أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سعد محمد عبدالله - قراءة حول مبادرة الحوار السوداني وموقف الإتحاد الأفريقي















المزيد.....

قراءة حول مبادرة الحوار السوداني وموقف الإتحاد الأفريقي


سعد محمد عبدالله
- شاعر وكاتب سياسي


الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 15:10
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


عندما ننظر إلى مبادرة التهيئة للحوار السوداني، التي تُعد من المحاولات الأكثر واقعية لإعادة تعريف نقطة البداية في الأزمة السودانية، بعيدًا عن القفز المباشر إلى طاولة التفاوض قبل توفير الحد الأدنى من الثقة والضمانات، نجد أن هذه النقطة تبدو مهمة للغاية في ظل تعقيدات الحرب وإفرازات الصراعات السياسية وتضارب المبادرات الخارجية؛ فالمبادرة لا تقدم نفسها باعتبارها بديلًا إجباريًا للقوى السياسية أو المدنية، وإنما كجسر تمهيدي يسعى إلى الإستماع إلى الأطراف، وتحديد مخاوفها وشروط مشاركتها، وإيجاد مفاتيح باب المستقبل؛ فسياسيًا، تكمن أهمية هذا الطرح في إدراك أن المشكلة السودانية ليست عسكرية فقط، بل ترتبط بأزمة ثقة عميقة جدًا بين المكونات السياسية والإجتماعية والعسكرية بشكل عام، وبصراع أعمق حول شكل الدولة ومستقبلها، وقضايا المواطنة المتساوية، والتنمية العادلة للريف والمدينة، والحقوق والحريات السياسية والمدنية للجميع، وغير ذلك؛ غير أن نجاح المبادرة سيظل مرتبطًا بقدرتها على إثبات قوة طرحها عمليًا، وليس فقط عبر النصوص والبيانات، مع تحويلها إلى برنامج عمل سياسي واضح؛ فالمشهد السوداني شهد سابقًا مبادرات عديدة إنتهت إلى منصات تفاوضية مغلقة أو ترتيبات لم تحظَ بالقبول الشعبي والسياسي؛ لذلك، فإن التهيئة الحقيقية ينبغي أن تتجاوز المجاملات السياسية إلى بناء آلية شفافة تضمن مشاركة أصحاب المصلحة، وتضع المواطن المتضرر من الحرب في قلب العملية السياسية، لا على هامشها، وبهذا تكون البداية سليمة، ونأمل أن تقودنا النهاية نحو سودان جديد موحد ومستقر ومزدهر.

تبرز في المبادرة مسألة الضمانات باعتبارها واحدة من أكثر القضايا حساسية، خصوصًا بالنسبة للسودانيين المقيمين خارج البلاد، الذين قد يترددون في العودة للمشاركة السياسية بسبب الخوف من الملاحقة أو الإعتقال تنفيذًا للبلاغات المفتوحة، وهذا الخوف بات واضحًا إذا قرأنا بيانات ومدونات بعض السياسيين، والمطالبة بضمانات مكتوبة وقابلة للتحقق تمثل خطوة منطقية لبناء الثقة إذا أبدى الخائفون رغبتهم في الحوار، وهذه من الإلتزامات التي قدمتها الدولة؛ فالحوار الوطني لا يمكن أن ينجح إذا شعر المشاركون فيه بأن الحماية مرتبطة بمزاج سياسي أو بتوازنات مؤقتة داخل مؤسسات السلطة؛ ولذلك، أعتقد أن موقف اللجنة واضح حيال هذه المسألة، ولكنني أرى البعض يرتجفون ويهربون من ظلالهم لشيء ما في أنفسهم؛ فالحصانة الإجرائية ينبغي أن تكون جزءًا من منظومة قانونية واضحة تحدد نطاقها ومدتها وآليات مراقبتها، حتى لا تتحول إلى نقطة خلاف جديدة، والأهم أن توفير الأمن لا يعني فقط حماية قاعات الحوار ومقرات الإقامة، وإنما حماية حرية التعبير في الفضاء العام، والسماح بالنقد التنويري لمخرجات الحوار ومناقشتها دون تخوين أو تهديد، أو إستخدامها كسلاح في وجه الدولة، ومن هنا، فإن الإختبار الحقيقي للمبادرة سيكون في قدرتها على تحويل الضمانات المطروحة من عبارات سياسية إلى ترتيبات عملية قابلة للقياس والمراجعة، ولكن ذلك لا يحتمل مماطلة أو ترددًا أو رفض المشاركة من بعض المكونات دون مبرر منطقي؛ لأن الثقة لا تُبنى بالوعود وحدها، وإنما بتجارب ملموسة تؤكد إلتزام الأطراف بما تعهدت به أمام السودانيين.

أما ترحيب مفوضية الإتحاد الأفريقي بهذه المبادرة، فيمنحها وزنًا إقليميًا مهمًا، ويمنحنا ثقة كبيرة في الدعم الإقليمي للسودان، ويشجع السودانيين على حل مشكلات بلادهم عبر الحوار السياسي والإجتماعي؛ لكنه في الوقت نفسه يضع أمامها مسؤولية كبيرة في الحفاظ على مبدأ الملكية السودانية للعملية السياسية؛ فالإتحاد الأفريقي ظل حاضرًا في محاولات معالجة الأزمة منذ إندلاع الحرب، وأعتقد أن أي مساهمة من الهيئات الإقليمية مرحب بها إذا كانت تصب في وحدة السودان وإستقرار شعبه، ولكن تعدد المبادرات والوسطاء والمسارات أدى أحيانًا، في الفترات الماضية، إلى تشتت الجهود بدلًا من توحيدها؛ وعليه، فإن الإشارة إلى خارطة طريق الإتحاد الأفريقي يمكن أن تكون رافعة وفرصة لتجميع خلاصات المسارات المختلفة، بشرط ألا تتحول المبادرة الوطنية الحالية إلى مجرد منصة جديدة ضمن شبكة الوساطات الخارجية، وألا تكون الوساطة الخارجية آلية مضادة للحوار السوداني، بل المطلوب هو حفظ التوازن، بحيث يكون الدور الإقليمي والدولي داعمًا وميسرًا وضامنًا عند الحاجة إليه، لا مقررًا لمستقبل السودان الذي ينبغي أن يكون بأيدي أبناء وبنات الشعب السوداني وحدهم؛ كما أن مفهوم الشمولية الذي تؤكد عليه المفوضية يحتاج إلى تعريف دقيق؛ لأن شمول الحوار لا يعني جمع أكبر عدد ممكن من الأسماء واللافتات، وإنما ضمان تمثيل حقيقي ووازن للقوى الإجتماعية والسياسية المتأثرة بالحرب، بما فيها النساء والشباب والنازحون واللاجئون والمكونات المحلية والمجتمعات التي تحملت العبء الأكبر من الصراع القائم، وإذا نجحت المبادرة في تحويل هذا المبدأ إلى ممارسة، فقد تصبح نقطة إلتقاء بين الجهود السودانية والدعم الأفريقي والدولي، بدلًا من أن تكون حلقة إضافية في سلسلة طويلة من المبادرات المتنافسة على إدارة الأزمة السودانية.

تبدو هذه المبادرة محاولة لإعادة ترتيب الأولويات: وقف منطق الحرب، ثم بناء حل سوداني يمتلك شروطه وأجندته ومخرجاته السودانيون؛ لكن الطريق بين الإعلان والنتائج يظل محفوفًا بتحديات سياسية كبيرة ومتعددة الأوجه، وأبرز ملامحها في الحرب المستمرة، والإستقطاب الحاد، وتعدد القوى السياسية، وتباين الرؤى حول تأسيس الدولة والإنتقال السياسي، فضلًا عن أزمة الثقة بين النخب والمجتمع؛ ولذلك، فإن قيمة المبادرة لن تُقاس بجودة لغتها أو إتساع قائمة الداعمين أو الممانعين، وإنما بقدرتها على إنتاج عملية سياسية يشعر السودانيون بأنها تخصهم فعلًا، وتعبر عن آمالهم في السلام والعدالة الإجتماعية والتنمية الشاملة؛ لذا، ينبغي ألا يصبح شعار «الحوار السوداني–السوداني» غطاءً لإعادة إنتاج قوى الهدم ووكلاء الإستعمار ذاتها التي ساهمت في إشعال الأزمة وإستمرار معاناة الشعب السوداني، بل فرصة لبناء قواعد المشاركة السياسية على أساس المواطنة والشفافية وسيادة القانون والعدالة والمساءلة، وتحمل المسؤولية الوطنية تجاه بناء سودان جديد يسع الجميع دون فرز، والهدف النهائي لا ينبغي أن يكون مجرد إتفاق مؤقت يوقف التنازع السياسي أو تقاسم مقاعد السلطة، وإنما تأسيس عقد سياسي وإجتماعي جديد يعالج جذور الصراع ويمنع عودته تحت أي ظروف أخرى؛ أي جزّ جذور الخوف من حياتنا، وزراعة بذور الأمل والتفاؤل بمستقبل أفضل للجميع، ومن هذه الزاوية، فإن المبادرة أمام إختبار تاريخي: إما أن تنجح في تحويل التهيئة إلى مسار وطني جاد يفضي إلى سلام مستدام ودولة موحدة، أو تُضاف إلى قائمة طويلة من المبادرات التي عبرت المشهد السوداني دون أن تتمكن من تغيير معادلاته الأساسية، وأعتقد أنني أبصر ضوءًا يسطع في آخر النفق، وما علينا إلا العبور إليه عبر الحوار عن قرب.



#سعد_محمد_عبدالله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحوار السوداني: تأملات سياسية بين ضرورة مواجهة الخلافات ومخ ...
- قضية السودان أمام مجلس الأمن الدولي بين جدلية حظر السلاح ومخ ...
- ما تراه الحكومة وما نراه في زيارة وفد الإتحاد الأفريقي للسود ...
- السودان و«إيساف»: خطوات نحو دور إقليمي فاعل في صناعة الأمن و ...
- ماذا يُقرأ بين سطور المقال المشترك للاتحادين الأفريقي والأور ...
- قراءة في كتاب «مستقبل بلد بين جيشين»... حين تتحول إزدواجية ا ...
- تصريح صحفي: إتصال هاتفي مع نائب رئيس مجلس السيادة حول مستقبل ...
- وداعًا الأستاذة حليمة محمد عبدالله
- الدبلوماسية السودانية في مسار العودة إلى الهيئات الإقليمية
- ذكرى رحيل القائد د. جون قرنق
- ومضات من خطاب القائد مالك عقار في المنتدى السوداني العربي
- تأكيد موقف السودان تجاه القرارات الأمريكية
- موقف الحكومة السودانية تجاه العقوبات الأمريكية
- قصيدة - دُرَّةُ الوجود
- وحدة الساحل الإفريقي على منضدة قمة إيكواس
- تعقيب على مقال عمار نجم الدين بعنوان «أبيي بين السيادة ووظيف ...
- أبيي بين الشرعية القانونية وفرص التكامل المستقبلي
- عندما تتطابق القراءة مع موقف الدولة
- السودان بين المفاوضات السياسية والمغالطات الإعلامية
- قراءة حول موقف السودان تجاه قرار مجلس حقوق الإنسان


المزيد.....




- مستوطنون إسرائيليون يحاصرون منزلًا فلسطينيًا قبل مهاجمته
- أول سيارة باكستانية ذاتية القيادة تقود صاحبها إلى الشرطة! (ف ...
- بوتين: الشعب الروسي متضامن مع الشعب الإيراني في نضاله من أجل ...
- أزمة مياه تضرب إسرائيل.. 5 محطات تحلية تتوقف وظاهرة غامضة تع ...
- ترامب يلوّح بتغيير موقف واشنطن من جزر فوكلاند.. هل تتصدع الع ...
- -كان هناك في ساعة مبكرة-.. سارة نتنياهو تهاجم يائير غولان وت ...
- ترامب يتعهد بأن تستحوذ الولايات المتحدة على كل نفط فنزويلا م ...
- تحالف يتجاوز السلاح.. تقرير يكشف تعاوناً عسكرياً متنامياً بي ...
- مهمة فاشلة… لكن بلا عواقب
- المساعدات الاجتماعية في ألمانيا .. ما جديدها وكيف ستطبق؟


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - سعد محمد عبدالله - قراءة حول مبادرة الحوار السوداني وموقف الإتحاد الأفريقي