أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - سعد محمد عبدالله - قراءة في كلمة القائد مالك عقار بمناسبة الصلاة من أجل السودان ورسالة التعايش والسلام















المزيد.....

قراءة في كلمة القائد مالك عقار بمناسبة الصلاة من أجل السودان ورسالة التعايش والسلام


سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي


الحوار المتمدن-العدد: 8834 - 2026 / 9 / 20 - 12:10
المحور: حقوق الانسان
    


تكتسب كلمة القائد مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة الإنتقالي، في مناسبة الصلاة من أجل السودان التي نظمها مجلس الكنائس السوداني، أهمية سياسية وفكرية تتخطى حدود المناسبة الدينية، لأنها تفتح نافذة واسعة للتأمل في معنى الوطن المشترك الذي لا يفرّق بين أحدٍ من أبناء وبنات ترابه، وضرورة إستعادة الخطاب الوطني الجامع في مرحلة أنهكت فيها الحرب المجتمع وأضعفت الثقة بين مكوناته، وقد كان حضور الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، وعدد من قيادات الدولة، إلى جانب قيادات الكنائس، تعبيرًا عن أهمية أن تلتقي مؤسسات الدولة والمجتمع حول قضية السلام، بعيدًا عن الإنقسامات الدينية والثقافية والسياسية؛ فالصلاة من أجل السودان يمكن أن تتحول إلى رسالة وطنية تؤكد أن إختلاف المعتقد لا يلغي وحدة الضمائر والمصائر في سودان مستقر ومتحد ومتطور، وأن التنوع الديني والثقافي جزء أصيل من الشخصية السودانية، ومن هنا، فإن الحديث عن الوقوف على مسافة واحدة من الأديان والثقافات ينبغي ألا يبقى شعارًا يُرفع على المنابر عند الحاجة، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة ثقافية وسياسية وقانونية تحمي حرية الإعتقاد وتقبل الآخر، وتصون كرامة المواطن، وتمنع التمييز، وتؤسس لدولة جديدة يكون فيها الإنتماء الوطني قائمًا على أساس الحقوق والواجبات لجميع السودانيين دون إستثناء أو إقصاء أو فرز إجتماعي أو ديني، وتحفظ لهم حقوقهم وحرياتهم الأساسية كاملة، ويكون الوطن للجميع.

لقد حملت الصلاة من أجل السودان معنى يتجاوز الطقس الديني التقليدي، حين إجتمع السودانيون بكل ألوان طيفهم حول دعاء واحد يطلب الأمن والسلام ورفع المعاناة عن الوطن والمواطنين، وهذا المشهد يذكّرنا بأن المجتمع السوداني، رغم إختلاف أديانه وثقافاته وتقاليده، يمتلك مساحة معتبرة من القيم المشتركة التي يمكن أن تشكل أساسًا صلبًا لإعادة بناء جسور الثقة والسير سويًا على طريق الحرية والسلام؛ فالرحمة والصدق والأمانة وإحترام الحياة ونبذ الظلم والإستبداد ليست قيمًا حصرية على جماعة دون أخرى، بل تمثل مبادئ إنسانية تشكلت عبر ملايين القرون، وتستطيع اليوم أن تجمع الناس حول مشروع وطني وإنساني مشترك، وقد أشار القائد مالك عقار في عرض كلمته إلى نماذج متعددة من التقاليد الدينية والروحية، ليؤكد لنا أن الإختلاف العقائدي لا يمنع البتة وجود مساحات أخلاقية واسعة للحوار والتفاهم والإتفاق على حياة مستقرة وسعيدة؛ كما أن ما ورد في كلمة سيادة الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان بشأن أهمية ترسيخ المحبة والسلام والإخاء ونبذ الكراهية، يعكس الحاجة الإنسانية إلى نسج خطاب ديني وطني يرفض كل أشكال التمييز والتحريض ويشجع التعايش السلمي؛ غير أن هذه القيم النبيلة لا ينبغي أن تبقى في حدود الخطب والصلوات، وإنما تحتاج إلى ترجمة عملية في القوانين والمؤسسات والسياسات العامة والمناهج الوطنية للتربية والتعليم، وفي مراكز الإشعاع الفكري والثقافي، حتى يصبح إحترام التنوع وحماية الحقوق والحريات جزءًا ثابتًا من بنية المجتمع والدولة السودانية الحديثة ومسارها نحو الإستقرار المستدام، ويؤسس لسلام إجتماعي راسخ ومستقبل مشرق للأجيال القادمة.

حين نتأمل تلك الكلمات، نجد أنها تفتح، من خلال الإشارة إلى خطر تحول الرسالة الدينية إلى مؤسسة سياسية أو أداة للصراع على السلطة والثروة، بابًا مهمًا للنقاش حول التجربة السودانية على مدار التاريخ، وكيف فشل السودانيون في إمتحان إدارة التنوع وبناء مجتمع إنساني تعاوني؛ لأن توظيف الدين في المنافسة السياسية وتوسيع النفوذ الإقتصادي يمكن أن يحول الإختلاف الطبيعي إلى صراع عنيف حول الهوية والشرعية، ويجعل بعض المواطنين يشعرون بأن مواطنتهم مشروطة بانتمائهم الديني أو الثقافي؛ لذلك، فإن الدولة التي نحتاج إلى بنائها في المستقبل لا تقوم على مفاهيم إقصاء الدين من حياة المجتمعات السودانية، وإنما نعمل بصدق على ضمان إستقلال مؤسسات الدولة عن الإحتكار الديني والسياسي، وتحرير العقل البشري من التعصب والإنكفاء ومعاداة الآخرين بسبب الإختلاف، وأعتقد أن: «إذا دخل الدين في السياسة أفسد السياسة، وإذا دخلت السياسة في الدين أفسدت الدين، والفصل بينهما يحفظ قدسية الروحانيات الثابتة وحرية العقلانيات المتغيرة»، وفي مثل هذه الدولة، لا بد من حماية حقوق الجميع في ممارسة معتقداتهم بحرية، ما دام ذلك يتم في إطار القانون وإحترام الحقوق؛ كما أن إنهاء الحرب القائمة حاليًا لا يمكن أن يكون هدفًا منفصلًا عن مسألة البحث عن معالجة الأسباب التي أنتجت الأزمات المتراكمة، ومنها التهميش والتمييز وضعف المؤسسات وتعدد مراكز القوة والسلاح، ومن هنا، فإن خطاب التعايش والسلام يجب أن يتكامل مع مشروع سياسي وطني يعالج جذور الأزمة، ويؤسس للعدالة والمصالحة، ويعيد بناء مؤسسات الدولة على قاعدة المواطنة المتساوية والعدالة التنموية؛ فالتنوع السوداني لا ينبغي أن يكون مصدرًا للصراع، بل يمكن أن يتحول إلى قوة وطنية حقيقية للنهضة والتطور إذا وجد إطارًا قانونيًا وسياسيًا يحميه وينظم الإختلاف سلميًا، ويصون حقوق المواطنين، ويعزز الإستقرار الوطني.

إن القيمة السياسية الأعمق لهذه المناسبة تتمثل في تحويل الصلاة من لحظة وجدانية عابرة إلى مسؤولية وطنية مشتركة، والإلتقاء والحوار المباشر الذي يعكس روح الإخاء بين السودانيين؛ فالسودان يحتاج في هذه المرحلة الصعبة إلى خطاب وطني يجمع ولا يفرّق، ويعيد بناء روابط الثقة بين أبنائه بعد سنوات الحرب والنزوح واللجوء والدمار وتفكك الدولة وتدهور أحوال الشعب، وحين يلتقي المسلمون والمسيحيون وغيرهم من أبناء الوطن للدعاء بصوت واحد من أجل السلام، فإن الرسالة الأساسية تصبح أن السودان أكبر من خلافات السياسة، وأن السلام قيمة أخلاقية لا تُقدّر بثمن، ويظل الوطن أوسع من مشاريع الإنقسامات الدينية والمناطقية وإختلاف الأيديولوجيا، وأن حق الإنسان في الحياة والكرامة والأمان يجب أن يكون فوق كل إعتبار؛ لكن تحويل هذه الرسالة إلى واقع ملموس يتطلب خطوات عملية تبدأ بوقف الحرب وحماية المدنيين، وفتح الطريق أمام عقد حوار سوداني واسع، نبلور نتائجه من خلال مؤتمر قومي دستوري، بغية معالجة قضايا العدالة والمصالحة، وحماية الحقوق والحريات السياسية والمدنية، وإعادة إعمار الريف والمدينة، وإصلاح كافة مؤسسات الدولة، وتحديد شكل الحكم ومستوياته، وإقرار منهج التداول السلمي للسلطة؛ كما تقع على جميع القيادات السياسية والدينية مسؤولية ترسيخ خطاب يرفض الكراهية والعنصرية والتحريض بأي شكل من الأشكال، ويشجع على رؤى الحوار والتسامح، ويضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة، ووقتئذٍ تصبح الصلاة من أجل وحدة السودان وسلامة شعبه جزءًا من مسار أوسع لبناء دولة السلام المستدام، ويتحول التنوع من مصدر للخوف إلى مصدر للقوة وأساس للإستقرار، ويجد كل سوداني مكانه في وطن يقوم على الحرية والسلام والعدالة والمواطنة بلا تمييز، ويحفظ للأجيال القادمة حقها في مستقبل آمن ومستقر ومزدهر.



#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- معادلة حظر السلاح في السودان بين حق الدولة ومخاطر الحرب
- لقاء القائد مالك عقار والآلية الخماسية: قضايا الحرب والسلام ...
- أفريقيا الجديدة: تحديات العبور إلى المستقبل
- الذكرى العاشرة لرحيل القائد وليام قوبيك
- نقاشات حول الحوار السوداني
- قراءة حول مبادرة الحوار السوداني وموقف الإتحاد الأفريقي
- الحوار السوداني: تأملات سياسية بين ضرورة مواجهة الخلافات ومخ ...
- قضية السودان أمام مجلس الأمن الدولي بين جدلية حظر السلاح ومخ ...
- ما تراه الحكومة وما نراه في زيارة وفد الإتحاد الأفريقي للسود ...
- السودان و«إيساف»: خطوات نحو دور إقليمي فاعل في صناعة الأمن و ...
- ماذا يُقرأ بين سطور المقال المشترك للاتحادين الأفريقي والأور ...
- قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية ا ...
- تصريح صحفي: إتصال هاتفي مع نائب رئيس مجلس السيادة حول مستقبل ...
- وداعًا الأستاذة حليمة محمد عبدالله
- الدبلوماسية السودانية في مسار العودة إلى الهيئات الإقليمية
- ذكرى رحيل القائد د. جون قرنق
- ومضات من خطاب القائد مالك عقار في المنتدى السوداني العربي
- تأكيد موقف السودان تجاه القرارات الأمريكية
- موقف الحكومة السودانية تجاه العقوبات الأمريكية
- قصيدة - دُرَّةُ الوجود


المزيد.....




- حول قرار منع الرئيس من المشاركة في أعمال الجمعية العامة للأ ...
- رئيسة تشيلي السابقة خارج السباق لمنصب الأمين العام للأمم الم ...
- إصابات واعتقالات في الضفة الغربية وجيش الاحتلال يرفع جاهزيته ...
- من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 15
- خروقات متواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة: 4 شهداء وتصعيد ...
- حملة اعتقالات واسعة تطال العشرات بالضفة وتصاعد اعتداءات المس ...
- تصعيد في الضفة: اعتقالات تطال 9 مواطنين و14 هجوماً للمستوطني ...
- الأمم المتحدة: تصعيد القتال في اليمن يفاقم موجة النزوح والفر ...
- الحالُ تَغَيَّر بدخول الحَمْلَة الخُضَر
- سوريا تعلن اعتقال أحد أبرز قادة الخلية المتهمة بقتل 3 من عنا ...


المزيد.....

- اتفاقية جوانب حقوق الملكية الفكرية المتصلة بالتجارة وانعكاسا ... / محسن العربي
- مبدأ حق تقرير المصير والقانون الدولي / عبد الحسين شعبان
- حضور الإعلان العالمي لحقوق الانسان في الدساتير.. انحياز للقي ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- فلسفة حقوق الانسان بين الأصول التاريخية والأهمية المعاصرة / زهير الخويلدي
- المراة في الدساتير .. ثقافات مختلفة وضعيات متنوعة لحالة انسا ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - سعد محمد عبدالله - قراءة في كلمة القائد مالك عقار بمناسبة الصلاة من أجل السودان ورسالة التعايش والسلام