفكر في الاقتصاد، وفي الأمن، وفي الحياة اليومية.
بالتوازي مع ذلك، دخلت الحركة مرحلة تفكّك داخلي، ونزيف حاد كما أشرنا أعلاه، بفعل الصراع على المال والمناصب، والانقسام بين الداخل والخارج، وبسبب انكشاف الجهاز السرّي وما ارتبط به من جنايات واغتيالات. وانتهت الحالة إلى مجموعة صغيرة بيروقراطية فاسدة مستمرة بالأموال، وجمهور عريض من أبناء الشعب الفقراء الذين ساروا وراءها أفواجًا مراهنين على أن حركتهم ستُنصفهم، ونصف الأغلبية الشعبية الممعوسة بالفقر والخصاصة. وهكذا أُغلق البرلمان ومُنِع المجرم من دخوله، ووجّه نداءه المُبطّن، ولكن لم يجد له من نصير.

طبعا لا حركة النهضة ولا تونس تعيش في جزيرة معزولة عن العالم، فقد تزامن هذا الانهيار مع تحولات إقليمية ودولية عميقة.
الدول التي راهنت على مقولة "الإسلام الديمقراطي" أعادت تقييم مواقفها بعد أن تبيّن لها، بالتجربة، أن وجود حركة النهضة في الحكم يحوّل الدولة إلى ملاذ آمن لشبكات التطرف. دول الإقليم التي عانت من الإرهاب، وأوروبا بدورها باتت تنظر إلى كون الإرهاب يصبح أكثر تهديدًا لأمنها الداخلي، حين تكون له دولة تُسنده وتحميه وتُموّله، وتُسهّل له الحركة من المعابر القانونية وبوثائق رسمية مزورة، وأحيانا بجوازات سفر دبلوماسية.

غير أنّ العامل الحاسم ظلّ التحول الشعبي. فالمجتمع التونسي عاش الاغتيالات، وعاين محاولات تفكيك الدولة، واختبر آثار خديعة تسييس الدّين وتطبيع العنف. هذا الوعي الجماعي أدّى إلى انهيار الحاضنة الاجتماعية، وفقدان الحركة لموقعها داخل المجتمع وأكثر من ذلك داخل مؤسسات الدولة التي تعرّضت إلى أكبر عملية تخريب ممنهج منذ ولادتها.

في ضوء هذه المعطيات، تبدو عودة حركة النهضة إلى الحكم أمرًا متعذرًا. فالشعب لن يقبل بتكرار تجربة دفعت البلاد إلى حافة الانهيار. والدولة لن تستوعب تنظيمًا سعى إلى تفكيكها من الداخل، وأذلّها وألحق بها كل صنوف الإهانات. والإقليم الذي خاض صراعًا طويلًا مع الإرهاب يرفض السّماح بإعادة إنتاج نفس البؤرة المنتجة له. أوروبا التي تواجه تهديدات أمنية متصاعدة، باتت تنظر إلى حركة النهضة في السلطة كخطر حقيقي على استقرار مجتمعاتها.

ضمن هذا السياق، تصبح علاقة المعارضة الديمقراطية بحركة النهضة، في نظر شعبها عيْبًا أخلاقيا وخطأً سياسيا فادحًا في آن واحد. ذلك أن المشكل في علاقة بهذه الحركة لا يتعلق بخلاف سياسي أو خلاف حول المرجعية الدينية في ذاتها، وإنما حول طبيعة فهم الدولة ومعنى الديمقراطية. ولذلك فإن الدفاع عن حركة ثبت بالتجربة أنها على ارتباط وثيق بالعنف من منطلق عقائدي، أدّى إلى فقدان المعارضة لمصداقيتها، وعمّق القطيعة بينها وبين المجتمع.

تونس تمتلك، في المقابل، كل مقومات بناء مشروع وطني بديل: دولة تاريخية، مجتمع متماسك، تعليم، مجتمع مدني، تقليد إصلاحي عميق. استعادة ثقة التونسيين تمرّ عبر فرز سياسي واضح يضع حدًا للالتباس بين الديمقراطية والعقيدة العنيفة. على أن هذا الفرز لا يستهدف المعتقدات أبدا، وإنما يحمي الدولة والمجتمع من مشروع أثبت أن التناقض بين خطابه المعلن وأساسه العقائدي يقود، حتمًا، إلى العنف وتدمير السياسة.

ما سقط في تونس، هو نموذج حاول الجمع بين واجهة ديمقراطية وعقيدة تمكينية مغلقة، وبين خطاب مدني وممارسة عنيفة. واستعادة السياسة لوظيفتها النبيلة تمرّ عبر فكّ ارتباط صريح مع حركة النهضة، وبناء مشروع وطني جامع، يجعل الدولة فوق الجماعات، والقانون فوق العقائد، والتعايش فوق منطق الإذعان.

ملاحظة أخيرة: أعتقد بما يقترب من اليقين أن الشخص الوحيد الواعي بحقيقة الحصار الثلاثي المضروب على حركة النهضة: من الشعب، والدولة، والمجتمع الدولي، هو راشد الغنّوشي، لذلك استسلم، ولم يبقى له ما يفعله سوى لُعبة الضحية ومسك الخيوط من وراء السّتار، ومواصلة تشغيل نُشطاء جبهة الخلاص وتضليلهم حتى لا ينفضّوا من حوله. في البداية أوهمهم بأن له تطمينات من الإدارة الأمريكية على أنها "لا تستطيع التعايش مع الانقلاب". ولمّا طالت المدة وذهبت إدارة بيدن، وجاءت إدارة مقاول عقارات شُعبوي غير معني بقضية "الديمقراطية"، دعاهم للصّبر والصمود بدعوى أن "النظام سينهار قريبا".. ومن هنا يقول البعض بأنّ أهمّ حليف لنظام قيس سعيّد هو راشد الغنوشي، وبكونه سيستمرّ ما دام راشد الغنّوشي على قيد الحياة وقادر على تقييد المعارضة في مُربّعه.



#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)       Boughanmi_Ezdine#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف نفهم عملية اختطاف -مادورو- ؟ وما هي رسالتنا للمعارضة الت ...
- -ديمقراطية الأقليات- في معنى -جودة السياسة- و-الشعب المستنير ...
- حتى لا يحتقركم شعبكم !
- رسالة إلى العقلاء في السلطة وفي الاتّحاد الاتحاد العام التون ...
- الاختلاف، التسامح، وحدود المشترك في الدولة الحديثة
- قراءة نقدية في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي (2025–2030): ...
- وثيقة -الوصاية الجزائرية المزعومة- كيف نفهمها؟
- مأزق الرّمز في ذاكرة الشعوب، إضاءة على رسالة السيد منذ الزنا ...
- الانقسام داخل الفضاء العام في تونس: هل هو انعكاس لاختلاف سيا ...
- التوانسة فرّوا من حركة النهضة، وليس من الديمقراطية
- ملاحظات حول مسيرة 17 ديسمبر 2025
- لن يُهزم الاستبداد من داخل الوصاية والتحالفات السامّة
- خرافة الأيام الأخيرة: أو صناعة الوهم
- حول أزمة الاتحاد العام التونسي للشغل
- قصة من تاريخ تونس، أو درس في هندسة السلطة
- توازن الرهانات الخاطئة: بين السلطة والاتحاد والمعارضة، لعبة ...
- المشترك الوطني ودوامة الفشل الديمقراطي: الجزء (الثالث)
- من المحاصصة إلى الشعبوية: مسار تآكل الشرعية الديمقراطية في ت ...
- من المحاصصة إلى الشعبوية: مسار تآكل الشرعية الديمقراطية في ت ...
- العقلانية كشرط للسيادة: تونس بين صخب الشعارات ومتطلبات الدبل ...


المزيد.....




- هجوم جماعي على مركبة شرطة خلال استعراض سيارات غير قانوني في ...
- مراسل CNN يُحلل خطط ترامب لإرسال سفينة مستشفى إلى غرينلاند ر ...
- -كأنها منطقة حرب-.. أمريكي عالق في المكسيك يروي ما حدث بعد م ...
- مناورات للحرس الثوري الإيراني بالمناطق الجنوبية للبلاد
- صواريخ صينية فرط صوتية لإيران.. هل باتت طهران قادرة على إغرا ...
- هل ينجح مجلس التعاون الخليجي في نزع فتيل الخلاف العراقي الكو ...
- مسلسل -مولانا-.. لُثغة تيم حسن تشعل مواقع التواصل
- روب جيتن.. أصغر ـ وأول ـ رئيس حكومة في هولندا يعلن مثليته ال ...
- مشاركة عزاء للرفيق مجد الفراج بوفاة جدته
- الجيش اللبناني يتهم إسرائيل بإطلاق النار باتجاهه وبيروت تخشى ...


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - راشد الغنوشي هو الحليف الوحيد لنظام قيس سعيّد