أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - إنها تيتانيك، وليست سفينة نوح. فيا بُنيّ لا تركب معنا.















المزيد.....

إنها تيتانيك، وليست سفينة نوح. فيا بُنيّ لا تركب معنا.


عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)


الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 18:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في هذا الوضع المتشنّج و"النّقاشات" الخارجة عن السياقات المُعتادة، حتى أصبح من الصعب تسميتها "نقاشات"، إذ هي أقرب لصدام المتعنّتين أو تصادم المتعاندين، سأحاول وضع بعض الأمور تحت الضوء، عسى أن يراها أصدقائي. ولا أقصد عامّة المُبحرين. بل أقصد الأسماء "الثقيلة" التي تؤثّث المشهد السياسي والإعلامي.

المسألة الأولى:
من باب النّزاهة والكرم الأخلاقي والحنكة السياسية واحترام الذات، واحترام الآخرين، أن يتمّ التحليل السياسي والفكري، بعيدًا عن المواقف المسبقة. بمعنى عندما نبحث ظاهرة أو حدث سياسي مثل قصة "الاتفاقية العسكرية مع الجزائر" أو "اختطاف رئيس فينيزويلا"، من المهم اتّخاذ مسافة حتى نرى الصورة كاملة وعلى نحو أوضح، لأنّه عندما نكون وسط الأحداث أو نكون جزءً منها بشكل مباشر أو غير مباشر (كما يقول المثل الفرنسي: "عندما يكون وجهك في المقود") لا يمكنك رؤية الأمور بوضوح وموضوعية ومن جميع الزوايا.
فإذا قمت بتحليل "اختطاف مادورو" وأنت تتمنى أن يتكرر المشهد في تونس، ستُدين الضحية ولا تهتم بمن قام بالاختطاف، وتدخل في التبرير، وتنسى القانون الدولي ومبدأ سيادة الدول، وينتهي تحليلك إلى استنتاجات مُقرفة.

وإذا قمت بقراءة الوثيقة المزعومة التي روّجتها حركة النهضة على أنها نسخة من الاتفاقية العسكرية، وأنت تفكر في الإطاحة بقيس سعيّد، وعقلك مُقيّد بالأسئلة التالية:
كيف سيتقبل حُلفائي ما أكتب؟
"هل هذا التحليل يعجبهم أم لا؟"
"هل يخدمهم أم لا؟"
"ماذا سيكون موقفهم مني فيما لو كتبت كذا وكذا؟" ..
عندئذ يفقد التحليل قيمته ولا ينتج فكرة موضوعية، بل ينتج تبريرات وموقف مسبق في غاية التعاسة.

لهذا المطلوب كما يقول الإمام علي "أعرف الحقّ تعرف أهله"، نقوم بالتّحليل بموضوعية وتجرّد، ثمّ بعد ذلك نبني موقفا عقلانيا منسجما مع ثوابتنا الأساسية كآدميين أسوياء، أوّلها لا نضلّل الناس. وثانيا أن لا ننخرط في ترويج الإشاعات. وثالثا أن لا تدفعنا رغبتنا في تغيير النظام إلى الانقلاب عن المبادئ الأساسية للقانون الدولي، او تدفعنا للعبث بمصالح بلادنا من أجل إضعاف نظام الحكم. وكل ما تبقّى يمكن أن يكون موضع خلاف، ولسنا مُجبرين على إرضاء فُلان أو علّان.
بعد أن ننتهي من التحليل، وقتها نرى من الذي يتفق معنا، من الذي يمكن أن يكون حليفا لنا. ومن سيعارضنا. من الذي سيواجه رأينا برأي آخر قد يطوّر موقفنا أو يُعدّله. أو يأخذنا على أسئلة جديدة... وهكذا

المشكلة أنّ التفكير السياسي في بلادنا، بكل صراحة، تلوّث بالأسئلة الانتهازية المُسبقة التي توجّه صياغة الموقف خارج معايير النّزاهة، وأهم الأسئلة: "كيف نُضعف النظام"؟
أو "كيف ستنظر السلطة إلى هذا الموقف؟"
بدل أن نسأل: "هل هذا التحليل صحيح؟
وإلى أي حد يعكس حقيقة الوقائع؟".

هذا التحليل المُشوّه الذي يتناول المسائل حسب المنفعة الآنية حصرًا، هو الذي عفّن "الفكر" وأفسد السياسة، وأفقد الناس الثقة في النّخب. وفي رأيي ليس هنالك بيئة مثمرة للاستبداد والتراجع على أبسط قيم التحديث السياسي مثل القطيعة بين الشعوب ونُخَبِها. ومع ذلك مازال السياسيون عندنا مع شعبهم إلا بوصفه كتلة غوغائية لا تصلح إلا كموضوع مغالطة. والحال أن الأمر ليس كذلك، فالإنسان تغيّر في هذا العصر، والتوانسة أيضا تغيّروا خلال السنوات الماضية، وما عاد بالإمكان مغالطتهم والتحيّل عليهم، وأنجح حيلة معهم في ترك الحِيَل.

المسألة الثانية، من المهمّ أن نُنسّب الأمور، وأن نُميّز بين المفاهيم حتى لا نخرج من مناقشة الأفكار ونقد المواقف، وندخل في الاعتداء على الأشخاص أنفسهم.
مثلا من المهم التمييز بين الموقف وصاحبه مهما كان الموقف خطيرا، (طالما لم يتحوّل الموقف إلى فعلا إجراميًّا).
وأيضا التمييز بين (الموقف الرجعي) الذي يرفض التقدّم، ويريد العودة بالمجتمع إلى العصور الوسطى، أو الموقف الذي يدافع علنًا على الاستعمار أو على الحكم الفردي، وبين الموقف التقدمي الديمقراطي الذي يسقط في [الخلط الفكري]، ما يجعله في خدمة الرّجعية. وهذه أيضا مسألة في غاية الأهمية.

ماذا يمكن ل"خلط المفاهيم" أن يفرز؟

يُفرز التقاء أطراف لا يجمعها أي مشترك على الإطلاق كالتقاء (اليسار الديمقراطي، والإرهابيين مثلا)، أو (الوسط الجمهوري، وأنصار الشريعة) حول نفس الخطاب والمهمة والشعار.
مثلا راشد الغنوشي رجل سلفي أصولي لا يؤمن بالديمقراطية إلّا كآلية للتمكّن من الدولة فقط، وأكثر من هذا الرّجل مورّط في جنايات خطيرة كالاغتيالات وجرائم اقتصادية وأمنية. ولا يمكن بأيّة حال من الأحوال أن نضع معه زيد الزّيادي التقدمي الديمقراطي اليساري في نفس السلّة. لكن رغم ذلك، بعض مواقف زيد الزّيادي، بسبب ضيق نظره وخلطه للمفاهيم وسوء تقديره لما يجري، تَصبُّ في خدمة راشد الغنوشي

ولما نقول هذا الكلام ليس المقصود منه أنّ زيد أو غيره أصبح رجعيًّا. بل يعني أنّ موقفه الفلاني يساهم بشكل غير مباشر في تقوية الإرهاب أو الفساد. وأنا شخصيا عندما أُحاول فهم حدث سياسي معين وتفسيره ضمن سلسلة من الأفكار الأخرى، ليست لي نيّة في اتّهام الأشخاص أو القدح في ذمّتهم، بقدر اهتمامي بالمواقف. طبعا أستثني الأقلية في قيادة حركة النّهضة لأني أعتبرهم مجرمين وإرهابيين ولا أسمح لنفسي بتصنيفهم كسياسيين أو أصحاب فكر.

عدا هذه الأقلية (الغنوشي وعصابته)، المواقف ومآلاتها هي التي تعنينا، وفي هذا، لا شك أن زيد حين يتكلم عن الديمقراطية، يقصد معناها التحرّري الذي نفهمه جميعا، ولكن هذا لا يمنع أنّ بعض مواقفه ساهمت في السابق، وتساهم اليوم في تمكين خصوم الديمقراطية من الدولة مرة أخرى.
لهذا، من الضروري الفصل بين الأشخاص وبين مواقفهم. ولا تتّهموننا من منطلق نواياكم وفهمكم المقلوب للأمور.

في هذا الباب بالضبط أنا في شخصي أواجه مشكلة كبيرة. من ناحية لا يمكنني القبول بنظام مستبدّ، قائم على تجريد التّوانسة من حقوقهم السياسية والمدنية، وتحويلهم إلى رقيق يعملون عند نظام الحكم بالسخرة. ولا أقبل بنظام لا يحترم لا حريات ولا حقوق ولا قوانين ولا دستور، يقوم على إرادة الحاكم الفرد، بحيث تكون إرادته هي القانون وهي الدستور. فقضية التمسك بالمبادئ الديمقراطية، هذه قضية محسومة، ولعله من باب قلّة الحياء أن يتّهمنا بالعداء للديمقراطية أُناس يعرفون مواقفنا منذ كُنّا طُلّاب مدارس.
ولكن في نفس الوقت، من سابع المستحيلات أن أقبل بمعارضة يقودها راشد الغنوشي، مهما كانت الشعارات والذرائع.

هنالك ضعف بالآراء عند الملتفين حول راشد الغنّوشي من "الديمقراطيين". وهنالك عجز فادح عن التفاهم وتوحيد الكلمة لفك الارتباط بهذه الجماعة المُخزية. وهنالك كمّ هائل من تناقض المواقف وتغيير الخنادق بدون مبرر مقبول.

عدد كبير من الأصدقاء الذين يقودون النضال مم داخل مربع الإرهاب والإجرام، لا يوجد لديهم تفكير بالمَرْكَبْ، وبمخاطر البحر والعواصف. بل يطغى على تفكيرهم الضّيق الكرسي المحتمل حتى لو كان ملطخا بدم الشهداء. هذه مشكلتي معهم.

الأزمة أكبر منا جميعا. فلا المنصب، ولا الوظيفة، ولا الدين ولا الحزب يمكن أن يضمن لك الانتماء الصحيح. بل الوطن هو البيت والسند الأعلى. وقيادة حركة النهضة لا تمثل تهديدا للبيت وحسب، بل أضرمت فيه النّار وحرقت أهله وهم يستغيثون..
قد يعجز البعض عن فهم المواقف المنحازة اليوم لهذه العصابة بعد كل جرائمها الموصوفة ضد الدولة وضد المجتمع، وضد مستقبل الأجيال القادمة، وأنا أحد المُحتارين في أمر هؤلاء. قد يكون خلط الأولويات هو السّبب في فقدان البوصلة. حيث قدّموا الانتماءات الهامشية على الانتماء لتونس. وربما حدث ذلك بتحريض وتوجيه ودعم خارجي دون علم من أغلبهم.
لا أعرف. ولكن بكل الأحوال هناك ميل واضح لدى الجماعة المتشبثة بالغنوشي، لتفسير الأمور بسطحية كبيرة. إذ مازالوا يعتقدون أن الحل والربط بيد هذا الرجل الذي مات سياسيا، وانتهى إلى مجرد ذكرى سيّئة.

أحيانا أجد لهم العذر لعجزهم عن التنبّؤ. فنحن أمّة راكدة، والزمن فيها لا يتحرك منذ قرون. ربما لهذا السبب عقولنا ليست جاهزة لتقبّل نهاية وضع ما، وحلول وضع آخر مختلف. ولطالما فوجئ الناس بالأحداث المأساوية الكبرى، حتى أنهم لم يجدوا الوقت لتفاديها. فمنذ الثورة الصناعية، والعالم في حالة تغير متسارعة. مثلا هيمن على أروبا تفاؤل ثقافي صيف 1914 ولم يكن هناك ما يشير إلى حلول كارثة مثل الحرب العالمية الأولى. وبعد ثلاثين عاما صُدِم المُتفائلون بحرب أخرى، هي الأفظع في تاريخ البشرية كلّه. كذلك الانهيار المدوّي الصّادم للاتحاد السوفييتي، وما رافق ذلك من انقلاب في النظام العالمي. ثم الصعود السريع للتطرّف الديني المُصنّع في أروقة المخابرات ومكاتب الحلف الأطلسي. ثم انتشار الانترنت... كل هذه الأمور لم تكن البشرية تتوقع حدوثها. ولكنها وقعت وفرضت شروطها.
حتى على المستوى الشخصي، فلينظر كلّ واحد منّا إلى نفسه منذ طفولته وحتى اليوم. وليفكر في حجم التغيّر الذي طرأ حوله في الأفكار والقيم والتكنولوجيا وأسلوب العيش. نحن حقًّا نعيش في عالم يصعب السيطرة عليه بمراكز البحوث، وفهمه على نحو دقيق. لذلك نرى أعدادا غفيرة من الضائعين في تونس، يترقبون عودة القطار بِرُبّانه إلى ما قبل 25 جويلية .

يوم 25 جويلية 2021 لما هبّ الشعب هبّته الحاسمة، تذكرت كتاب "البجعة السوداء" للكاتب اللبناني نسيم طالب، "أستاذ اللايقين" في جامعة نيويورك. في هذا الكتاب يسمّي عالمنا الحالي ب"الاحتمال الأعمى" ويقول إنه لقرون طويلة اعتقدنا أن البجع أبيض، حتى اكتشف العلماء أن البجع يمكن أن يكون أسودَ أيضا. أي أن الصدمة باكتشاف بجع أسود قلبت كل تصوراتنا القديمة عن البجع. وعلى هذا الأساس يجب علينا الاستعداد للصدمة من الآن فصاعدا. ويسرد المفاجآت تِباعًا: أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 إعصار تسونامي 2004 الذي دمر المدن الجميلة وقتل 230 الف إنسان في 14 دولة واقعة على سواحل المحيط الهندي. وينتهي إلى كون "ما نعرفه لا يمكن له أن يضرنا. إنما المشكلة في الأشياء التي لا نعرفها، وحين تصدمنا تعجز عقولنا عن التنبؤ بها".

القيادة المجرمة لحركة النهضة، بسيطرتها على الدولة مدة عشر سنوات، بنت "خط ماجينو" ذلك الجدار العملاق من التحصينات والبناء الذي بنته فرنسا سنة 1830 لتغطية الحدود الفرنسية ضد الخطر الألماني. والنتيجة أن رومل افتكّ مدينة كامبري الفرنسية يوم 18 ماي 1940 عبر اجتياح هولندا وبلجيكا، ثم احتل فرنسا في وقت أقل ألف مرة من السنوات الثمانية التي تطلبها بناء "خط ماجينو". وهذا ما جعل "خط ماجينو" يمثل العجز عن صد المفاجآت. لكن الفارق هو أن الفرنسيين اقتنعوا بأن الزمن تغير، وبعدم جدوى "خط ماجينو"، على عكس راشد الغنوشي والجالسون على ذيولهم حوله، هؤلاء، لم يفهموا بعد أن هذا الرجل لم يعد ينفع حتى نفسه. وأنّ ارتباطهم به وضعهم في منفى معنويّ، يعيشون في جغرافيا تونس، ولكنهم خارج أيامها وتاريخها.
كمن في المنافي، حين يجلس المغتربون، عادة ما تطفو المشاعر الحزينة بسبب ما يتعرضون له من ذكريات قاسية. تراهم يتناولون الطعام الحلال ويحتسون شرابا فرنسيا أحمر، ويسمعون الموسيقى الشرقية، ممزوجة بمأساة الحلم بوطن لا يستطيعون الرجوع اليه. والعالم مليء بقصص حزينة كهذه. مثلا، اللاجئون الروس الذين اكتظت بهم أوربا عام 1917 كانوا يظنون أن البلاشفة سيسقطون خلال أشهر. وسيعودون للاحتفال بعودة القيصر.
اللاجئون الكوبيون الذين ملأوا ميامي عام 1960 ظنوا أن الولايات المتحدة ستقضي على كاسترو خلال ايّام ويعودون الى بيوتهم.
اللاجئون الايرانيون الذين اجتاحوا باريس ولندن بداية الثمانينات، وظنوا أن الثورة الإيرانية ستفشل ويعودون الى أملاكهم ومتاجرهم بعد شهرين...
القاسم المشترك الوحيد الذي يجمع هؤلاء المنفيين عبر العصور والمنفيين معنويا في بلادنا، هو الوهم الذي يصور لهم أن التاريخ يسير على أهوائهم، وأن العودة غدًا.

المؤرخ الفرنسي رينان كتب حول هذه المسألة، حيث يصف النبلاء المخلوعين الذين يعيشون في منفاهم بلندن بعد الثورة الفرنسية. يقول كانوا يسهرون الليل كله؛ يسكرون ويتذكرون، وهم غير مصدقين بأن الرّعاع صاروا يحكمون فرنسا. وكيف قُطِع رأسي لويس السادس عشر وماري أنطوانيت. لقد وقع النبلاء ضحية المنجمين السياسيين. فهم الذين جعلوهم يتوقعون عودتهم قريبا الى أملاكهم واقطاعاتهم. إذ لا يمكن للرّعاع برأيهم أن ينجحوا. وهكذا أنفقوا مدخراتهم وهم يحلمون. يقول رينان واصفا إياهم "لم يتعلموا شيئاً، ولم ينسوا شيئاً". مجموعة من الفاسدين الحالمين بمُلك ضاع. كذلك هؤلاء الجالسين على ذيولهم حول راشد الغنوشي، غير مصدقين لما حدث. ولم يستوعبوا كيف تمكن رجل فقير، من حيّ شعبي، بلا ماضي عسكري، ولا خبرة، ولا شبكة علاقات بالعالم الحر، من الإطاحة بأكبر مجرم في تاريخ تونس، واذلاله بتلك الطريقة التي أُطرِد بها من أمام البرلمان؟ إن الصدمة تكاد تقتلهم. ولذلك يحملون "حُلما أعمى" بالعودة لما قبل يوم وقوف قاتل الشهداء أمام البرلمان ذليلًا مخذولًا بلا تابع ولا نصير.

إن ضعف الذاكرة يسبب قلّة الفهم. وقلة الفهم تُسبّب دائما مِحن كبرى. وما هو الإنسان في آخر المطاف؟
الإنسان مجرّد ذاكرة. ومن المؤسف أن تجد سياسيا لا يقرأ التاريخ. فما يصيب المرء بالصدمة والخذلان، هو ما يجهله.

الخوانجية مخيالهم غريب على تونس، وذاكرتهم مؤثّثة بماضي بعيد ومفارق، هجموا على تونس ولطّخوا أياديهم بدماء أبنائها. وظنّوا أنهم في ظرف عشر سنوات، افتكوا دولة تقف على قرون من التاريخ. نسوا أن التوانسة كانوا مواطنين قرطاجيين. هذه الأرض القديمة، هذه البقاع المقدسة، وهذه المعالم الذهبية للحضارات والديانات، كيف يمكن تسليمها للدواعش بسهولة؟

نسوا أنه من عجائب تاريخ تونس أنها هي التي افتكّت الإسلام، وليس العكس. حين جاءها الاسلام في القرن السابع ميلادي، اختطفته، واستخدمته في صراعها مع أروبا على حوض المتوسط، ثمّ نظّفته من التطرّف والغلوّ وجعلته لباسا وغطاءً من لونها ومن طينة ترابها الخصب. ولذلك احتضنت الخلافة على أرضها، وأطلقت حركة إصلاح ديني فريدة، مكّنتها من أسبقية منع العبيد قبل كل أمم الأرض. وإلّا كيف نجحت حفنة من الخيّالة العرب في غزو تونس؟ وكيف يمكن لألف سنة من الحضارة أن تسقط بضربة سيف؟ أليس هذا ما يبحث عنه المؤرّخون الغرب حين يتجهون الى قرطاج؟.
لا يصح النظر الى المستقبل وتوقّعه دون الإطلال عن الماضي. لهذا، عدد كبير من المثقفين لم يكونوا قلقين على تونس من التطرف. وعلى امتداد السنوات الماضية، كانوا يكتبون بثقة ويقين أن "هؤلاء سحابة عابرة".

بعد أن سيطروا على مؤسستي العدالة والأمن، كانوا يعبثون بالدولة وبالثروة، وهم في غاية الاطمئنان. حينها كنت أتابع ما يجري، وفي ذهني تلك البهجة والرخاء اللتين تمتع بهما الغزاة العنصريين في جنوب إفريقيا خلال الثمانينات. فلم يكن أحد ليتوقع انكسار السدّ وانفجار الطوفان. كذلك كان راشد الغنوشي مُبتهجا بعد أن سيطر على الدولة، وأمر بقتل شكري والبراهمي، وظلّ مطمئنًّا للبحر، اطمئنان الكابتن "سميث"، الذي كتب رسالة سنة 1907 يقول فيها "ولكن خلال خبرتي الطويلة لم أمرّ بحادث مِلاحي من أيّ نوع يستحق الذكر. مرة واحدة رأيت قاربا في حالة صعبة، ولكنني لم أشاهد سفينة محطمة في حياتي. ولَم أر حالة من الحالات التي يمكن أن تؤدي الى أضرار بشرية". صاحب هذه الرسالة الواثقة من الملاحة المتقدمة في مطلع القرن العشرين هو نفسه قبطان السفينة "تيتانيك" التي تحطمت بعد خمس سنوات فقط من تاريخ هذه الكلمات المتفائلة!

قصة الكابتن "سميث"، تنطبق على الغنوشي، وعلى الجالسين على ذيولهم حوله، ينتظرون وزارة. هؤلاء جميعا في محنة قلّة الفهم. ينظرون ل"تيتانيك" التي غرقت بمن فيها، على أنها سفينة نوح التي نجا من ركبها. ذلك أنّ كبيرهم الذي علّمهم السّحر، غشّهم حين انتحل صفة النّبي، فاستجابوا لندائه: "يا بُنيّ اركب معنا".

.



#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)       Boughanmi_Ezdine#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- راشد الغنوشي هو الحليف الوحيد لنظام قيس سعيّد
- كيف نفهم عملية اختطاف -مادورو- ؟ وما هي رسالتنا للمعارضة الت ...
- -ديمقراطية الأقليات- في معنى -جودة السياسة- و-الشعب المستنير ...
- حتى لا يحتقركم شعبكم !
- رسالة إلى العقلاء في السلطة وفي الاتّحاد الاتحاد العام التون ...
- الاختلاف، التسامح، وحدود المشترك في الدولة الحديثة
- قراءة نقدية في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي (2025–2030): ...
- وثيقة -الوصاية الجزائرية المزعومة- كيف نفهمها؟
- مأزق الرّمز في ذاكرة الشعوب، إضاءة على رسالة السيد منذ الزنا ...
- الانقسام داخل الفضاء العام في تونس: هل هو انعكاس لاختلاف سيا ...
- التوانسة فرّوا من حركة النهضة، وليس من الديمقراطية
- ملاحظات حول مسيرة 17 ديسمبر 2025
- لن يُهزم الاستبداد من داخل الوصاية والتحالفات السامّة
- خرافة الأيام الأخيرة: أو صناعة الوهم
- حول أزمة الاتحاد العام التونسي للشغل
- قصة من تاريخ تونس، أو درس في هندسة السلطة
- توازن الرهانات الخاطئة: بين السلطة والاتحاد والمعارضة، لعبة ...
- المشترك الوطني ودوامة الفشل الديمقراطي: الجزء (الثالث)
- من المحاصصة إلى الشعبوية: مسار تآكل الشرعية الديمقراطية في ت ...
- من المحاصصة إلى الشعبوية: مسار تآكل الشرعية الديمقراطية في ت ...


المزيد.....




- أمريكية تنتقل للعيش في بلدة إيطالية.. كيف أثر ذلك على صحة اب ...
- شاهد.. ترامب يكشف عن كمية وقيمة النفط التي تسلمتها أمريكا من ...
- اليمن.. المجلس الانتقالي الجنوبي ينفي -إعلان حله- ويؤكد مواص ...
- غرينلاند وأخواتها: ما هي الكيانات الثلاثة التي تشكّل مملكة ا ...
- كيف يمكن للقيادة الإيرانية التعامل مع الاحتجاجات التي تشهدها ...
- ماذا تريد الحكومة السورية في حلب؟
- عاجل | وول ستريت جورنال عن مسؤولين إسرائيليين: عملية جديدة ق ...
- هرمونات الرجل عبر اليوم.. متى يكون أكثر تركيزا أو أكثر توترا ...
- جزيرة القراصنة.. كيف تمكن السلطان سليمان القانوني من فتحها؟ ...
- فرق الإنقاذ تواصل البحث عن عشرات المفقودين تحت أكوام النفايا ...


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - إنها تيتانيك، وليست سفينة نوح. فيا بُنيّ لا تركب معنا.