أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - سعد محمد عبدالله - الحوار السوداني: تأملات سياسية بين ضرورة مواجهة الخلافات ومخاطر تجاوزها















المزيد.....

الحوار السوداني: تأملات سياسية بين ضرورة مواجهة الخلافات ومخاطر تجاوزها


سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي


الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 14:04
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


قرأتُ مقالاتٍ لعدد من الكتّاب الكبار، من بينهم الدكتور الواثق كمير، في محاولةٍ مهمة لنقل النقاش السوداني من سؤال إنهاء الحرب إلى سؤال أعمق يتعلق بشروط الحوار المرجو في إطار ترتيبات العبور إلى سودان الحرية والسلام والتنمية المستدامة، وهي زاوية تستحق التوقف عندها وتأمل مضامينها بعقل منفتح؛ لأن تجارب الإنتقال السابقة أثبتت أن تجاهل جذور الخلاف لا يؤدي إلى تجاوزها، بل يؤجل لحظة إنفجارها؛ غير أن الإشكال، في تقديري، لا يكمن فقط في تحديد القضايا التي تعرقل الحوار باعتباره معبرًا نحو التوافق الوطني، وإنما في كيفية تعريفها وترتيبها ووضعها ضمن سياق سياسي لا تزال فيه موازين القوة وتضاد المصالح مؤثرة بصورة مباشرة في تشكيل المواقف المختلفة؛ فالسؤال عن طبيعة حرب أبريل لا يمكن فصله البتة عن سؤال الدولة بتاريخها الممتد والظروف التي أنتجت هذه الحرب، وعن تراكمات الصراعات، وضعف المؤسسات المدنية، وتعدد الجيوش، وإختلال ميزان نظام الحكم، وإضمحلال العلاقة بين المركز والأقاليم، وفقدان البوصلة لدى بعض القوى السياسية التي فشلت في وضع الترياق السياسي لمعالجة الفشل التاريخي في إدارة علاقة الدولة بالمجتمع؛ لذلك، فإن أي حوار سوداني يحتاج إلى الإنتقال من توصيف الخلافات إلى تفكيك جذورها البنيوية والبحث عن حلول سودانوية شاملة، حتى لا يتحول الحوار إلى تسوية مؤقتة بين النخب، كما هو مألوف عبر التاريخ، بينما تبقى أسباب الأزمة قائمة مثل «النار تحت الرماد»، وقابلة للإشتعال كلما هبّت رياح تعيد إنتاج الحرب بأشكال أخرى، وتكرّس السياسات البالية التي دمّرت السودان، وهذا الأمر يتطلب شجاعة سياسية تعترف بكل الأخطاء، وتضع مصلحة المجتمع والوطن فوق حسابات المواقع والنفوذ والمكاسب الآنية الزائلة، وتمنح الحوار فرصة حقيقية لتجاوز منطق العنف بكل أشكاله، وبناء الثقة المتبادلة للإنتقال نحو مستقبل آمن ومزدهر.

أهمية تلك السجالات أيضًا أنها لا تتعامل مع الخلاف باعتباره عيبًا يجب إخفاؤه أو لعنة بائسة ينبغي التسليم بها، بل باعتباره حقيقة سياسية يجب علينا الإعتراف بها وإدارتها بالحوار الموضوعي، وهذه نقطة جوهرية؛ لأن التجربة السودانية كثيرًا ما أنتجت إتفاقات تقوم على تأجيل القضايا الأكثر حساسية، ثم سرعان ما عادت تلك القضايا لتقويض الإتفاقات من الداخل؛ ومع ذلك، فإن حصر القضايا المفتاحية في خمسة ملفات، كما يرى د. كمير، قد يحتاج إلى توسيع، لتشمل ما لم يُذكر بعد، أو تفصيل المذكور بما يحقق الشمولية؛ فهناك قضايا صنعتها الحرب، مثل النزوح واللجوء وتمدد الفقر والأوبئة، وأخرى تتعلق بحال أهل الهامش وريف السودان، ومنها عدم التكافؤ التنموي ومشكلات الرعاة والرحّل والمزارعين، وغير ذلك من الموضوعات؛ إذ تتداخل معها مسائل العدالة الإنتقالية، ومحاسبة مرتكبي الإنتهاكات، وحقوق الضحايا، وترتيبات الحكم المحلي، وتكوين مجتمع إنساني تعاوني، وسودان جديد وموحد قائم على أساس التنوع والمواطنة المتساوية، وإعادة بناء الإقتصاد والمؤسسات الوطنية؛ كما أن الحديث عن القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع يجب ألا يبقى محصورًا في موقعهما داخل المعادلة السياسية، بل ينبغي أن يرتبط بمبدأ إحتكار الدولة للسلاح، مع وجود مؤسسة عسكرية مهنية ومحترفة لا شريك لها، تخضع للسلطة الدستورية المتفق عليها؛ وبالمثل، فإن معالجة دور المجموعات السياسية بمختلف توجهاتها لا ينبغي أن تتحول إلى عملية إقصاء سياسي قائمة على الهوية والمناطقية، إلا بوجود موانع قانونية، وإنما إلى نقاش جاد حول المسؤولية الفردية والمؤسسية، والمحاسبة القانونية، والحق في المشاركة وفق قواعد ديمقراطية واضحة، وفي هذا السياق، يصبح الحوار إختبارًا لقدرة النخب على التضحية بحساباتها، مقابل تأسيس نظام سياسي أكثر إستقرارًا وعدالة وقدرة على الإستمرار.

أما الخلاف حول طبيعة حرب أبريل وقياس مآلاتها الوخيمة على السودان والمحيط الإقليمي، فهو بالفعل العقدة الأكثر حساسية، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى مقاربات واقعية تمنع السرديات المتنافسة من التحول إلى جدار عازل يفصل السودانيين عن بعضهم، لا سيما في ظل تسارع التحولات الجيوسياسية من حولنا؛ فقد أضحى كل طرف يقرأ الحرب من موقع سياسي مختلف، ويمنح الأولوية لأسباب أو وقائع بعينها، بينما تختلط في المشهد مسؤوليات مباشرة، وتراكمات تاريخية، وتدخلات خارجية، ومصالح داخلية؛ لذلك، فإن الحوار لا ينبغي أن يشترط إتفاقًا مسبقًا على رواية الحرب، أو أن يُصبغ بألوان أجندة خارجية؛ لأن مثل هذا الشرط قد يجعل الحوار مستحيلًا قبل أن يبدأ، والأفضل هو فتح مساحة سياسية تسمح بعرض الروايات المختلفة دون مؤثرات خارجية، ثم إخضاعها للنقاش المسنود بالأدلة، مع الإتفاق في الوقت نفسه على حماية المدنيين ورفض الإنتهاكات التي ظلت ترتكبها مليشيا الدعم السريع في المدن والقرى التي إستباحتها، وأيضًا، نجد أن الإعتراف بتعدد التفسيرات لا يعني مساواة كل الروايات من حيث المسؤولية أو الحقيقة، بل يعني أن الوصول إلى قراءات وطنية أكثر توازنًا وأقل هشاشة مما سبق يتطلب نقاشًا مفتوحًا، لا تفرضه القوة العسكرية التي يحاول وكلاء الإستعمار فرضها، ولا الخطاب الإعلامي المبني على الجدل من أجل الإستقطاب، وإنما يعتمد على قوة المنطق، وهنا تتقدم الحقيقة والعدالة على الرغبة في تحقيق إنتصار سياسي سريع؛ لذلك، أعتقد أن البحث المضني عن الحلول ينبغي أن يسير مع حقائق الواقع الذي لا يقبل التحوير والتدوير بأي حال من الأحوال، حتى لا يصبح التحايل على الحقيقة ثمنًا لإستمرار الصراع أو عاملًا لتقسيم البلاد، وألا تتحول العدالة إلى وقود لحرق أرض السودان؛ ومن هنا، فإن بناء الثقة يتطلب أيضًا الإعتراف بجرم الجناة، وتأكيد حقوق الضحايا في معرفة الحقيقة وتحقيق الإنصاف القانوني للجميع.

في المحصلة، فتح عدد من الفاعلين السياسيين والإعلاميين والمفكرين بابًا للنقاش الموضوعي حول قضايا وطنية شائكة، لكن، في ظني، فإن نجاح الحوار السوداني لن يتوقف على حسن إختيار القضايا وحده، ولا على إنتقاء نصوص من لحن القول، ولا على مجرد ترجمة الإيمان بقضية الوطن وحقوق شعب عاش بصبر وصمود مأساة الحرب، بل على وجود إرادة سياسية صادقة تجعل الحوار ومخرجاته وسيلة لبناء دولة جديدة، لا مجرد محطة لتقاسم المصالح الضيقة، وإنما فرصة لمعالجة فشل تأسيس الدولة السودانية منذ الإستقلال عن الإستعمار البريطاني؛ لذلك، فالمطلوب الآن، من وجهة نظري، هو إيجاد مسار سياسي يربط وقف الحرب بعملية سياسية شاملة تنتهي بعقد مؤتمر قومي دستوري، تليه إنتخابات حرة ونزيهة، مع برنامج مُمرحَل للتعافي الإقتصادي وإعادة الإعمار، ولا بد من العمل على إنهاء ظاهرة الجيوش الموازية للمؤسسة العسكرية الوطنية، «معها أو ضدها»، مع إصلاح حال المواطنين ووضع حقوقهم الأساسية في صميم مركز الإهتمام الوطني، بما يمنع تحويل عملية السلام إلى صفقة تنهار في أول إختبار، وينبغي أن يكون تمثيل المشاركين قائمًا على معيار إتساع القاعدة الإجتماعية والسياسية، لا على القدرة على إمتلاك أدوات المناورة أو شبكة العلاقات الخارجية وشحن الخطاب السياسي بأجندات خاصة؛ ففي تقديري، فإن التحدي الحقيقي يبدأ بعد الجلوس إلى الطاولة بغية التفاوض عن قرب، بطرح الأسئلة الصعبة: كيف يتحول الإعتراف بالخلاف وجذوره إلى قواعد مشتركة لإدارته وإيجاد الحلول المناسبة؟ وكيف يصبح الإختلاف السياسي منافسة سلمية بدلًا من أن يتحول إلى حرب شعواء؟ وكيف تُبنى مؤسسات دولة لا تتغير شرعيتها بتغير موازين القوة أو تضارب المواقف السياسية؟ وما السبيل لوضع قضايا الهامش والريف السوداني في مقدمة الأجندة الوطنية؟، وهل يمكن إخراج آلة السلاح من ساحة السياسة عبر ترتيبات أمنية شاملة، والوصول إلى نموذج الحركة الشعبية ـ شمال، التي دمجت الجيش الشعبي في الجيش السوداني وفق إتفاقية جوبا لسلام السودان؟ وكيف يمكن مخاطبة مخاوف البعض من إستكمال الترتيبات الأمنية والإنتقال إلى ميدان النضال السياسي السلمي وسط الجماهير؟ فهذه الأسئلة وغيرها تجعل من الحوار ضرورة وطنية، وتكون شروطه وأهدافه أكثر أهمية من شعاراته التي قد تسقط إن لم نوفر لها إطارًا وطنيًا مقيدًا بقضايا ووسائل ومواقيت محددة، وإذا إستطاع السودانيون مواجهة الخلافات بشجاعة ورؤى واضحة، فقد يصبح الحوار الوطني بداية لتأسيس عقد سياسي وإجتماعي وثقافي جديد، لا مجرد هدنة مؤجلة للصراعات القائمة حاليًا، وأعتقد أن هذا هو الفارق بين إجراء حوار سياسي لإدارة الأزمة وحوار للتغيير والتحرر الوطني، وهو ما يحتاجه السودان.



#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قضية السودان أمام مجلس الأمن الدولي بين جدلية حظر السلاح ومخ ...
- ما تراه الحكومة وما نراه في زيارة وفد الإتحاد الأفريقي للسود ...
- السودان و«إيساف»: خطوات نحو دور إقليمي فاعل في صناعة الأمن و ...
- ماذا يُقرأ بين سطور المقال المشترك للاتحادين الأفريقي والأور ...
- قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية ا ...
- تصريح صحفي: إتصال هاتفي مع نائب رئيس مجلس السيادة حول مستقبل ...
- وداعًا الأستاذة حليمة محمد عبدالله
- الدبلوماسية السودانية في مسار العودة إلى الهيئات الإقليمية
- ذكرى رحيل القائد د. جون قرنق
- ومضات من خطاب القائد مالك عقار في المنتدى السوداني العربي
- تأكيد موقف السودان تجاه القرارات الأمريكية
- موقف الحكومة السودانية تجاه العقوبات الأمريكية
- قصيدة - دُرَّةُ الوجود
- وحدة الساحل الإفريقي على منضدة قمة إيكواس
- تعقيب على مقال عمار نجم الدين بعنوان «أبيي بين السيادة ووظيف ...
- أبيي بين الشرعية القانونية وفرص التكامل المستقبلي
- عندما تتطابق القراءة مع موقف الدولة
- السودان بين المفاوضات السياسية والمغالطات الإعلامية
- قراءة حول موقف السودان تجاه قرار مجلس حقوق الإنسان
- لقاءات القائد مالك عقار: قراءة في الدبلوماسية السودانية وتحو ...


المزيد.....




- الأخوان تيت.. من بذخ وطائرات خاصة ومجوهرات إلى الحبس الانفرا ...
- من المدينة المحرّمة.. مزهرية من عهد أسرة تشينغ سبقت عصرها بـ ...
- وفاة -الملك البحّار- هارالد الخامس بعد 35 عاما بعرش النرويج. ...
- شاهد.. عائلات تبحث بين صور الجثث عن أحبائها بعد كارثة نيبال ...
- سوريا.. قتلى وتوتر أمني وحظر تجوال بعد هجوم على الأهالي في ج ...
- روسيا.. مقتل شخص وإصابة 10 بهجوم مسيرات أوكرانية
- المسح الجيولوجي الأمريكي يغير اسم بحيرة أونتاريو بأمر من ترا ...
- لافروف وسفير مصر يبحثان التعاون بين موسكو والقاهرة
- فيديوهات جديدة لانتشال ناجين من فيضانات نيبال
- الإخبارية السورية: مقتل شخصين في انفجار قنبلة يدوية أمام مبن ...


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - سعد محمد عبدالله - الحوار السوداني: تأملات سياسية بين ضرورة مواجهة الخلافات ومخاطر تجاوزها