|
|
رؤية السودان الجديد: قراءة في جذور الأزمة الوطنية ومسارات إعادة بناء الدولة
سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي
الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 12:01
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
⭕رؤية السودان الجديد: قراءة في جذور الأزمة الوطنية ومسارات إعادة بناء الدولة
⭕مركز اون ريسيرش للبحوث العلمية والإستشارات
▪️إعـــداد: سعد محمد عبدالله - محلل سياسي متخصص في الشؤون السودانية
▪️مقدمــــــة
يَمُرُّ السودان بأزمة وطنية ممتدة وشائكة، لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد صراع سياسي وعسكري عابر، أو نزاع مفتعل بين قوى متنافسة على السلطة، وإنما باعتبارها نتيجة تراكم تاريخي لأزمة المشروع الوطني، وتركيبة بنية الدولة، وطبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم، وقضايا الحكم وإدارة الموارد والتنوع والتعدد السوداني، إلى جانب الإختلالات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والسياسية التي حالت دون بناء دولة تستوعب جميع السودانيين على قدم المساواة، أو على الحد الأدنى من التوافق الوطني، وإنطلاقًا من ذلك، فإن الخروج من هذه الأزمة لا يكون بتغيير الحكومات أو تبديل النخب وحدها، وإنما بفتح طريق جديد عبر الحوار الموضوعي لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أساس المواطنة المتساوية، والحرية، والسلام، والعدالة، وإدارة التنوع باعتباره مصدرًا للقوة وليس سببًا للصراع، وفي هذا السياق، تطرح رؤية السودان الجديد ضمن مشاريع متعددة في السودان تصورًا لبناء دولة علمانية وديمقراطية قائمة على المواطنة بلا تمييز، وعلى وحدة وطنية تقوم على التنوع والقبول بالآخر.
المرحلة الأولى: تشخيص جذور الأزمة الوطنية
تتمثل نقطة البداية في الإعتراف بأن المشكلة السودانية مركبة ومتعددة الأبعاد؛ فقد نشأ المشروع الوطني في دولة ما بعد الإستقلال في واقع التنوع التاريخي والثقافي والديني والإثني للسودان، حيث تحمل الهوية السودانية في تركيبتها حوالي 570 إلى 600 مجموعة إثنية، تتحدث نحو 100 أو 114 لغة قبل إنفصال الجنوب في العام 2011م، وهناك ديانات متعددة: «الإسلام والمسيحية والديانات الأفريقية التقليدية أو المعتقدات المحلية»، وقد نصت إتفاقية نيفاشا (إتفاقية السلام الشامل لعام 2005م) والدستور الإنتقالي على حرية المعتقد والعبادة وحماية حقوق جميع أتباع الأديان في السودان، مع مراعاة التنوع الديني والثقافي بين الشمال والجنوب، وكذلك نصت إتفاقية جوبا لسلام السودان على تكوين «مفوضية قومية للحريات الدينية» بغية تعزيز حرية الأديان وحقوق المعتقدات في السودان، وضمان حيادية الدولة تجاه الأديان، وكفالة الحقوق والحريات الأساسية للعبادة، ومنع إستغلال الدين في السياسة، وتعزيز أسس السلام والتعايش السلمي والتعددية، وقد أدى الفشل في إدارة هذه القضايا إلى إختلال العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المركز والأقاليم، وإلى تباعد المسافة التنموية بين المدينة والريف، وبذلك إضمحل الرابط الذي يجمع السودانيين، مما تسبب في إنفجار ردود أفعال عنيفة ومتعددة الأوجه، مثل «تفاعلات الحركة السياسية والفكرية، والإحتجاجات الشعبية، وحمل السلاح»، وقد أسهم إحتكار السلطة والثروة وتركيزهما في المركز في إنتاج أنماط متراكمة من التهميش السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي؛ كما أدى غياب مشروع تنموي متوازن بين الأرياف والمدن إلى تعميق الفوارق بين المناطق، ويمكن تحليل المشهد من خلال أخذ نموذجين لمنطقتين، إحداهما في العاصمة والأخرى في الأقاليم، عبر قياس حجم الخدمات العامة في كلتيهما؛ بينما ساهمت الحروب المستمرة في الجنوب ودارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان في إضعاف المؤسسات الوطنية وتعطيل حركة التطور الديمقراطي والتنموي، وكانت إتفاقية جوبا لسلام السودان خطوة نحو معالجة مشكلة السودان، لكن إندلاع حرب أبريل 2023م خلق تحديات سياسية وأمنية وإقتصادية جديدة في البلاد، بعد أن أعلنت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن السودان عن تقارير موثقة لوجود تمويل ودعم خارجي لمليشيا الدعم السريع، ولكن إذا عدنا إلى تحليل تركيبة المشكلة السودانية، فإن الحقيقة التي تواجهنا هي عدم إمكانية معالجة هذه الأزمات بتفسير أحادي؛ فالإضطهاد القومي، والتهميش الإقتصادي، والإستغلال الطبقي، والتمييز على أساس الدين والنوع والجغرافيا، كلها كانت أبعادًا مترابطة للمشكلة السودانية، وما زالت الأسئلة تدور حولها في نقاشات الساسة والمفكرين والإعلاميين، وقد جادل عدد من الكتاب في هذا الإتجاه، على رأسهم الدكتور حيدر إبراهيم في كتبه: «أزمة الإسلام السياسي: الجبهة الإسلامية القومية في السودان نموذجًا»، و«التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية»، و«العلمانية: المفهوم والقضايا»، وهو ما يستدعي بناء منظور متكامل لا يفصل بين قضايا الهوية والعدالة الإجتماعية والتنمية والديمقراطية والعلمانية، وبهذا الصدد، نجد الدولة تسير نحو الأحسن تحت قيادتها الحالية التي تعمل على إصلاح الأوضاع.
المرحلة الثانية: إعادة تعريف مفهوم الوطن والوحدة
إن الوحدة الوطنية المستدامة لا يمكن أن تقوم على فرض هوية واحدة أو تذويب الهويات المتعددة، وإنما على بناء رابطة وطنية جديدة يشعر فيها جميع المواطنين بأن الدولة تمثلهم وتحمي حقوقهم وحرياتهم، ومن هنا تبرز «السودانوية»، التي كان الدكتور جون قرنق دي مبيور من رواد التنظير لها، باعتبارها إطارًا جامعًا للهويات السودانية المختلفة، والأساس النظري لبنية رؤية السودان الجديد، بحيث لا يكون الإنتماء إلى العروبة أو الأفريقانية أو الدين أو الثقافة أو الجغرافيا سببًا للتمييز، وإنما تكون المواطنة أساس العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة؛ فالوحدة المطلوبة ليست مجرد وحدة جغرافية، بل وحدة سياسية وإقتصادية وإجتماعية وثقافية قائمة على الحقوق والواجبات المتساوية؛ ولهذا فإن بناء السودان الجديد يتطلب الإنتقال كليًا من وحدة تقوم على الهيمنة والتسلط إلى وحدة تقوم على الإعتراف بالتنوع والتعدد، ومن دولة مركزية محتكرة إلى دولة ديمقراطية لا مركزية توزع السلطة والثروة بصورة عادلة.
المرحلة الثالثة: تجديد الفكر السياسي السوداني
بعد عقود من الصراع والتجارب السياسية والعسكرية، وفشل النخب في إنتاج حلول لبناء السودان، تصبح المراجعة النقدية ضرورة وليست ترفًا فكريًا؛ فالرؤية السياسية التي لا تراجع مساراتها وأدواتها في ضوء المتغيرات تتحول إلى خطاب جامد لا يجدي نفعًا، بينما يقتضي المشروع الوطني المستقبلي تطوير أدوات التحليل والتنظيم والعمل السياسي المستمر وفق شروط المرحلة والتصورات الموضوعية للحركة السياسية والإجتماعية، ولتدقيق دراسة الخلل البنيوي في العقل السياسي السوداني على مدار التاريخ، يمكن الاطلاع على كتاب «النخبة السودانية وإدمان الفشل» للدكتور منصور خالد، والذي حلل أزمة السودان منذ الإستقلال إلى فترات الحكم الوطني، وقد أكدت الأحداث التاريخية أهمية نقد تجارب الحكم والإدارة في دولة متنوعة الأعراق واللغات والأديان، بغية السير نحو المستقبل وفق رؤية واضحة، بحيث تستجيب للتحولات الداخلية والخارجية، ولأسئلة الدولة والإقتصاد والتعليم والأرض والثقافة والهوية والدين والسياسة وسيادة حكم القانون وحقوق الإنسان وإصلاح قطاع الأمن والعلاقة مع المحيطين الإقليمي والدولي، والهدف من التجديد هو بناء خطاب سياسي وطني حديث ومنفتح، قادر على مخاطبة الواقع الجديد والتحول نحو الديمقراطية والعمل السياسي السلمي؛ فالتجديد الحقيقي يعني أيضًا الإنتقال من خانة رد الفعل إلى المبادرة والإبتكار، ومن التركيز على خلل النظام إلى إمتلاك تصور واضح لبناء النظام الجديد، ومن إنتاج الشعارات العامة إلى صياغة السياسات والبرامج التي تخاطب حياة المواطنين اليومية.
المرحلة الرابعة: الإنتقال من منطق الحرب إلى العمل السياسي الجماهيري
شكّل الكفاح المسلح مرحلة تاريخية مهمة في مواجهة أنظمة القمع والدفاع عن قضايا المناطق المهمشة، وقد شهد السودان في تاريخه الحديث نشوء حركات ذات طابع مسلح، مثل الأنانيتين «1-2» من العام 1955م وحتى العام 1972م، وتلتها الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان في العام 1983م، وبعدها ظهرت حركات دارفور بداية الألفينات، وخلال هذه التواريخ تم توقيع حوالي 34 إتفاق سلام لم تحقق السلام المستدام، لكن، وفقًا لإتفاقية جوبا لسلام السودان التي وُقعت في 3 أكتوبر 2020م، وما تلاها من تحولات سياسية وعسكرية مختلفة، أوجبت إجراء مراجعات نقدية صارمة تستفيد من دروس التجربة، وتضع الكلفة الإنسانية والسياسية لهذه الأزمات في صميم التقييم، ويتطلب ذلك التوقف عند حاجة الدولة إلى إنهاء تعدد الجيوش لصالح بناء جيش وطني واحد لا شريك له، وهذا ما نص عليه بروتوكول الترتيبات الأمنية في إتفاقية جوبا للسلام، الذي يتحدث عن دمج قوات الحركات في القوات المسلحة وفق برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR)، وقد تغيرت تركيبة المجتمع السوداني، وتداخل الريف بالمدينة، وأصبح ملايين السودانيين يفكرون الآن بشكل مختلف عما كان عليه الحال في الماضي، كما نهضت قوى إجتماعية جديدة من الشباب والنساء والمهنيين والطلاب والعمال والمزارعين والرعاة والمجتمع المدني، ولذلك لم يعد ممكنًا بناء التغيير الوطني عبر الإعتماد على وسيلة واحدة، بل ينبغي إستحداث آليات جديدة لبناء الدولة ومخاطبة قضايا الشعب الآنية والمستقبلية، والإبتعاد عن إستخدام العنف المسلح مع الإقتراب من الحوار السلمي الديمقراطي، والعمل على حماية الوحدة والسيادة الوطنية؛ فالعمل السياسي السلمي وسط الجماهير أو تجاه الدولة يجب أن يصبح محورًا مركزيًا في المرحلة الجديدة، مع بناء الصلة العضوية بين نضالات الريف والمدن، وبين قضايا التحرر والسلام والتنمية، والحركة التي لا ترسخ وجودها في ميادين العمل السياسي المدني والسلمي تواجه صعوبة في تحويل التضحيات إلى مشروع تغيير جذري في بنية الدولة والمجتمع.
المرحلة الخامسة: السلام باعتباره مدخلًا للتغيير لا لإعادة إنتاج الأزمة
عندما نقف على تجربة السودان نستخلص حقيقة أن السلام ليس مجرد إتفاق لوقف إطلاق النار، ولا هدنة مؤقتة لإستراحة المقاتلين ثم إستئناف المعركة، وإنما عملية سياسية وإجتماعية تعالج جذور الصراع وتفتح الطريق أمام إعادة بناء الدولة وفق أسس جديدة، ولهذا فإن الحوار والحل السياسي السلمي ينبغي أن يقودا إلى تغيير حقيقي في بنية الدولة والمجتمع، لا إلى إعادة توزيع مواقع الإحتفاظ بأدوات الحرب؛ فالسلام المستدام يحتاج إلى معالجة قضايا المواطنة والسلطة والثروة والتنمية والعدالة والهوية والعلاقة بين المركز والأقاليم، وإنهاء ظاهرة تعدد الجيوش لصالح جيش سوداني واحد؛ فالحل السياسي يجب ألا يتحول إلى وسيلة لإطفاء طاقة الثورة والمقاومة الوطنية أو أن يؤدي إلى تفكيك المؤسسات العسكرية والمدنية، بل ينبغي أن يكون مدخلًا لبناء رابطة سياسية وإقتصادية وإجتماعية وثقافية جديدة من خلال مفهوم الوحدة على أساس التنوع والمواطنة بلا تمييز.
المرحلة السادسة: بناء أعمدة المواطنة المتساوية والدولة الديمقراطية الحرة
كلمة المواطنة ليست مجرد خطبة سياسية أو نص دستوري، وإنما علاقة متكاملة بين المواطن والدولة؛ فهي تشمل الحريات والحقوق السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، وتحتاج إلى مؤسسات دولة قادرة على ضمان ممارسة هذه الحقوق في الواقع، ومن ثم فإن الدولة الجديدة لن تكون دون عيوب، لكن عندما يوضع العيب على طاولة حوار عقلاني يجد العلاج المناسب، وقد قال الزعيم الهندي مهاتما غاندي: «إن حب الوطن يعني إحتضان عيوبه والعمل على إصلاحها، لأن الحب الحقيقي لا يتجلى إلا من خلال إظهار الجهد»؛ لذلك يجب إقامة أعمدة الدولة على الديمقراطية التعددية، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، وحماية الحقوق والحريات، وضمان التداول السلمي للسلطة والتقاسم العادل للثروة بين المركز والأقاليم، وهنا يمثل الحكم اللامركزي ضرورة لإعادة توزيع السلطة والثروة، وتقريب الدولة من المواطنين، وإتاحة المشاركة الشعبية، وتعزيز الشفافية والنزاهة والمحاسبة والإستجابة للإحتياجات المحلية بكل تفاصيلها، وهذا يقتضي ترسيخ مؤسسات الدولة على أسس مهنية ووطنية، بحيث تصبح وظيفتها الأساسية خدمة المواطنين وحمايتهم وتحقيق رفاههم في سودان جديد ناهض ومزدهر.
المرحلة السابعة: معادلات العدالة الإجتماعية والتنمية المتوازنة
لا يمكن بناء رؤية المواطنة الحقيقية في ظل الحرب والفقر والتهميش والبطالة والأوبئة وإنعدام تكافؤ الفرص؛ فالعدالة السياسية تحتاج إلى حزمة متكاملة من القواعد الإقتصادية والإجتماعية تجعل الحقوق قابلة للممارسة، ومن هنا يجب أن يترافق مشروع السودان الجديد مع خطط وبرامج للنهوض الإقتصادي والتنمية المستدامة، وإعادة توزيع الموارد بصورة عادلة، وفتح الإستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية، ودعم الإنتاج الزراعي والحيواني والصناعي، ونقل خدمات المدينة إلى الريف المنتج بغية تحسين الإقتصاد الوطني، وتوفير فرص العمل للشباب والنساء في كل السودان؛ فقد شهد السودان تراجعًا وإنكماشًا إقتصاديًا كبيرًا بعد حرب أبريل الأخيرة؛ لكن ينبغي العمل على معالجة هذه الإشكالية وإنهاء التفاوتات التاريخية دون خلق أشكال جديدة من التمييز، وربط العدالة الإجتماعية بمكافحة العنصرية والإستغلال والتمييز على أساس النوع واللون والجهة، ومن هنا، فإن موضوع القضاء على الإضطهاد القومي وخطاب الكراهية والتطرف لا ينفصل عن معالجة الإستغلال الإقتصادي والإجتماعي وتحقيق العدالة للجميع.
المرحلة الثامنة: بناء الكتلة الوطنية التاريخية
التغيير الوطني يحتاج إلى كتلة إجتماعية وسياسية واسعة تتجاوز الإنقسامات التقليدية وتضع قضايا الوطن في مقدمة أولوياتها، ولا يمكن لهذه الكتلة أن تقوم على تحالفات ظرفية فقط أو مفاهيم جهوية، بل تحتاج إلى برنامج وطني مشترك تحت إدارة الدولة، ويجمع القوى التي تضررت من التهميش والتمييز والفقر وسنوات الحرب، بما فيها إنتهاكات مليشيا الدعم السريع المتمردة التي وثقتها تقارير وطنية ودولية، منها تقرير الأمم المتحدة في فبراير 2026م، وتشمل تلك القوى طيفًا واسعًا من العمال والمزارعين والرعاة والنساء والشباب والطلاب والمهنيين والنقابات والمجتمع المدني والقوى السياسية والإجتماعية التقليدية والجديدة المنتشرة في المدن والريف، دون أي فرز، وهنا يصبح من المهم التمييز بين التحالف التكتيكي والتحالف الإستراتيجي؛ فالأول يقوم على برنامج حد أدنى، بينما يسعى الثاني إلى بناء مشروع سياسي طويل المدى يوحد قوى التغيير والتحرر حول أهداف واضحة لمقاومة مشروع الحرب والبحث عن عوامل تحقيق الوحدة وصياغة مشروع وطني لبناء أعمدة الدولة والمجتمع الإنساني التعاوني.
المرحلة التاسعة: بناء الحركة السياسية الجديدة
إن بناء السودان الجديد يحتاج إلى تنظيمات سياسية ديمقراطية ومؤسسية قادرة على ممارسة عملية النقد والمراجعة والتجديد، وتقبل التنوع، وإستيعاب الرأي والرأي الآخر، وتتيح المشاركة الواسعة للشباب والنساء والمثقفين والقوى الإجتماعية الجديدة، ويجب العمل على ترسيخ مؤسسات العلوم الإنسانية؛ فالمرحلة القادمة لا تحتمل التنظيمات المغلقة أو البيروقراطية الجامدة والإنكفاء على تسويق مشاريع مضادة للدولة ومؤسساتها القانونية الراسخة، أو تجاهل تحديث مناهج التعليم كأساس للتطور والنهضة الوطنية، ولذلك لا بد من تفعيل مؤسسات سياسية وطنية قادرة على العمل وسط الجماهير، والإستماع إلى المجتمع، والإستجابة لمتطلبات العصر من خلال تحويل المطالب الشعبية إلى برامج وسياسات تواكب تطور العلوم والمعارف الكونية، ولا بد من إدراك معنى الوطن وأهمية إعتماد التخطيط الإستراتيجي في إعماره؛ كما ينبغي أن يصبح الإعلام والفكر والثقافة أدوات أساسية في بناء الوعي الوطني الجديد؛ لأن تغيير الدولة نحو النهضة لا يكتمل من دون تغيير الثقافة السياسية والإجتماعية التي أنتجت الفشل في إدارة التنوع، مما أدى إلى إنتاج التهميش والأفعال المضادة له.
المرحلة العاشرة: نحو مشروع وطني جامع
إن الإنتقال من الأزمة القائمة إلى الدولة الجديدة ليس حدثًا واحدًا، ولا يحتمل التجزئة، بل عملية تاريخية ومعاصرة متعددة المراحل، تبدأ بتشخيص جذور الأزمة وتوصيفها بشكل صحيح، مع توفير آليات الإصلاح الشامل والمتدرج، ثم إعادة تعريف مفهوم الوحدة الوطنية، وتجديد الفكر السياسي، وتعزيز العمل الجماهيري السلمي، وفتح منابر الحوار في مختلف القضايا بغية تحقيق السلام الشامل، وبناء مؤسسات الدولة وفق قواعد المواطنة والديمقراطية التشاركية، وتحقيق العدالة الإجتماعية والتنمية، وصولًا إلى بناء كتلة تاريخية وازنة تستطيع أن تكون رافعة لمشروع التغيير وبناء الدولة والنهضة الشاملة، والسودان الجديد ليس مجرد شعار سياسي، وإنما تصور متكامل لإعادة تأسيس علاقة المواطن بالدولة وفق وسائل دستورية، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وبين التنوع والوحدة، وبين الحرية والعدالة، وبين السلام والتنمية المستدامة، وتبقى المهمة الأساسية هي تحويل هذه الأفكار عبر الحوار السوداني إلى مشروع سياسي وإجتماعي حي، قادر على مخاطبة أسئلة السودانيين اليومية، وعلى بناء دولة جديدة يشعر فيها كل مواطن بأن حقوقه مصونة، وأن هويته محترمة ومحمية بالقانون، وأن مشاركته في صناعة المستقبل ليست إمتيازًا تمنحه النخب، وإنما حق أصيل من حقوق المواطنة وفق نصوص دستورية واضحة، ومن هذه الزاوية، يصبح بناء السودان الجديد عملية متدرجة تبدأ بالفكر، وتمتد إلى التنظيم والعمل الجماهيري، وتنتهي عند بناء دولة ديمقراطية حرة ولامركزية، قوامها المواطنة المتساوية، والسلام العادل، والعدالة الإجتماعية، والتنمية المتوازنة، والوحدة القائمة على أساس التنوع التاريخي والمعاصر.
#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
إتفاقية جوبا بعد ستة أعوام: طريق السودان الجديد
-
طائرُ الجُهَيْمِ والقرنُ الأفريقيُّ: ماذا نحن فاعلون؟
-
خطاب السودان أمام الأمم المتحدة: رؤية السلام والسيادة وإصلاح
...
-
نظرة على منجزات الدبلوماسية السودانية والحضور الأفريقي في ال
...
-
ناهض حتر: من ذكرى الإغتيال إلى مشروع للحوار من أجل حرية الفك
...
-
رؤية السيادة والسلام في رسالة الخارجية السودانية إلى واشنطن
-
قراءة في كلمة القائد مالك عقار بمناسبة الصلاة من أجل السودان
...
-
معادلة حظر السلاح في السودان بين حق الدولة ومخاطر الحرب
-
لقاء القائد مالك عقار والآلية الخماسية: قضايا الحرب والسلام
...
-
أفريقيا الجديدة: تحديات العبور إلى المستقبل
-
الذكرى العاشرة لرحيل القائد وليام قوبيك
-
نقاشات حول الحوار السوداني
-
قراءة حول مبادرة الحوار السوداني وموقف الإتحاد الأفريقي
-
الحوار السوداني: تأملات سياسية بين ضرورة مواجهة الخلافات ومخ
...
-
قضية السودان أمام مجلس الأمن الدولي بين جدلية حظر السلاح ومخ
...
-
ما تراه الحكومة وما نراه في زيارة وفد الإتحاد الأفريقي للسود
...
-
السودان و«إيساف»: خطوات نحو دور إقليمي فاعل في صناعة الأمن و
...
-
ماذا يُقرأ بين سطور المقال المشترك للاتحادين الأفريقي والأور
...
-
قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية ا
...
-
تصريح صحفي: إتصال هاتفي مع نائب رئيس مجلس السيادة حول مستقبل
...
المزيد.....
-
أفعوانية تتوقف فجأة.. وركاب عالقون على ارتفاع 30 مترًا
-
إيران ترفض مساعي أمريكا لتوجيه المفاوضات نحو الملف النووي وت
...
-
الجيش الإسرائيلي يستأنف العمل على طريق سوفا 53 و يستهدف بالق
...
-
بعد 5 أيام من إخفائه: نيابة أمن الدولة تحبس صحفي -متصدقش- مح
...
-
ماذا نعرف عن تجربة -صنع كلب خارق- الفاشلة في الأربعينيات؟
-
-تهديد إماراتي بسحب المليارات من بريطانيا- - في التلغراف
-
عراقجي: الحرب والعقوبات لن تجدي نفعا
-
بقائي: هناك نقاش جدي للغاية في إيران حول الانسحاب من معاهدة
...
-
إثيوبيا.. القوات الحكومية تسيطر على ميكيلي عاصمة تيغراي
-
أستراليا تجدد العقوبات على أبو مريم الأسترالي
المزيد.....
-
المرأة ملاك أم شيطان؟
/ مريوان هلبجي
-
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
/ نور الدين البوثوري
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|