أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - الثّورة بين حتميّة الدّاخل ومكائد الخارج















المزيد.....

الثّورة بين حتميّة الدّاخل ومكائد الخارج


عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)


الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 17:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


فشل الثورة ضاعف قابلية اعتناق فكرة أنها كانت مؤامرة غربية. يعني لم يعد التجمعيون وحدهم يصفونها ب"الربيع العِبري"، وإنما التحق بهم عدد كبير حتى من المثقفين وصُنّاع الرأي من كلّ الاتّجاهات.

رغم أن هذا الموضوع أُشبِع بحثًا، أُريد التذكير بأنّ الأغلبية الساحقة من المفكّرين الذين تناولوا بالدّرس حركة الثورة والتغيير التي اجتاحت المنطقة العربية منذ آواخر 2010، استهجنوا فكرة "المؤامرة"، وهم متفقون في الخط العام على كون الثورة ظاهرة محلية في الأصل، لها عواملها الجوهرية المتداخلة، أبرزها الأوضاع الاجتماعية والاقتصاديّة، واستبداد نظام الحكم.

ولو خصّصنا الحديث عن تونس، فالعوامل الاقتصادية والاجتماعية، يمكن إيجازها في ثلاثة نقاط أساسية:
الأولى: فشل السياسة الاقتصادية في تحقيق التنمية والحدّ من التّفاوت الجهوي. بحيث كانت الأرقام الرّسمية تشير على الدّوام إلى تحقّق النموّ، مقابل غياب التنمية في حياة الناس، ما يفيد أن ما كانت تشير له تلك الأرقام هو نمُوّ شكلي أدى إلى استثراء فئات قليلة ثراءً فاحشا وتطوير بعض المناطق السياحية والمنتجعات الخاصة، على حساب إفقار وتهميش الملايبن في الأطراف والمناطق الداخلية.

الثانية: البطالة وانسداد الأُفُق أمام الشّباب وخاصة خِرّيجي الجامعات في المدن المُهمَّشة التي غاب عنها الاستثمار، مما خلق بيئة خصبة لتسييس اليأس والغضب.

والثالثة: التحالف الثُّلاثي بين رجال الأعمال المقربين من رأس النظام، والأجهزة الأمنية، والأسرة الحاكمة. هذا التحالف الاحتكاري أنتج فسادًا واسعًا أقصى فئات اجتماعية عريضة وفاقم نقمتها.

أما العوامل السياسية فيمكن اختصارها أيضًا في ثلاثة مظاهر ميّزت نظام الحكم منذ مطلع التسعينات:

أولا، غياب الحريات وهيمنة البوليس والحزب الحاكم على الفضاء العام بصورة تكاد تكون مطلقة. فكان النظام تسلطيّا قمعيًا بكل المقاييس.

ثانيا، امتداد زمن التسلّط لعقدين كاملين، خلق حالة عامة من الشُّعور بالعار والرّغبة في استرداد الكرامة. ولذلك شكّلت صورة البوعزيزي وهو يحترق بمثابة "القادح" الذي فجّر الغيظ الشعبي المكتوم دُفعة واحدة ضد الإذلال والظلم الاجتماعي، وسرعان ما أصبح شعار "الكرامة" هو المرجع الأخلاقي والمحرّك الأكبر للشارع المطالب بإسقاط النظام.

ثالثا، ردّ فعل السلطة المستهتر، فلقد استخف النظام بالهبّة الشاملة، لأنه لم يدرك حجم التحول النوعي المجتمعي بسبب تراكم بطالة عشرات الآلاف من أصحاب الشهائد العليا، وقدرة هؤلاء على التّشكيك في شرعية النظام ودحضهم لِخِطابِه الزّائف. فواجه المتظاهرين بالمعالجة الأمنية العنيفة القاحلة، التي أفضت إلى سقوط شهداء آخرين بعد البوعزيزي، وكان هذا هو الخطأ القاتل، الذي فاقم نقمة التوانسة، ووسّع نطاق الاحتجاج حتى سقط رأس النظام.

هذه هي العوامل الداخلية الموضوعية التي تداخلت وأدّت إلى انفجار واسع، بلغ ذروته يوم 14 جانفي في مشهد سرّع في اتّساع جروح النظام الداخلية وقروحه المخفيّة، فكان التصدّع داخل معسكر الحكم وأجهزته المختلفة. وفقد النظام قدرته على ضبط الأحداث.

كلّ ما تقدّم يعني أنه لو لم يكن هنالك تصميم شعبي واسع على التغيير، لما سقط النّظام بالفعل الخارجي.. فالخارج يمكنه دعم تمرّد الأقليات وتسليحها في أطراف تراب دولة ما. ويُمكنه اختراق الأجهزة وتنظيم انقلاب عسكريّ يُطيح بالسلطة الحاكمة. ولكن من المستحيل أن يُطلق ثورة شعبية يُشارك فيها ملايين الناس ويُقدّمون التضحيات الجسام. فهذا التحليل خاطئ علميا، وسخيف بالنظر للوقائع، وعنصريّ من جهة أهدافه المُغرِضة، لأنه يسعى لنزع قدرة الشعوب على التغيير، وتثبيت "ميلها الطبيعي للعبودية"، وهو نفس التوجّه الايديولوجي الذي قاد صموئيل هنتغتون للقول بأن "الديمقراطية ظاهرة مسيحية".

بالرغم من الإصرار على أن الثورة ظاهرة محلية لها عواملها الدّاخلية، من المؤكد أيضًا أنه ما أن تتوسع الاحتجاجات وتأخذ طابع التمرّد والعصيان والثورة على النظام، حتى تكفّ على أن تكون محليّة، لتصبح شأنًا إقليميًا ودوليًا، فتندفع الدول فورا لاحتوائها خشية مآلاتها. ذلك أن الثّورات مُخيفة جدًّا، مثلها مثل الجوائح، إذا بدأت سُرعان ما تتخطّى الحدود وتنتشر. وحينئذ يصبح الخارج معنيًّا بالحدث ومؤثّرا جدًّا فيه، حسب مصالحه، إمّا مُساعدًا على إسقاط النّظام، أو مساعدا على تثبيته، أو مُغذّيا لحالة الفوضى وعدم الاستقرار. هذا إضافة إلى أن هذا "الخاج" ليس شيئا واحدا منسجما، بل هو قوى متباينة المصالح والأهداف ومنطلقات تدخّل كُلّ منها، وحجم التدخّل، وأساليبه، ومدى تأثيرها في مسار الأحداث المحلية زمن الثورة، أو بعد سقوط النظام.
بالنّتيجة، لا يصُحّ القول بأن "الثورة كانت مؤامرة". ولا القول بأنّ "الخارج لم يتدخّل". والصّواب، حسب رأي معظم الباحثين الدّيين، والذي أتبنّاه، هو أنّ الثورة هي التي دفعت الخارج لإجهاضها وحماية نفسه منها.

هنا تدخل عوامل أخرى تتعلّق بالتّاريخ السياسي للبلد، بطبيعة تكوين النخب ومدى نُضجها واستعدادها للتفاهم في ما بينها حول المستقبل، ومدى أهليتها للاستجابة لتطلّعات شعبها، أو مدى قابليتها للتوظيف من الخارج. بثقافة الدولة والمؤسسات ورسوخها في الوعي العام، الأمر الذي يحمي البلاد من الانهيار، أو يساعد على الانهيار مثلما حدث في عدة نماذج. بحجم الطبقة الوسطى. بمستوى التعليم. بدرجة التجانس المجتمعي. بعقيدة الجيش ودرجة تدخّله في السياسة ورغبته في الحكم، ومدى التزامه أو عدم التزامه بحماية الناس والمرفق العام، وضبط الحدود والسيطرة على تدفق السلاح والمال في أوضاع الانفلات الأمني.

إذن هذه كلها عوامل تتظافر لِتؤهّل المجتمع لقبول التعددية والتحاور تحت سقف الدولة، أو تجعله يتحاور بالعنف والسلاح.

بعد ذلك فقط، يأتي تأثير العامل الخارجي. تأتي توجهات القوى الإقليمية والدولية، فبناءًا على طبيعة الداخل ودرجة تماسك نُخبه، إما تنجح هذه القوى أو تفشل في إجهاض الثورات وإفساد نتائجها، حماية لمصالحها ومنعًا لانتشار "فيروس الديمقراطية".

ويأتي العامل الاقتصادي ومدى تبعيته أو استقلاليته وقدرة البلد على الصمود أمام ضغوط المشروطية المالية الخارجية (مثل المساعدات، القروض، أو العقوبات). وهذا العامل مهم للغاية من جهة كونه يُحدّد مدى قدرة النخب التي صعّدتها الثورة على التفلّت من الإملاءات الخارجية، أو الخضوع لها.

ويأتي مدى تقبل أو رفض النظام الدولي لظهور فاعلين جُدُد في منطقة استراتيجية، يحملون رؤية استقلالية، حيث تُفضل القوى الدولية المؤثّرة، حتى لو ادّعت العكس، "الاستقرار الاستبدادي" على حساب التحول الديمقراطي غير مضمون النتائج.

المقصود من هذه الورقة الموجزة، هو التّأكيد على أنّ هذا الموضوع مُعقّد جدّا، ولا يتحمّل التّسطيح والاختزال وإصدار الأحكام السّهلة.



#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)       Boughanmi_Ezdine#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين فخ النضال المشترك وذُعر عودة -العدو. لماذا لا يُحسم الصر ...
- بين البوصلة المفقودة وفقه الضرورة المُزوّر
- في عناد التاريخ الذي لا يُرد.
- تاريخ البايات في تونس: لا شيطنة ولا تمجيد، قراءة في سياقها
- لا أحد يقبل بسقوط النظام الإيراني باستثناء الكيان الصهيوني
- هنري كيسنجر ونظام صدام حسين: هندسة الانعطاف الكبير - كيف شكل ...
- الإمارات هي خيمة التهديد للأمن الجزائري، وليس القُراد الملتص ...
- بغض النظر عن الوسائل: المشروع هو أساس النهوض
- تونس العطشانة: لماذا ينقطع الماء والكهرباء لساعات طويلة في ه ...
- وراء مضيق هرمز، مخطط صهيوني لتفكيك إيران وتصفية القضية الفلس ...
- هل سقطت الهدنة؟
- تشييع الإمام استفتاء على المشروع: إيران بين نقد الداخل ومواج ...
- في مضيق هرمز، كأن التاريخ يعيد سيناريو السويس.
- وهم نزع السلاح: لماذا تخسر بيروت معاركها السياسية؟
- إضاءات سريعة حول مشروع -إسرائيل الكبرى- وطبيعة الصراع في الش ...
- طوفان الأقصى أجبر السعودية على إعادة تعريف عدوّها
- الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وسياسة حافّة الهاوية
- ترامب أو -الإنسان الآلي المُتوحّش- !
- -العالم بين المعنى والآلة: صراع الإنسان مع منطق الإبادة-
- محور المقاومة بين القدس وطهران: حسابات التاريخ والجغرافيا وا ...


المزيد.....




- في إشارة لرغبتهم بأن يخلف ترامب في الرئاسة.. هذا ما هتفت به ...
- مصدر لـCNN: ولي العهد السعودي حث ترامب على ضرب الحوثيين.. وا ...
- بعد السيطرة على مواقع استراتيجية.. الحوثيون: الملاحة في باب ...
- بزشكيان: لا أؤيد استمرار الحرب، وترامب يواجه ضغوطاً لإنهائها ...
- قبيل انطلاق قمة -بريكس-.. بوتين وبيزشكيان يصلان إلى نيودلهي ...
- عمره 25 ألف عام.. اكتشاف أقدم دليل في العالم على استخدام الـ ...
- يائير غولان يقاضي سارة نتنياهو بسبب تصريحات مرتبطة بهجوم 7 أ ...
- ألمانيا: أسلحة ومخططات اغتيال .. اتهامات جديدة لعناصر من حما ...
- اليمن.. الحوثيون يعلنون تنفيذ عملية عسكرية واسعة في عدد من م ...
- السيسي يصل إلى نيودلهي للمشاركة في قمة بريكس


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - الثّورة بين حتميّة الدّاخل ومكائد الخارج