أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - علي سيف الرعيني - وفرة القراءة لاتعني بالضرورة مستوى الوعي !!














المزيد.....

وفرة القراءة لاتعني بالضرورة مستوى الوعي !!


علي سيف الرعيني
كاتب

(Ali Saaif Alraaini)


الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 00:46
المحور: قضايا ثقافية
    


ونحن نعيش زمنا لم تعد فيه الكتب نادرة ولا المعلومات شحيحة ولا الوصول إلى المعرفة أمرا عسير ومع ذلك فإن وفرة القراءة لا تبدو بالضرورة في مستوى الوعي الذي نراه من حولنا
نقرأ كثيرا نتبادل الاقتباسات نصور الكتب ننشر قوائم ما قرأنا ونتحدث عن المؤلفين والأفكار لكن السؤال الذي نادراً ما نطرحه على أنفسنا هو: ماذا بقي من كل ذلك داخلنا؟
كم فكرة غيّرت طريقة تفكيرنا فعلا؟ كم سلوكا تغير لأننا قرأنا عنه؟ وكم كتابا أغلقناه ونحن نظن أننا اكتسبنا معرفة بينما لم نكتسب سوى انطباع مؤقت؟
المشكلة ليست في القراءة بالطبع وإنما في الطريقة التي نقرأ بها
فالقراءة يمكن أن تكون فعلا لبناء العقل لكنها يمكن أيضا أن تتحول إلى استهلاك ثقافي تماما كما نستهلك الأخبار والصور والمحتوى السريع ننتقل من كتاب إلى آخر ومن فكرة إلى أخرى حتى يصبح الهدف هو الوصول إلى الصفحة الأخيرة لا الوصول إلى فهم أعمق ومن أكثر العادات التي تحتاج إلى مراجعة أن نتعامل مع الكتاب وكأنه مصدر نهائي للحقيقة الكاتب ليس نبيا والكتاب ليس نصا مقدسا قد يكون المؤلف واسع المعرفة لكنه يظل صاحب رؤية لها حدودها وافتراضاتها وزاوية نظرها وقد يقدم حجة قوية في جانب ثم يبالغ في تعميمها في جانب آخر القارئ ربما يسأل ماذا يقول الكاتب؟كيف عرف ذلك؟ مادليله وما الذي أغفله؟ هل توجد قراءة أخرى للمسألة؟ وهل يصلح هذا الحكم في كل زمان ومكان؟
هذه الأسئلة لا تقلل من قيمة الكتاب بل تمنع القارئ من أن يتحول إلى تابع للأفكار
فالقراءة التي لا تسمح لنا بالاعتراض ليست قراءة كاملة إنها استقبال أخطر ما في القراءة أن تتحول إلى هوية
وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت القراءة أحيانا جزء من الصورة التي نقدمها عن أنفسنا كتاب في اليد مكتبة في الخلفية اقتباس عميق على الشاشة وقائمة طويلة من الكتب المقروءة مرة أخرى لا مشكلة في ذلك في حد ذاته المشكلة تبدأ عندما تصبح صورة القارئ أهم من فعل القراءة نفسه عندها يتحول الكتاب إلى علامة ثقافية والاقتباس إلى زينة لغوية وعدد الكتب إلى وسام اجتماعي وهنا يصبح السؤال محرج
هل نقرأ لأننا نريد أن نفهم أم لأننا نريد أن نبدو مثقفين؟
الفرق بين الأمرين هائل فالثقافة ليست عدد الكتب التي مررنا بها وإنما مقدار ما فعلته هذه الكتب بعقولنا
قد يقرأ شخص كتابا واحدا ببطء ويختلف معه ويعيد بناء أفكاره على ضوء ما قرأ بينما يقرأ آخر خمسين كتابًا في العام ولا يتغير فيه شيء ومشكلة اخرى في الاقتباسات لقد اختزلت وسائل التواصل الاجتماعي الكتاب في جملة
جملة جميلة قصيرةوقابلة للمشاركة وربما خالية تماما من السياق الذي أعطاها معناها وهنا يحدث شيء خطير نبدأ في معرفة الكلمات بدل الأفكار قد نعرف أجمل اقتباس في كتاب دون أن نعرف الحجة التي سبقت الاقتباس أو التي جاءت بعده. وقد ننسب إلى الكاتب موقفًا لم يقله أصلا لأننا أخذنا جملة من سياقها
إن المعرفة ليست مجموعة عبارات براقة
المعرفة سياق ودليل ومقارنة وأسئلة وشك وفهم للعلاقات بين الأفكار
ولهذا فإن القارئ الذي يكتفي بجمع الاقتباسات يشبه من يجمع قطعا من خرائط مختلفة ثم يظن أنه امتلك خريطة كاملة ليس المطلوب أن يغير كل كتاب حياتنا هذه مبالغة أخرى لكن من المشروع أن نسأل بعد كل قراءة ما الذي أضافه هذا الكتاب إلى قدرتي على الفهم؟
قد يكون الجواب فكرة جديدة وقد يكون اكتشاف خطأ في فكرة قديمة
وقد يكون مجرد سؤال لم نكن نعرف كيف نطرحه
وهذا في حد ذاته مكسب فالقراءة لا تمنحنا دائمًا أجوبة أحيانا تمنحنا أسئلة
والسؤال الجيد قد يكون أثمن من إجابة جاهزة لأنه يظل يعمل داخل العقل حتى بعد أن نغلق الكتاب
المعلومة التي لا نستخدمها معرضة للتلاشي لذلك لا يكفي أن نقرأ، بل علينا أن نفعل شيئًا بما قرأنا
اكتب الفكرة بلغتك ناقشها اعترض عليها ابحث عن دليل يؤيدها وآخر يضعفها قارنها بكتاب آخر
ثم حاول أن تجد لها مكانا في حياتك إذا قرأت عن إدارة الوقت انظر إلى يومك إذا قرأت عن التفكير النقدي راقب أحكامك أنت قبل أن تنتقد أحكام الآخرين إذا قرأت عن العلاقات الإنسانية راقب طريقة حديثك مع من تختلف معهم
إذا قرأت عن التاريخ لا تحفظ الأحداث فقط اسأل عن الروايات المختلفة ومن كتب التاريخ ومن غاب عنه
عندها تبدأ المعلومة في التحول إلى معرفة والمعرفة إلى خبرة والخبرة إلى جزء من الشخصية
في حين ان القراءة ليست سباق ربما آن الأوان للتوقف قليلا عن الهوس بأرقام القراءة
كم كتابًا قرأت في السنة؟ هذه الأسئلة تصلح لقياس النشاط لكنها لا تصلح وحدها لقياس أثر القراءة
ويبقى السؤال الأهم كم كتابا جعلك تعيد النظر في شيء كنت تظنه صحيحا؟
كم كتابا كشف لك تحيزا في تفكيرك؟
هذه في رأيي أسئلة أكثر جدوى من عدّ الكتب وبالتالي
فالقارئ هو الذي يصبح أكثر حذرا في إطلاق الأحكام وأكثر قدرة على التمييز بين الرأي والدليل وأكثر استعدادا لتغيير موقفه عندما تتغير الأدلة إن القراءة الجادة لا تجعل الإنسان أكثر يقينا بالضرورة أحيانا تجعل يقينه أكثر تواضعا وهذا أحد أعمق اثارها فكلما قرأنا أكثر اكتشفنا أن العالم أعقد مما تصورنا وأن كثيرا من الإجابات السهلة تخفي وراءها أسئلة صعبة وهنا تكمن قيمة القراءة أن تجعلنا أكثر وعيا بما نعرفه وما لا نعرفه ولماذا نعتقد ما نعتقده
لا يحتاج العالم إلى قارئ يستطيع أن يقول قرأت مئة كتاب إنه يحتاج إلى إنسان يستطيع أن يقول قرأت وفكرت وشككت وقارنت ثم غيّرت شيئا في نفسي
فالكتاب الذي يبقى على الرف لا يصنع معرفة
والاقتباس الذي يبقى على الشاشة لا يصنع وعيا
والمعلومة التي لا تدخل في التفكير ولا السلوك سرعان ما تصبح أثرا باهتا في الذاكرة
القراءة تبدأ من العين لكنها لا تصبح معرفة إلا عندما تصل إلى العقل ولا تصبح جزء من الإنسان إلا عندما تنزل من العقل إلى الحياة وعندها فقط لا يعود السؤال كم قرأنا؟بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحا ماذا فعلت القراءة بنا؟



#علي_سيف_الرعيني (هاشتاغ)       Ali_Saaif_Alraaini#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من صور الإنسانية !!
- جمال عبدالناصر 56 عاما من الغياب ولازالت الفكرة حاضرة !!
- الليل : حين يتحول الزمن الى معنى !!
- على هامش الدورة ال81 للجمعية العامةللامم المتحدة !!
- سبتمبرثورة متجددة ونبض عطاء لا يتوقف !!
- التفصيل الادبي ووظيفته في بناء المعنى !!
- بلاغة الصمت في الادب العربي !!
- بعض التجارب تعيدتشكيل الرؤية !!
- أهات متناثرة !!
- المشهد الثقافي حين يصبح المكان ذاكرة للإبداع!!
- النص الادبي ورمزية الطبيعة !!
- ايوب طارش والفضول :حين يصبح الوطن اغنية لاتنكسر !!
- يمن الشموخ !!
- عندما يسدل الليل الستار !!
- ذكرى مع رائحة النعناع !!
- الحق وإن تأخر لايموت !!
- التكنولوجيا : حين تتسارع هل تتسارع معها مسئوليتنا ؟
- الخيارات المؤقتة !!
- دروب المعرفة في زمن عاصفة الذكاء الإصطناعي !!
- الجلوس امام البحر !!


المزيد.....




- تحذيرات إسرائيلية لعدة دول أوروبية.. واشنطن تكشف تفاصيل -مخط ...
- الحوثيون يعلنون استهداف منشأة لأرامكو في الرياض.. والسعودية ...
- توتر متصاعد.. السيسي يوجه رسائل جديدة لإثيوبيا بشأن النيل
- رئيس الوزراء التشيكي: الأحرى بأوروبا أن تخصص أموالها لإعادة ...
- الأمن الإيراني يفكك 4 شبكات تخريب واستقطاب للشباب في كرمان
- مصر.. ميل مفاجئ لعقار شاهق يفزع سكان الإسكندرية والسلطات تتح ...
- -اختراق أمني في بن غوريون-.. طيارون من جنسيات إيرانية وسورية ...
- برلماني أوكراني ينتقد تقاعس زملائه النواب عن اتخاذ خطوات للس ...
- مسؤول إيراني كبير يتوعد بطرد الأمريكيين قريبا على غرار أفغان ...
- خالد فؤاد: هكذا تستفيد الصين من أزمة النفط والغاز بعد حرب إي ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - علي سيف الرعيني - وفرة القراءة لاتعني بالضرورة مستوى الوعي !!