أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - الريع السياسي: إعادة إنتاج القيم والفشل المؤسسي في تونس ما بعد الثورة















المزيد.....

الريع السياسي: إعادة إنتاج القيم والفشل المؤسسي في تونس ما بعد الثورة


عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)


الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 18:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ظلّ إعجابي بكارل ماركس في ذلك الربط الفريد بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والوعي الاجتماعي، ما أعطى العلوم الاجتماعية لاحقا أداة تحليلية دقيقة لفهم الظواهر التاريخية والاجتماعية، بعيدًا عن التأويلات الفلسفية المثالية. وألهم مدارس لاحقة
أثرت في الدراسات الثقافية والنقدية. ويمكن القول بكل اطمئنان أن الماركسية شكلت أساسًا لتحليل الإيديولوجيا والدولة والثقافة بوصفها آليات لإعادة إنتاج الهيمنة، وفهم التناقضات الجارية اليوم في المجتمعات الحديثة، وفي فوضى النظام الدولي، وكيف تتشابك الأزمات الاقتصادية مع الصراعات السياسية والاجتماعية والثقافية. فالأزمات المالية، وعدم المساواة في الثروة، وانتشار النزاعات على الموارد، والتدخلات الدولية المتباينة، لا تجري على نحو عشوائي بقدر ما تعكس أزمة النظام الاقتصادي العالمي وإفرازاتها.

الرأسمالية والضبط البنيوي للسلوك.

تقوم النظم الرأسمالية في مهدها التاريخي الغربي على نمط إنتاج صناعي منتج، تُنظَّم داخله عملية تراكم رأس المال عبر قواعد قانونية واضحة، وتستند علاقات التبادل فيه إلى مستويات مرتفعة من الثقة والشفافية. ويشكّل استقرار السوق واستمرارية الدورة الاقتصادية شرطًا بنيويًا يتطلب ضبط المعاملات، واحترام العقود، وخضوع الفاعلين الاقتصاديين لقواعد عامة مجردة.
ضمن هذا السياق البنيوي، تكتسب قيم مثل الصدق والانضباط والالتزام بالقانون وظيفة اجتماعية مباشرة مرتبطة بسيرورة الإنتاج والتبادل. ويجري ترسيخ هذه القيم عبر أجهزة الدولة الأيديولوجية، وفي مقدمتها المؤسسة التربوية، التي تضطلع بدور مركزي في تنشئة الأفراد على السلوكيات المتلائمة مع متطلبات نمط الإنتاج الرأسمالي الصناعي.

البرجوازية الوطنية ووحدة الربح والتنمية

ارتبط هذا النموذج التاريخي بظهور برجوازية وطنية في المجتمعات الرأسمالية الغربية، تشكّلت مصالحها ضمن إطار الدولة القومية، وربطت عملية تراكم رأس المال بتوسيع القاعدة الإنتاجية للمجتمع. وقد انعكس هذا الارتباط في توجيه جزء معتبر من الاستثمارات نحو تطوير البنية التحتية، وتحسين شروط السكن والتدفئة، وتوسيع التعليم العمومي، والنهوض بقطاعات النقل والصحة، ودعم البحث العلمي، إلى جانب تحديث الفلاحة والصناعة.
بهذا السياق، اتخذ الإنفاق الاجتماعي طابعًا بنيويًا نابعًا من التقاء مصالح البرجوازية مع متطلبات إعادة إنتاج قوة العمل وضمان الاستقرار الاجتماعي. ونتيجة لذلك، تشكّلت لدى هذه الطبقة ثقافة المحافظة على الدولة والمؤسسات، باعتبار الدولة أداة تنظيمية تضمن استمرارية التراكم الرأسمالي وتؤمّن الشروط العامة لإعادة إنتاج نمط الإنتاج السائد.

الاقتصاد الريعي وتشكل برجوازية غير منتجة

في مجتمعاتنا العربية وغيرها، يتخذ التشكّل الاقتصادي الاجتماعي مسارًا مختلفًا، حيث تهيمن أنماط غير منتجة من النشاط الاقتصادي، مثل الاقتصاد الريعي، والسمسرة، والصفقات الزبونية، وتتحقق فيها عملية التراكم خارج دائرة الإنتاج المباشر. في هذا النمط، تُبنى الثروة عبر التحكم في الموارد، والوساطة، والنفوذ داخل أجهزة الدولة والأحزاب ومؤسسات القضاء والأمن والإعلام.
تفضي هذه البنية إلى إضعاف الدور التنظيمي للقانون، وتحويله إلى أداة تُستخدم وفق موازين القوة الاجتماعية والسياسية. ومع تراجع وظيفة القانون كمنظّم للعلاقات الاجتماعية، تتفكك آليات الضبط المؤسسي، ويُعاد تشكيل المجال العام على أساس العلاقات الشخصية والولاءات السياسية والزبونية.

إعادة إنتاج القيم في الاقتصاد الريعي

يترتب على هذا النمط من التنظيم الاقتصادي إعادة إنتاج منظومة قيم تتلاءم مع شروطه البنيوية. ففي ظل انفصال عملية التراكم عن الإنتاج، يتحول التحايل إلى وسيلة عملية لتأمين المصالح، ويأخذ الكذب والنفاق موقعهما ضمن آليات التكيف مع منطق اقتصادي يقوم على الالتفاف على القواعد. ومع الزمن، تتجاوز هذه الممارسات حدود السلوك الفردي، لتستقر في صورة أنماط سلوكية عامة تُعاد إنتاجها عبر التكرار الاجتماعي والمؤسساتي.
ومع استمرار هذا المسار، تندمج هذه السلوكيات في الثقافة اليومية، وتُمنح شرعية ضمنية باعتبارها وسائل ملائمة للعيش داخل بنية اقتصادية واجتماعية تقوم على إعادة إنتاجها. وبهذا المعنى، يغدو الفساد والتحايل جزءًا من آلية اشتغال المجتمع، مرتبطًا مباشرة بالقاعدة المادية التي تولّده وتضمن استمراره.

المسار السياسي في تونس، ما بعد الثورة، ارتبط منذ بداياته باستيلاء البرجوازية الرثة: جماعات اقتصاد الريع والكناطرية والعصابات الاقتصادية، على الأحزاب عبر آليات التمويل السياسي.
هذا ما حوّل العمل الحزبي إلى واجهة لمصالح تلك الفئات الجشعة التي لم ترتقِ بحكم طبيعتها إلى سلوك برجوازية وطنية تساهم في البناء، وتحرص على السوق، وتحمي المؤسسات الانتاجية، وتخشى على الدولة والمجتمع، وتربط توسّع ربحها بتطوّر بلادها. وإنما ظلت على الدوام طُفيليّة، تعيش على الصفقات، والكُنطرة، والتهرّب الضّريبي، وسرقة المال العام، والإفلات من العقاب، من خلال شراء الذّمم في الأحزاب والإدارة والقضاء والإعلام والنقابات والجمعيات ..

هكذا تم إفراغ التنافس الديمقراطي من مضمونه الاجتماعي والاقتصادي، ورُبط القرار السياسي بمنطق الصفقة والولاء على حساب خدمة الصالح العام. ونتيجة هذا الاختراق المنهجي تشكّل نظام حماية تخادُمي بين المال الفاسد والنخب الحزبية والإعلام، فعملية تبييض الفشل وتزيين الفساد جارية بحرص واقتدار منذ سنوات، حتى تحوّل الحديث عن جرائم حركة النهضة إلى عبء أخلاقي، ونقدها إلى عمالة للسلطة، واتخذ انقلاب القيم شكله المتكامل حين أُعيد تعريف الديمقراطية بعيدا عن انعكاسات حكم تلك "الديمقراطية" الفاسدة على الأغلبية الفقيرة، على الصحة والتعليم والبنية التحتية والبطالة، وعلى مؤسسات الدولة، وعلى المديونية. وبات الخراب مُحصَّنًا بسرديات غريبة عجيبة تُهاجِم كلّ من يفضحه وتُجرّمه. فأنت لو ذكّرت الناس بالجرائم الإرهابية، على سبيل المثال، أو أشرت إلى الأسباب الحقيقية التي أوصلت الاتّحاد إلى أزمته الحالية، لا يُناقشونك، وإنما يُصنّفونك فورا بأنك "عدو الديمقراطية" و"عميل للاستبداد"، بمنطق المثل الفرنسي القائل:
"On vous montre la lune, vous regardez le doigt"

مع الأسف هذا الأسلوب الإخواني الحقير تعمّم، وأصبح ثقافة هستيرية لها رموز في اليسار وفي اليمين، ولها جمهور ومتكلُّمون وصفحات وشارع. والأشنع من هذا أن الحكم الفردي يتغذّى بذهنية الإنكار هذه، فتزدادُ شعبيته وأنصاره كُلّما تكلّم هؤلاء المُتحيّلون الذين تحوّلوا، في نظر شعبهم، إلى كابوس حقيقي.



#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)       Boughanmi_Ezdine#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أفول الهيمنة الغربية على العالم
- في استحالة الدولة الكُرديّة
- أحد الأسباب الرئيسية للتخلّف، هو إيمان النّخب الدّفين بالاست ...
- الإشهار السياسي: كيف تُباع الأكاذيب باسم الديمقراطية
- حول مطالبة الحزب الشيوعي الإيراني بإسقاط نظام الملالي.
- أوهام الخلاص الخارجي ومآلات الخراب الداخلي
- التغيير المؤجَّل: بين دعاية -السقوط الوشيك- والأسئلة التي تخ ...
- شرعية بلا مشروع: كيف أُفرغت الدّولة من السياسة في تونس
- هل سيستولي ترامب على جزيرة غرينلاند كما توعّد؟
- من نفط فنزويلا إلى غرينلاند، أطماع ترامب العالمية، وصراع الأ ...
- المعارضة التونسية والغارة الأمريكية على فينيزويلا
- إنها تيتانيك، وليست سفينة نوح. فيا بُنيّ لا تركب معنا.
- راشد الغنوشي هو الحليف الوحيد لنظام قيس سعيّد
- كيف نفهم عملية اختطاف -مادورو- ؟ وما هي رسالتنا للمعارضة الت ...
- -ديمقراطية الأقليات- في معنى -جودة السياسة- و-الشعب المستنير ...
- حتى لا يحتقركم شعبكم !
- رسالة إلى العقلاء في السلطة وفي الاتّحاد الاتحاد العام التون ...
- الاختلاف، التسامح، وحدود المشترك في الدولة الحديثة
- قراءة نقدية في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي (2025–2030): ...
- وثيقة -الوصاية الجزائرية المزعومة- كيف نفهمها؟


المزيد.....




- -إعصار القنبلة- يتجه نحو الساحل الشرقي للولايات المتحدة.. إل ...
- تشييع هدى شعراوي إلى مثواها الأخير وتفاصيل مروعة عن مقتلها
- -المال القديم-.. أسلوب موضة يجعلنا نظهر أثرياء من دون مبالغ ...
- تركي الفيصل عن العلاقة مع الإمارات: مبنية على -وشائج المودة- ...
- تقارير تنقل عن إحاطة للجيش الإسرائيلي اعترافه بمقتل 70 ألف ش ...
- إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية قد تخفض عدد عناصرها في مينيا ...
- خبراء: تحالف باكستان مع السعودية وتركيا فرصة جيدة محفوفة بال ...
- بين الإغراء والضغط.. لماذا قالت مرسيدس -لا- لترامب؟
- بسبب التأشيرات.. بروكسل تجرّ ألمانيا إلى المساءلة القانونية ...
- جنوب أفريقيا وإسرائيل تتبادلان طرد ممثليهما الدبلوماسيين وسط ...


المزيد.....

- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - الريع السياسي: إعادة إنتاج القيم والفشل المؤسسي في تونس ما بعد الثورة