أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سعد محمد عبدالله - معادلة حظر السلاح في السودان بين حق الدولة ومخاطر الحرب














المزيد.....

معادلة حظر السلاح في السودان بين حق الدولة ومخاطر الحرب


سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي


الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 12:51
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


شكّل النقاش الذي دار في مجلس الأمن الدولي حول تجديد القرار 1591 وتوسيع نطاق حظر الأسلحة على السودان محطة سياسية بالغة الأهمية، لما يحمله هذا القرار من إنعكاسات مباشرة على قدرة الدولة في مواجهة الحرب وحماية شعبها وسيادتها ووحدة أراضيها، وقد جاءت مرافعة مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير الحارث إدريس، لتضع أمام المجتمع الدولي جملة من الحقائق المرتبطة بحقوق مشروعة للدولة في الدفاع عن نفسها، وبالتزاماتها القانونية تجاه مواطنيها وأراضيها؛ فكما ظللنا نردد، فإن هذه المسألة لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها خلافًا إجرائيًا حول نص قرار أممي، وإنما باعتبارها قضية تتصل بالتوازن بين متطلبات حماية المدنيين، ومنع إنتشار السلاح دون رقيب، وبين حق الدولة في إمتلاك الوسائل اللازمة للدفاع عن وجودها ومؤسساتها، وفي ظل هذه الحرب المعقدة التي تتداخل فيها عوامل داخلية وخارجية، يصبح من الضروري أن تكون أي مقاربة دولية قائمة على معايير واحدة وواضحة، وألا تؤدي الإجراءات الدولية إلى إضعاف مؤسسات الدولة النظامية القائمة، والأسلم والأصح هو منع الجماعات المسلحة المتمردة من الوصول إلى مصادر متعددة للسلاح، من أجل الحفاظ على الأمن والإستقرار.

إن بعض أحاديث المسؤولين الأمميين التي ملأت الفضاء بالدعوة إلى حظر شامل للأسلحة على كامل الأراضي السودانية تثير، في تقديري، سؤالًا جوهريًا حول كيفية تحقيق السلام بالمنطق، إذا كانت الدولة نفسها مقيّدة في قدرتها على مواجهة الجماعات المسلحة التي تمارس أبشع أنواع الإنتهاكات، في الوقت الذي لا يُنظر إليها ولا يُدان من يمولها؛ فالسلام المستدام لا يمكن أن يقوم على معادلة مختلة وحلول معطوبة تضعف القوات النظامية، وتترك المجال مفتوحًا أمام تشكيلات مسلحة خارج المؤسسة العسكرية الوطنية، وتجعلها تمتلك قدرات عسكرية متزايدة، وإنما يحتاج الأمر إلى معالجة أصل المشكلة، المتمثل في حصر القوة والسلاح في يد الدولة وحدها، لا شريك لها البتة، وفق ترتيبات قانونية ودستورية واضحة، وقد أظهرت التجارب الماضية أن المليشيات تهدم كل شيء، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تبني دولة حقيقية، وأن غياب الإرادة الكافية لتنفيذ برامج الترتيبات الأمنية ونزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج سيترك ثغرات خطيرة قد تستمر تداعياتها لفترة طويلة؛ لذلك، فإن المجتمع الدولي مطالب اليوم بمراجعة سياساته تجاه السودان، ليس فقط من خلال إصدار القرارات، وإنما عبر دعم بناء مؤسسات الدولة، ومساعدة السودانيين على إنهاء ظاهرة تعدد الجيوش، ومنع تهريب السلاح والمرتزقة عبر الحدود، ومحاسبة ممولي الحرب؛ أما إتخاذ تدابير تفرض قيودًا غير متوازنة، فقد يؤدي عمليًا إلى نتائج عكسية ستكون عاقبتها وخيمة، ويمنح القوى الخارجة عن سيطرة الدولة مزيدًا من القدرة على إطالة الحرب وتعقيد فرص التفاوض والوصول إلى تسوية سياسية عادلة وشاملة وقابلة للتطبيق.

إن الحديث عن حق الدولة في الدفاع عن نفسها يجب أن يقترن بمسؤولية الدولة الكاملة في حماية المدنيين وإحترام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، لأن قوة الدولة الحقيقية لا تقاس بامتلاك السلاح وحده، وإنما بقدرتها على حماية مواطنيها وصون كرامتهم وتوفير خدمات الصحة والتعليم والأمن دون تمييز؛ كما أن مواجهة التدخلات الخارجية لا ينبغي أن تكون ذريعة لإهمال البعد الداخلي للأزمة، فالسودان يحتاج إلى معالجة سياسية وأمنية وإقتصادية شاملة تضع حدًا لتعدد مراكز القوة والسلاح والنفوذ، وتعيد بناء المؤسسة العسكرية والأمنية، وتضمن خضوع كافة القوى الأخرى للقانون والسلطة المدنية الدستورية في الدولة المستقرة التي لا يمكن أن تسودها المليشيات؛ ومن هنا، فإن الموقف السوداني الرافض لتوسيع حظر الأسلحة ينبغي أن يتحول إلى رؤية سياسية وإعلامية أوسع وأشمل، تطالب المجتمع الدولي بالتعامل الكامل مع مصادر تهريب السلاح، ومنع أي دعم خارجي لمليشيا الدعم السريع التي تمثل خطرًا حقيقيًا على السلم والأمن السوداني والإقليمي، ومراقبة الحدود وممرات التهريب، ومحاسبة كل من يساهم في إطالة أمد الحرب؛ فالعدالة في التعامل الدولي تعني ألا تكون الدولة وحدها مطالبة بالقيود، بينما تستطيع الجماعات المسلحة الحصول على السلاح من خارج الحدود، وإذا أراد المجتمع الدولي فعلًا إنهاء الحرب في السودان، فعليه أن يجفف منابعها الخارجية، ويخاطب الحكومات التي ثبت تورطها فيها، ويجب دعم الحل السياسي، وجهود الدولة لحماية المدنيين، وتهيئة الظروف لحوار شامل يقود إلى سلام يحفظ وحدة وسيادة السودان.

مهما يكن القرار الذي سيتخذه مجلس الأمن بشأن السودان، فإن المسؤولية الأساسية عن مستقبل البلاد تظل مسؤولية السودانيين أنفسهم، لأن القرارات الدولية، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع وحدها صناعة السلام أو بناء الدولة، ومعركة السودان الحقيقية يجب أن تتجه نحو إنهاء الحرب وإستعادة الإستقرار وبناء دولة قوية قادرة على حماية مواطنيها، لا دولة رخوة تتنازعها الجيوش والمليشيات ومراكز النفوذ العالمي؛ ولذلك، فإن الصمود والثبات في مواجهة الحرب ينبغي أن يترافقا مع رؤية سياسية واضحة لما بعد الحرب، تقوم على العدالة والمصالحة الوطنية وإعادة الإعمار ومعالجة جذور التهميش وإصلاح مؤسسات الدولة، وإرساء مبدأ المواطنة بلا تمييز؛ وكما قلنا سابقًا، فإن الإنتصار الحقيقي للسودان لا ينبغي أن يُختزل في الحسم العسكري، بل في القدرة على النهوض من هذه الكارثة المدمرة والإتجاه نحو تأسيس نظام سياسي وإجتماعي وإقتصادي جديد يمنع تكرار الحرب، ويعيد للسودانيين ثقتهم في وطنهم ومستقبلهم؛ ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن حق السودان في حماية وحدته وسيادته لا يتناقض مع السعي إلى السلام، بل يجب أن يكون مدخلًا إليه، شريطة أن يكون السلام قائمًا على مفهوم بناء دولة واحدة، وسلاح واحد، وحقوق متساوية لجميع المواطنين، وعندها فقط يمكن تثبيت أعمدة سودان السلام والعدالة والمواطنة، وفتح صفحة جديدة تتجاوز مرارات الحرب وتمهد الطريق للسير نحو وطن أكثر إستقرارًا ووحدة.



#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لقاء القائد مالك عقار والآلية الخماسية: قضايا الحرب والسلام ...
- أفريقيا الجديدة: تحديات العبور إلى المستقبل
- الذكرى العاشرة لرحيل القائد وليام قوبيك
- نقاشات حول الحوار السوداني
- قراءة حول مبادرة الحوار السوداني وموقف الإتحاد الأفريقي
- الحوار السوداني: تأملات سياسية بين ضرورة مواجهة الخلافات ومخ ...
- قضية السودان أمام مجلس الأمن الدولي بين جدلية حظر السلاح ومخ ...
- ما تراه الحكومة وما نراه في زيارة وفد الإتحاد الأفريقي للسود ...
- السودان و«إيساف»: خطوات نحو دور إقليمي فاعل في صناعة الأمن و ...
- ماذا يُقرأ بين سطور المقال المشترك للاتحادين الأفريقي والأور ...
- قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية ا ...
- تصريح صحفي: إتصال هاتفي مع نائب رئيس مجلس السيادة حول مستقبل ...
- وداعًا الأستاذة حليمة محمد عبدالله
- الدبلوماسية السودانية في مسار العودة إلى الهيئات الإقليمية
- ذكرى رحيل القائد د. جون قرنق
- ومضات من خطاب القائد مالك عقار في المنتدى السوداني العربي
- تأكيد موقف السودان تجاه القرارات الأمريكية
- موقف الحكومة السودانية تجاه العقوبات الأمريكية
- قصيدة - دُرَّةُ الوجود
- وحدة الساحل الإفريقي على منضدة قمة إيكواس


المزيد.....




- وصول الرئيس الصيني إلى نيودلهي للمشاركة في قمة -بريكس-
- نيودلهي تعد مفاجأة لبوتين.. دمى ماتريوشكا من الشوكولاتة (صور ...
- مخيم الطويلة في السودان يستقبل 193 عائلة جديدة
- الصحفي الشهير كارلسون: موسكو أفضل بكثير من نيويورك
- آثار أقدام عمرها 65 مليون سنة تكشف حقيقة غير متوقعة عن ديناص ...
- بعد حصولهم على فدية.. قراصنة يفرجون عن سفينة تجارية اختطفت ق ...
- ترامب يكسر تابوهات الدبلوماسية.. اعتراف ينقل لعبة التجسس من ...
- بيان مصري جديد دعما للرياض بعد استهداف خط النفط السعودي
- النيجر: بعد إحباط التمرد... تعيين رئيس جديد لأركان القوات ال ...
- الطفلة كارما ضحية والدها ومأساة تهز مصر


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سعد محمد عبدالله - معادلة حظر السلاح في السودان بين حق الدولة ومخاطر الحرب