أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - تاريخ البايات في تونس: لا شيطنة ولا تمجيد، قراءة في سياقها















المزيد.....

تاريخ البايات في تونس: لا شيطنة ولا تمجيد، قراءة في سياقها


عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)


الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 04:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين نتحدّث عن القصر الحسيني من باب النزاهة أن نُنسّب الأمور حتى لا نسقط في شيطنة البايات ونضعهم جميعًا في سلّة واحدة دون تمييز بينهم. وثانيا من المهمّ التذكير بأن هذا القصر بدأ تونسيّا إلى حدّ كبير، لأن مؤسس الدولة الحسينية (حسين باي الأول) أبوه يوناني وليس تركيّا، وأمّه شارنية من الكاف، وحين ولد حسين تربّى تربية تونسية خالصة عند أخواله.
ولكن من ناحية أخرى لا يمكننا فصل مسار الدولة الحسينية عن التأثير البالغ للإمبراطورية العثمانية. فلقد كانت الأستانة تتحكّم في العرش في تونس من خلال المماليك الذين كانوا يُرسلون كل سنة للباي بعد أن يتمّ إعدادهم للحكم. والرجال من المماليك يدخلون البلاط ويصبحون ووزراء ورجال سلطة. أما العلجيات فأغلبهن يتزوجهم البايات [عمدِا]، حتى لا يولد بايات لهم أخوال توانسة، ما سيؤدّي بمرور الزمن لِتَتَوْنس الحكم بصورة تامّة. وعلى سبيل المثال تزوج حسين باي بالجارية الإيطالية "ماريا دومينيكا دوريا"، التي أسرها القراصنة وأهدوها له. فأدخلها للإسلام وسمّاها آمنة (وتُعرف بـ"منانة")، وأنجبت له محمد وعلي ومحمود.

بالعودة للمماليك الذين حكموا تونس تحت جناح الباي الحسيني، نجد فئتان: فئة مُثقفة وإصلاحية ساهمت في تطور العمران بصفة عامة في تونس، أمثال خير الدين، والجنرال حسين ... وفئة أخرى تركت أثرًا سيّئا جدّا، أمثال مصطفى خزندار الذي كان بمثابة "رئيس وزراء" عند الباي في آواسط القرن التاسع عشر، ويُموّل بناء الكنائس في اليونان بأموال تونسية. أو مصطفى بن إسماعيل الذي كان نادلًا في خمّارة ليليّة قذرة، يُمارس فيها الاستعباد الجنسي على القُصّر، وهو أحد ضحاياها. ثمّ أهداه أحد تجّار الأطفال للباي. ومن هناك أصبح وزيرا أكبر، فأغرق البلاد في المديونية، وتسبب في احتلال فرنسا لتونس.

البايات كذلك مختلفون، فمحمد الرّشيد الأديب والفنان والشاعر المولع بالموسيقى، والتي سُميت المدرسة الرشيدية باسمه، وابن أخيه حمودة باشا الذي جمع بين تطوير العمران في الداخل (بناء المدارس والجسور والأسواق، والنهوض بالأمن، وتحديث الجيش والأسطول البحري)، وبين توسع نفوذ تونس في الخارج باستقلالية تامة عن الأستانة(ترسيم الحدود مع الجزائر، عقد معاهدات عديدة مع الدول الأوروبية فيها الكثير من الامتيازات لصالح تونس). ومحمد الناصر باي الذي واجه قانون التجنيس الفرنسي عام 1922 وانحاز للحركة الوطنية، في ما يُعرف ب"أزمة العرش". والمنصف باي الرجل الوطني الذي خُلع عن العرش ومات في المنفى بسبب مواقفه المناهضة للاستعمار...

هؤلاء لا يمكن مقارنتهم ببايات آخرين عُرفوا بِجَوْرهم واضطهادهم اللّامعقول للأهالي، وبفساد حكمهم وعمالتهم المطلقة للقوى الخارجية. ولعلّ أسوأهم محمد الصادق باي الذي انتهى به الأمر إلى استبعاد نواة حركة الإصلاح والتحديث التونسي(محمود قبادو، والنيفر، وابن أبي الضياف، وبيرم الخامس، وخير الدين، والجنرال حسين ...) الذين بنوا الصادقية، ونشروا التعليم، ونظّموا القضاء وطوّوروا الإدارة، وبعثوا جمعية الأوقاف، وأسّسوا بلدية تونس سنة 1858 كأول بلدية في البلاد العربية. وعوّضهم بأحد غِلمانه مصطفى بن اسماعيل سيّء الذكر، وما حوله من أفسد الخلق والسّوقى والمجرمين واللّصوص، والذين أغرقوا البلاد في الديون عن طريق التآمر مع السماسرة الكبار والمضاربين الأجانب في البنوك الأروبية التي استقرّت لتوّها في تونس، وكانت العاقبة أن فتحوا الباب لدخول عسكر فرنسا إلى قصر باردو وإجبار الباي على توقيع معاهدة 12 ماي 1881 التي بموجبها آستُعمِرت البلاد، ونُهبت خيراتها لمدة ثمانين عامًا، وما تزال.

أما عن آخر البايات الذي خلعته الجمهورية يوم 25 جويلية 1957، والذي طالما أثار الجدل، واختلف حوله التوانسة بين أغلبية ساحقة تعتبره آخر مسمار أجنبي في جسد تونس، وبين أقلية يقودها التيار الإخواني المعادي للدولة الحديثة، والمسكون بالحنين الدّائم للخلافة العثمانية، تعتبره ملك تونس الشرعيّ، وقد غدر به بورقيبة وخلعه وصادر أملاكه وأهانه على غير وجه حقّ.

أوّلا هذا الرّجل كان مكروها جدًّا وإلى أبعد الحدود، لأنه قبِل باعتلاء العرش بعد خلع المنصف باي، بكل تأثير وطنية المنصف باي على الضمير التونسي. ولاحقًا لمّا تطوّرت الحركة الوطنية، وحازت القضية التونسية اعترافًا واسعًا على المستوى الدّولي، وتحت تأثير فرحات حشاد وصالح بن يوسف والدكتور محمد بن سالم، سيتّخذ موقفا جريئًا لمّا أذن لحكومته في ديسمبر 1951 برفع شكاية لدى الأمم المتحدة، بعد أن رفض "روبار شومان" وزير خارجية فرنسا المطالب التونسية وأوقف المفاوضات.
ولكن في عام 1954 قبل بإصلاحات (مزالي وفوازار) التي عارضتها الحركة الوطنية بشدّة. وهنا نفتح قوسين للتوضيح: (حكومة محمد الصالح المزالي هي آخر حكومة يعيّنها الاستعمار، ويعتبرها الحزب الحر الدستوري الجديد حكومة معادية وعميلة، فرضها المقيم العام "فوازار"، ولذلك سيمثل جميع أعضاؤها أمام المحكمة العليا سنة 1957، وسيُزجُّ بهم في السجون).

هذا يعني أن لمين باي كانت مواقفه تتأرجح حسب مصلحة استمراره على رأس العرش، وليس من منطلق انحيازه للحركة الوطنية كما يدّعي متكلّمو التيار الإخواني. بحيث من الواضح أن المواقف "الايجابية" اتخذها تحت ضغط تطوّر الأحداث التي اتّسمت بملامح اقتراب الاستقلال. ولعل هذا ما يفسّر الاختلاف بين أبنائه وبناته في علاقة بالحركة الوطنية. فنحن من جهة أمام إبنته زكية باي زوجة الدكتور محمد بن سالم الوطني المستقل، التي كان بيتها يعُجّ بقادة الحركة الوطنية، وكانت تُموّل الحركة الوطنية، وتموّل الاتحاد العام التونسي للشغل، وتموّل المنظمة الخاصة(الفلّاڨة).
ونحن أمام صلاح الدين إبن لمين باي المهتم بالرياضة ونادي حمام الانف لكرة القدم وغير معني بالسياسة.
ونحن أمام عائشة إبنة لمين باي التي استقبلت بورقيبة في 1 جوان 1955 في حلق الوادي يوم عودته الأخيرة، وقد صعدت إلى الباخرة ورفعت يده بيدها وهو نازل.

ولكن أيضا، نحن أمام ليليا إبنه لمين باي التي كانت الإقامة العامة الفرنسية تُهديها أفخم السيارات، مقابل ما تُقدّمه من تقارير للبوليس حول تحركات زعماء الحركة الوطنية.
ونحن أمام الشادلي باي الأمحال إبن لمين باي ووليّ عهده ومستشاره، الذي يكنّ حقدا دفينا للحركة الوطنية، والذي تآمر على الاستقلال، وحاول على الدّوام قطع العلاقة بين الباي وفرحات حشاد، وكذلك إبعاده على كل من له علاقه بحزب الدستور. ولاحقًا سيكون له دور مُهمّ في إشعال الفتنة داخل الحزب، أو ما صارت تُعرف ب"الفتنة اليوسفية". ولذلك اغتالته الحركة الوطنية.

أكثر من هذا، موضوعيا كانت الأمور واضحة للباي منذ أفريل 1956، لما كوّن الحبيب بورقيبة حكومته الأولى، وتمّ انتخاب المجلس التأسيسي، كان واضحًا أن الاستقلال يسير في اتجاه غلق قوس حكم البايات في تونس. ويُقال أن إبنتيه عائشة وزكية وصهره محمد بن سالم، نصحوه بأن يستبق الأحداث ويعلن الجمهورية، ويُسلّم السلطة لنخبة الاستقلال، ويبقى بايًا شرفيًّا. ولكنّه رفض، وراهن على عجز حكومة بورقيبة وعودة فرنسا لتثبيته على العرش، وظلّ يناجي ذلك الوهم، إلى أن داهمه 25 جويلية وخلعه خلعًا.

من هذا المنطلق، أنصح الشباب بقراءة تاريخ بلادهم قراءة نزيهة وموضوعية، بخيره وشرّه. وأن يُنسّبوا الأمور ويضعوا الأشخاص والأحداث في سياقاتها، حتى لا يسقطوا في إصدار أحكام إطلاقية تعميميّة، فيضعوا كلّ البايات في سلّة واحدة، ويرجمونهم، أو يجعلوا منهم ضحايا. وبالمناسبة تونس فيها مؤرّخون كبار درسوا المرحلة الحسينية وفتّشوها تفتيشًا أكاديميًّا يخلو من الانفعالات والأحكام المُسبقة. ولا يجب أبدّا الاستماع لا للإخوان الذين يتبنّون قراءة أفسدها حلمهم بالخلافة، وحقدهم على الدولة الحديثة وكلّ ما ارتبط بها تنوير ورموز التنوير، وكلّ ما فيه ضوء في تونس. ولا الاستماع لبعض أحفاد البايات، الذين لا يقولون شيئًا حول الانتهاكات والجرائم التي ارتكبها البلاط الحسيني في فترات عديدة ضد الأهالي، من استعباد النساء والرجال ومصادرة الأملاك، وصولًا إلى القتل والإبادة، لعلّ أبشعها ما تعرّض له جبل وسلات من حرق وتخريب لمقوماته الاقتصادية والحياتية، ومن تهجير وقتل لأهله، وجبل وسلات في ذلك الوقت هو ثاني أكبر تجمّع سكني بعد العاصمة. لا يقولون شيئًا من هذا، وعمّا آرتُكِبَ من مجازر وفضاعات، ولكنهم يصعدون على المنابر ليتباكوا على "قفطان للّة جْنَيْنة" و"شيشخان للّة جْنَيْنة" و"ذهب للّة جْنَيْنة" الذي افتكّه بورقيبة وحاشيته.



#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)       Boughanmi_Ezdine#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا أحد يقبل بسقوط النظام الإيراني باستثناء الكيان الصهيوني
- هنري كيسنجر ونظام صدام حسين: هندسة الانعطاف الكبير - كيف شكل ...
- الإمارات هي خيمة التهديد للأمن الجزائري، وليس القُراد الملتص ...
- بغض النظر عن الوسائل: المشروع هو أساس النهوض
- تونس العطشانة: لماذا ينقطع الماء والكهرباء لساعات طويلة في ه ...
- وراء مضيق هرمز، مخطط صهيوني لتفكيك إيران وتصفية القضية الفلس ...
- هل سقطت الهدنة؟
- تشييع الإمام استفتاء على المشروع: إيران بين نقد الداخل ومواج ...
- في مضيق هرمز، كأن التاريخ يعيد سيناريو السويس.
- وهم نزع السلاح: لماذا تخسر بيروت معاركها السياسية؟
- إضاءات سريعة حول مشروع -إسرائيل الكبرى- وطبيعة الصراع في الش ...
- طوفان الأقصى أجبر السعودية على إعادة تعريف عدوّها
- الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وسياسة حافّة الهاوية
- ترامب أو -الإنسان الآلي المُتوحّش- !
- -العالم بين المعنى والآلة: صراع الإنسان مع منطق الإبادة-
- محور المقاومة بين القدس وطهران: حسابات التاريخ والجغرافيا وا ...
- هل للعرب مصلحة في إسقاط إسرائيل للنظام الإيراني؟
- اليسار الشيوعي في أوروبا الغربية: قصة المنع المؤبّد
- الريع السياسي: إعادة إنتاج القيم والفشل المؤسسي في تونس ما ب ...
- أفول الهيمنة الغربية على العالم


المزيد.....




- فرق الإنقاذ تبحث عن ناجين من الزلزال القوي الذي ضرب إندونيسي ...
- براد كوبر يختتم جولة شرق أوسطية استمرت 10 أيام
- معتد جنسي متهم بإرهاب حي راق في كاليفورنيا بطريقة مرعبة
- الولايات المتحدة.. مقتل 6 في ولاية إنديانا بسبب العواصف والف ...
- لقطات صادمة توثق لحظاته الأخيرة.. شرطة كاليفورنيا تقتل شابا ...
- إيران وسلطنة عمان تتفقان على خريطة الملاحة عبر مضيق هرمز
- انفجارات قوية تهز العاصمة الأوكرانية كييف
- مراسل -فيلت- في كييف: المسيرات الروسية تحولت إلى كابوس حقيقي ...
- القيادة المركزية الأمريكية تتراجع عن نشر خريطة تظهر الضفة ال ...
- اكتشاف سر مشترك بين مرض نادر يصيب الأطفال وألزهايمر


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - تاريخ البايات في تونس: لا شيطنة ولا تمجيد، قراءة في سياقها