أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - بين فخ النضال المشترك وذُعر عودة -العدو. لماذا لا يُحسم الصراع في تونس ؟















المزيد.....

بين فخ النضال المشترك وذُعر عودة -العدو. لماذا لا يُحسم الصراع في تونس ؟


عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)


الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 20:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


"

بدل الصراع الفكري حول الديمقراطية، والعدالة، وإدارة الدولة، تشهد تونس، بسبب وجود حركة النهضة، مواجهة صفرية تحركها المخاوف الوجودية والمصالح المباشرة لكل طرف. فالصراع يدور بين منظومتين فاشلتين بكل ما يحمله اللفظ من معنى للفشل. بحيث تقود السلطة الحالية البلاد بلا بوصلة ولا حلول اقتصادية ولا سياسات عامة واضحة ومعقوله.
وفي المقابل تبدو حركة النهضة وكأنها الجسم الرئيسي في المعارضة، ولأنها تمثل في نظر التوانسة عنوان فشل المنظومة السابقة، علاوة على تورّط قيادتها في جنايات وجرائم اقتصادية شتّى، فإن الصراع المحتدم بين أنصار السلطة وأنصار النهضة، صراع وجودي، لا علاقة له بالفكر ولا بأساليب الحكم. لذلك لم يبق للطرفين غير العنف اللفظي على وسائل التّواصل الاجتماعيّ، وحتى في مستوى الشعارات المرفوعة في المظاهرات، كأداة أساسية يستعملها كل مخيّم لتثبيت مواقفه.

في جبهة النهضة والمعارضة المرتبطة بها، لا يدور النقاش حول خيارات اقتصادية ومشروع تنموي شامل ينتشل البلاد من الأزمة لسببين:
أولا، لأن النهضة كانت في السلطة ولم تقم بشيء من هذا، بل لعلّ الأزمة الحالية -التي هي في قلب مسؤولية الرئيس قيس سعيّد- هي أيضا، في وجه من وجوهها، امتداد لسياسات الخراب التي أنتهجتها حركة النهضة.
وثانيا لأن قضيتها وجودية، وبالتالي هي تخوض معركة البقاء تحت غطاء الحريات، والترويج لكون فتح ملفاتها في مسارات قضائية هو مجرد استهداف سياسي، مستفيدة من وجود عشرات السياسيين والإعلاميين والنقابيين من خارج صفوفها في السحون. وكأن السلطة، بما سُمّي"ملف التآمر على أمن الدولة" وما حوله من محاكمات جائرة للدّيمقراطيين، قدمت طوق النجاة لرموز الإرهاب من قادة النهضة، الأمر الذي شجّعهم على الإمعان في الإنكار، والتصرّف وكأنهم ضحايا مثلهم مثل غيرهم. وهم يدركون أن الورقة الوحيدة الرّابحة المُتبقية بين آياديهم، هي تموقعهم في قلب معركة الحريات، وإقناع بقية الأطراف بأن لا حلّ دون عودة المنظومة الدستورية السابقة. وهم يدركون أن لا شيء آخر سيضمن وجودهم القانوني والسياسي في البلاد.

من جهة أنصار الرئيس، ومن بينهم الفئة الأوسع من الشباب والحزام الشعبي، رغم قناعتهم بالفشل الذريع لهذه المنظومة، يرون في قيس سعيّد فرصة تاريخية لإنهاء وجود النهضة السياسي حتى لا تعود للحكم مرة أخرى. ولعل دفاعم الأعمى والشرس على الفشل، لا يُفيد بأنهم "أعداء الحرية، ومتخلفون، وزقانفة، وشياطين.." كما تستسهل المعارضة تصنيفهم بِجرّة قلم، بل ينبع (حصرًا) من هذا الذُّعر الذي يتملّكهم من عودة عصابة النهضة للحكم. والحقيقة أن هذه المسألة أضرّت بالمعارضة الديمقراطية ضررًا فادحًا بسبب فخّ "النضال المشترك" واندماجها في معركة النهضة تحت شعار "الحرية لا تتجزأ" بحيث صار الناس يرونها في نفس خندق النهضة. والحقّ هذا الضرر وتبعاته مُتأتّي من عجزها عن فهم خلفية رفض التوانسة الحاسم والقاطع لحركة النهضة، وإصرارهم على منعها من العودة للسلطة. هذا الرفض الشديد، وهذا الإصرار الحادّ لا يُشبه إصرارهم على رفض أي طرف سياسي آخر، وذلك لِسببين مُترابطين، تمنيّت لو أنهما حظيا بالاهتمام:
السبب الأول، هو أن النهضة هي الطرف الوحيد الذي غشّهم باستعمال مدركاتهم الرّوحية، إلى درجة شعورهم بأنها تلاعبت بثقتهم، وغدرتهم باستغلال مشاعرهم الدينية.

والسبب الثاني، هو أن النهضة هي الطرف الوحيد الذي هدّد الدولة في وُجودها، ومارس القتل ضد الجيش والأمن، وهذا خلّف نَدْبَة في الضمير الجماعي لشعب ارتبط وجوده بالدولة، ولم يسبق له طوال تاريخه أن عاش في العراء خارج كنفها وأسوارها، ما جعله يشعر أن تهديد الدولة تهديد لحياته وحياة أطفاله ومستقبلهم. وهذا ما جعل التونسي ينظر للنهضة كعدوّ، وليس كحزب سياسي.

هنالك عوامل متعددة محيطية وتاريخية وثقافية جعلت للتونسي خصوصيات تميّزه. ولكن بصفة عامة كل الشعوب المندمجة ثقافيا، حين تُطعَن في دينها، فهي تُطعن في "روحها" ووجدانها وفي العقيدة التي أعطت معنى لوُجودها الاجتماعي والأخلاقي. والأمة التي عاشت لقرون طويلة في ظل دولة مستمرة دون انقطاع، تصبح فيها الدولة، الجسد والمظلة وصمّام الأمان وحارس منظومة القيم والوجدان الجمعي وضامن استمرارها. وعندما تتعرض الدولة للتهديد يشعر الشعب بالخوف من اليتم الحضاري، وفقدان الأمان، والعراء. إذ يخشى المجتمع على فقدان الكيان الذي غطّاه عبر القرون، ومنحه هويته وخصوصيته بين الأمم.

أعتقد بقوّة أن هذه هي الأسباب التي جعلت التونسي يتأذّى من العلاقة غير الطبيعية بين المعارضة الديمقراطية وحركة النهضة. ولذلك نراهم في اغلبيتهم يميلون لتبرير فشل الرئيس ب"المؤامرة" و"التعطيل الممنهج من الداخل"، واستهداف الدولة من قِبل "اللوبيات والفاسدين"... وكل هذه الأمور الغريبة العجيبة التي لا يقبلها إلا عقل مريض بالذُّعر. فلا تنفع الحجج الرقمية ومشاهد العجز والانهيار لإقناعه، لأنّه مُصاب إصابة أخطر في مكان آخر متعلقة بتعرّضه لخديعة في دينه ودولته.

وكما قلنا أعلاه، عندما يغيب العقل، ويغيب معنى المصلحة العامة، لا يستطيع أنصار السلطة الحالية الاعتراف بالإخفاق التنموي، لأن ذلك يعني انهيار سردية "التخلص من النهضة" التي بنوا عليها مساندتهم للرئيس.
ولا تستطيع المعارضة المرتبطة بالنهضة قبول النقد الموجه لفترة حكمها، لأن ذلك يُجردها من شرعية "الدّفاع عن الحريّة".
وبالنتيجة أدى هذا الاستقطاب الثنائي الصفري الأعمى، إلى تحوّل الفضاء الافتراضي إلى ساحات لتصريف الأزمة العامة بشكل مُشوّه. ولا شك أن هذا يعيق بناء أي حوار عقلاني حقيقي. فصاحب الرأي المنفصل عن المصلحة الشخصية، تحركه القناعات، ويبني موقفه على أدلة وتحليل معلومات. ولأنه يناقشك في مساحة عقلانية، يسهل عليك إقناعه إذا قدمت له أدلة قوية وحجج منطقية متماسكة، ما تجعل الوصول معه إلى قواسم مشتركة أمرًا ممكنًا جدًّا، حتى لو اختلفت معه في أمور أخرى كثيرة.

بينما صاحب المصلحة الذي تُحركه المنفعة والبقاء في السلطة أو العودة إليها، فيستحيل إقناعه، لأن في تخلّيه عن موقفه خسارة مادية أو سلطوية، حتى وإن كان يشاركك نفس الفكر والإيديولوجيا.

رغم أني لا أتذكّر بدقّة الحكيم الذي قال: "لو أن القواعد الهندسية تعارضت مع مصالح الناس، لدحضوها". ومع ذلك يعجبني هذا التعبير المجازي، لأنه يؤكد على أن المصلحة المادية، مع الأسف، تتقدم دائما على الحقائق المطلقة والأفكار المجردة والقيم المُثلى.



#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)       Boughanmi_Ezdine#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين البوصلة المفقودة وفقه الضرورة المُزوّر
- في عناد التاريخ الذي لا يُرد.
- تاريخ البايات في تونس: لا شيطنة ولا تمجيد، قراءة في سياقها
- لا أحد يقبل بسقوط النظام الإيراني باستثناء الكيان الصهيوني
- هنري كيسنجر ونظام صدام حسين: هندسة الانعطاف الكبير - كيف شكل ...
- الإمارات هي خيمة التهديد للأمن الجزائري، وليس القُراد الملتص ...
- بغض النظر عن الوسائل: المشروع هو أساس النهوض
- تونس العطشانة: لماذا ينقطع الماء والكهرباء لساعات طويلة في ه ...
- وراء مضيق هرمز، مخطط صهيوني لتفكيك إيران وتصفية القضية الفلس ...
- هل سقطت الهدنة؟
- تشييع الإمام استفتاء على المشروع: إيران بين نقد الداخل ومواج ...
- في مضيق هرمز، كأن التاريخ يعيد سيناريو السويس.
- وهم نزع السلاح: لماذا تخسر بيروت معاركها السياسية؟
- إضاءات سريعة حول مشروع -إسرائيل الكبرى- وطبيعة الصراع في الش ...
- طوفان الأقصى أجبر السعودية على إعادة تعريف عدوّها
- الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وسياسة حافّة الهاوية
- ترامب أو -الإنسان الآلي المُتوحّش- !
- -العالم بين المعنى والآلة: صراع الإنسان مع منطق الإبادة-
- محور المقاومة بين القدس وطهران: حسابات التاريخ والجغرافيا وا ...
- هل للعرب مصلحة في إسقاط إسرائيل للنظام الإيراني؟


المزيد.....




- -الوقائع العسكرية-: اقتران -سوخوي-25- مع مسيرات -غيران- الرو ...
- - قاع الهامور- يصعد إلى الترند في مصر، ما القصة؟
- مسلحون يقطعون طريق دمشق – السويداء.. والامتحانات الثانوية ره ...
- أوكرانيا وروسيا في سباق خطير.. موسكو وبكين تطوران بديلًا لـ- ...
- حرب إيران وقواعد أمريكا في الخليج.. نهاية عصر الحصون الكبرى؟ ...
- سوريا.. الجيش الإسرائيلي يتوغل في قرية أم العظام في ريف القن ...
- -أكسيوس-: اجتماع -نادر ومثمر- بين وزير الخارجية السوري ورئيس ...
- -واشنطن بوست-: هل تنفذ إيران ضربة استباقية قبل انتخابات التج ...
- الجيش اليوناني ينقل بطارية باتريوت إضافية إلى جزيرة كريت
- -مناهضو الحرب في السودان- يرفضون مقترح الحوار ويطرحون مسارا ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - بين فخ النضال المشترك وذُعر عودة -العدو. لماذا لا يُحسم الصراع في تونس ؟