وليد عبدالحسين جبر
محامي امام جميع المحاكم العراقية وكاتب في العديد من الصحف والمواقع ومؤلف لعدد من
(Waleed)
الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 13:25
المحور:
حقوق الاطفال والشبيبة
قررت محكمة التمييز في قرارها بالعدد ( ١٨١٥١/ هيئة الاحوال الشخصية والمواد الشخصية / ٢٠٢٦ ) في ( ٧ / ٩ / ٢٠٢٦ ) قرارها الآتي :
المميز / المدعي /...
المميز عليها المدعى عليها ...
ادعى المدعي لدى محكمة الأحوال الشخصية في النجف ان المدعى عليها زوجته وأنها سبق وان استحصلت على قرار يلزمه بتأدية نفقة مستمرة لابنهما.. مقدارها مائتان وخمسة وعشرون ألف دينار شهريا ولانخفاض دخله الشهري نتيجة تقليص الراتب لذا طلب دعوة المدعى عليها للمرافعة والحكم بإنقاص النفقة وتحميلها الرسوم والمصاريف واتعاب المحاماة. أصدرت محكمة الموضوع بالعدد ٢١٠٠/ش/٢٠٢٦ في ٢٠٢٦/٦/٢٨ حكماً غيابياً يقضي برد دعوى المدعي وتحميله الرسوم والمصاريف. طعن وكيل المدعي بقرار الحكم تمييزا بعريضته المؤرخة في ٢٠٢٦/٧/٢٦.
القرار:
لدى التدقيق والمداولة وجد ان الطعن التمييزي واقع ضمن المدة القانونية لذا قرر قبوله شكلا ولدى عطف النظر على الحكم المميز وجد انه غير صحيح ومخالف لأحكام الشرع والقانون لان مسائل الأحوال الشخصية تقترن في بعض الحالات بوقائع متغيرة لا تخضع لمبدأ حجية الاحكام ومنها موضوع الدعوى لإبراز المدعي حجة اختيار تطبيق احكام المذهب الشيعي الجعفري ويقتضي بالمحكمة تكليفه اثبات انخفاض دخله الشهري بعد صدور حكم نفقة ابنه علي تولد (۲۰۲۲) لأنه ان اثبت ذلك إجابة دعواه بانقاص النفقة المحكوم بها عملاً بحكم المادة (۱۰۱) من مدونة الاحكام الشرعية وحيث ان المحكمة حسمت الدعوى دون مراعاة ما تقدم مما اخل بصحة الحكم المميز لذا قرر نقضه وإعادة الدعوى الى محكمتها لاتباع ما تقدم على ان يبقى رسم التمييز تابعاً للنتيجة وصدر القرار بالاتفاق في ٢٥ / ربيع الأول / ١٤٤٨ هـ الموافق ٢٠٢٦/٩/٧ م ).
كانت محاكم الاحوال الشخصية في العراق لا تجيز اقامة دعاوى من قبل الآباء للمطالبة بانقاص نفقاتهم الملزمين بها على ابنائهم بموجب احكام قضائية سابقة مستندة في ذلك الى (قرار جواز زيادة نفقة الاولاد ونفقة العدة) رقم ١٠٠٠ الصادر عن مجلس قيادة الثورة المنحل والمنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد ( 2960) بتاريخ 26-09-1983 والذي اشار في المادة( 1) منه ( تجوز زيادة نفقة الاولاد، كما تجوز زيادة نفقة العدة ما دامت المطلقة في عدتها، وذلك تبعا لتغير الاحوال. وتعتبر زيادة موارد المكلف بالنفقة سببا من اسباب زيادتها) ونفذ بموجب المادة 2 منه (ينفذ هذا القرار من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية).
واصدرت محكمة التمييز العراقية الاف القرارات بهذا الخصوص مفادها تأييد رد دعوى الاب من قبل محكمة الاحوال الشخصية لأن المشرع العراقي بموجب قرار مجلس قيادة الثورة رقم ١٠٠٠لسنة ١٩٨٣النافذ .
حتى سلك بعض الاباء ومن خلال وكلائهم من المحامين الى اقامة دعوى للطعن بعدم دستورية قرار مجلس قيادة الثورة رقم ١٠٠٠ لسنة ١٩٨٣ كونه هو العائق امام قبول دعاوى المطالبة بانقاص نفقاتهم على ابنائهم فأقيمت الدعوى ( ٣٣/ اتحادية / ۲۰۲۲) والتي قررت محكمة الاتحادية ردها ولكن اوردت تفسير لقرار مجلس قيادة الثورة في حيثيات قرارها الدستوري جاء فيه ( يجب أن تقوم المحكمة بالموازنة بين الحكم بعدم دستورية النص وما يترتب عليه من الإخلال بمصالح الأفراد وبين تطبيق التفسير المنشئ لتجنب الحكم بعدم دستوريته وما يترتب على ذلك من مراعاة المصالح المخاطبين به، ومن خلال مطالعة قانون الأحوال الشخصية رقم (۱۸۸) السنة ١٩٥٩ المعدل وتعديلاته ووفقاً لما ذهبت إليه القرارات القضائية من أن القرار المطعون فيه هو النص الوحيد الذي يجيز الحكم بزيادة نفقة الأولاد عند تحسن الحالة المالية للأب أو تبدل الحالة الاقتصادية للبلد أو زيادة متطلبات إنفاق الأولاد يتقدمهم في العمر والدراسة مما يترتب على الحكم بعدم دستوريته عدم وجود أي نص آخر يجيز زيادة نفقة الأولاد مما يشكل إخلالا جسيما بالمصالح التي استهدف المشرع حمايتها عند تشريعه الأمر الذي يرجح الكفة بالذهاب إلى إعمال قاعدة التفسير الدستوري المنشئ للنص المذكور إذ تجد هذه المحكمة أن النص المطعون
فيه لا يمنع من إنقاص نفقة الأولاد عند إقامة الدعوى بذلك ويعتبر التغيير السلبي بموارد المكلف بها سبباً لانقاصها مثلما يكون التغيير الايجابي في تلك الموارد سبباً لزيادتها ، وأن هذا التفسير ينسجم مع أحكام المادة (١٤) من دستور جمهورية العراق لسنة ۲۰۰۵ التي تنص على (العراقيون متساوون أمام القانون...) وكذلك المادة (۲۹/ (أولاً) منه التي اعتبرت الأسرة أساس المجتمع وكذلك البند (ثانياً) من ذات المادة الذي وازن بين حقوق الأولاد على والديهم في التربية والرعاية والتعليم وحق الوالدين على أولادهم في الاحترام والرعاية ولاسيما في حالات العوز والعجز والشيخوخة، كما أن هذا التفسير ينسجم مع أحكام المادة (الأولى (۲) من قانون الأحوال الشخصية رقم (۱۸۸) لسنة ۱۹۵۹ المعدل التي نصت على إذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه فيحكم بمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية الأكثر ملائمة لنصوص هذا القانون ( ولعدم وجود نص في قانون الأحوال الشخصية يعالج حالات إعسار الأب أو فقدان مقدرته على الكسب بعد الحكم عليه بالنفقة لأولاده على خلاف ما هو عليه الحال بالنسبة لنفقة الزوجة على زوجها التي أجازت المادة ن زوجها التي أجازت المادة الثامنة والعشرون) من قانون الأحوال الشخصية زيادتها وإنقاصها بتبدل حالة الزوجين المالية وأسعار البلد مما يستوجب الذهاب إلى أحكام الشريعة الإسلامية بخصوص جواز إنقاص نفقة الأولاد والتي يتفق جميع فقهائها على تفسير قوله تعالى لينفق ذو سعة من سعته من أنها تعني أن ينفق الزوج على زوجته أو الوالد على أولاده وفقاً لفقره وغناه فينفق الغني من غناه ولا ينفق نفقة الفقراء، ومن قدر عليه رزقه أي ضيق عليه فلينفق مما أتاه الله أي بحسب قدرته، إذ أن تفسير النص المطعون فيه على هذا النحو يوفق بين أحكامه وبين حكم الشريعة الإسلامية الغراء لأن الله تعالى ما شرع حكماً إلا لتحقيق مصالح العباد وأن المصلحة التي تعارض النصوص القرآنية لا تعتبر مصلحة حقيقية، كما أنه وإعمالاً لمبدأ تكامل النصوص وترابطها عند التفسير فأن هذا التفسير ينسجم مع نص المادة التاسعة والخمسون من قانون الأحوال الشخصية التي أوجبت أن تكون نفقة الولد الذي لا مال له على أبيه بشرط أن لا يكون الأب فقيراً أو عاجزا عن الإنفاق والكسب، أي أن وجوب النفقة من حيث الأصل مقترناً بشرط أن لا يكون الأب فقيرا ليس لديه ما يسد حاجته أو عاجزاً عن الكسب والإنفاق لسبب خارج عن إرادته. من
كل ما تقدم فإن هذه المحكمة تجد أن مفهوم قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (١٠٠٠) لسنة ۱۹۸۳ لم يتضمن ما يمنع من إنقاص نفقة الأولاد عند توافر الشروط الشرعية والقانونية لذلك وبالتالي فإن النص المذكور لم يكن مخالفاً لأحكام الإسلام ولم يتعارض مع ثوابت أحكامه وفقاً لما ورد في نص المادة (۲) (أولاً) و (۲) (أولاً/أ) من دستور جمهورية العراق لسنة ٢٠٠٥ وأن المحكمة الاتحادية العليا إذا ما خلصت إلى تفسير معين لمضمون نص تشريعي وانتهت بذلك إلى رفض الطعون الدستورية التي وجهت إليه فإن هذا التفسير يكون هو الدعامة التي قام عليها هذا الحكم لتمتد إليه، ولا يجوز بعد ذلك لأية سلطة أو جهة أعطاء معنى مغاير للنص يتجاوز أو يخالف الإطار الذي أوضحته هذه المحكمة في تفسيرها. لكل ما تقدم قررت المحكمة الاتحادية العليا الحكم برد دعوى المدعي .. وصدر القرار بالاتفاق استناداً إلى أحكام المادتين (۹۳) / أولاً) و (٤(٩) من دستور جمهورية العراق لسنة ۲۰۰۵ والمادتين (٤) أولاً و (٥) (ثانياً) من قانون المحكمة الاتحادية العليا رقم (۳۰) لسنة ۲۰۰۵ المعدل بالقانون رقم (٢٥) لسنة ٢٠٢١ حكماً باتاً وملزماً للسلطات كافة ).
مما يعني أن المحكمة الاتحادية اكتفت بتفسير قرار مجلس قيادة الثورة المنحل دون ان تقضي بعدم دستوريته ، لذا فأن الهيئة العامة المحكمة التمييز الاتحادية بموجب قرارها المرقم (١٤) الذي جاء بناء على طعن مدعي بدعوى انقاص نفقة اطفاله وقد ردت دعواه فطعن بها تمييزاً طالباً نقضها وقد احتج بما جاء بالتفسير الصادر من المحكمة الاتحادية العليا للقرار الذي ذكرناه انفا فقررت الهيئة العامة لمحكمة التمييز في قرارها (بأن وجهة النظر التي تمسك بها
المميز جدل في غير محله إذ تجد هذه المحكمة أن موضوع تفسير النص القانوني يدخل من صميم عمل المحكمة التي تنظر النزاع المعروض امامها وهو اجتهاد قضائي يصدر من المحكمة بدون أي قيد من السلطات الاخرى والهدف منه تحديد بدقة معنى النص القانوني ومدى فاعليته بالتطبيق على الوقائع المختلفة وذلك عندما يحتاج النص القانوني للتوضيح بسبب الغموض الذي يكتنفه والتفسير القضائي يعتبر من أهم مظاهر استقلال القضاء والقضاة في عملهم إن لا سلطان ولا تأثير عليهم من أي جهة حتى لو كانت قضائية عند تصديهم لتفسير النص القانوني وتتصدى محكمة الموضوع لتفسير النص القانوني ومدى انطباقه من عدمه على الواقعة المعروضة امامها المراد الفصل فيها ويبقى صحة هذا التفسير للنص القانوني من عدمه خاضعاً لرقابة محكمة التمييز الاتحادية باعتبارها أعلى هيئة قضائية في سلم النظام القضائي العراقي وذلك استناداً لصراحة نص المادة (۱۲) من قانون التنظيم القضائي والتي لها أيضا التصدي من تلقاء نفسها لتفسير النص القانوني الواجب التطبيق من عدمه على موضوع الدعوى المعروضة امامها ، وما يصدق على محكمة التمييز الاتحادية يصدق ايضاً على بقية المحاكم التي تتولى الرقابة والتدقيق على صحة القرارات والأحكام القضائية والتي منحها القانون الصفة التمييزية وبالنتيجة فأن لجميع المحاكم صلاحية التصدي لتفسير النص القانوني ومن هذه المحاكم المحكمة الاتحادية العليا التي لها الحق في تفسير القانون المطعون بعدم دستوريته امامها أثناء نظرها الدعوى الدستورية للبت بدستوريته من عدمه إلا إن هذا التفسير للنص القانوني لا يقيد بقية المحاكم فلها مطلق الصلاحية في تفسيرها للنص القانوني المطعون بعدم دستوريته وبما يخالف وجهة نظر المحكمة الاتحادية في تفسيرها للنص القانوني ذاته أو يتفق معها ، ولان المحكمة الاتحادية العليا قد اكدت بموجب قرارها على دستورية القرار (۱۰۰۰) لسنة (۱۹۸۳) وبالتالي يعتبر نافذ وواجب التطبيق لكن يبقى تفسير مضمونه من مهام محكمة الاحوال الشخصية). حتى صدرت مدونة الاحكام الشرعية في مسائل الاحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري وتعد ملحقا بالقانون رقم (1) لسنة 2025 قانون تعديل قانون الاحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959 ونشرت في جريدة الوقائع العراقية بالعدد ( 4843) لعام ٢٠٢٥ ، فأجازت محكمة التمييز العراقية قبول دعاوى انقاص نفقات الاباء على ابنائهم امام محاكم الاحوال الشخصية واوردنا القرار التمييزي الذي كتبنا هذه الرحلة القضائية والقانونية بسببه حتى يكون القارئ على دراية تامة بما حصل وكيف حصل.
اخيرا حتى يكون واضح امام القارئ حتى غير المتخصص ، مجلس قيادة الثورة المنحل الذي كان الجهة التشريعية الاساسية قبل عام ٢٠٠٣ لا يجيز انقاص نفقة الاطفال مطلقا حتى وان تغير الوضع الاقتصادي للأب لأنه يرى ان حاجات الابناء في ازدياد دائما ، اما مدونة الاحكام الجعفرية الصادرة عن المجلس العلمي في الوقف الشيعي فتجيز ذلك وهذا ما استفادته محكمة التمييز من حكم المادة 101 من مدونة الاحكام الجعفرية التي تنص على (يثبت للأبوين حق اﻹنفاق على ابنهما - ذكرا كان او انثى -، كما يثبت للولد – ذكرا كان او انثى – حق اﻹنفاق على ابيه- ويشترط في ثبوته قدرة المنفق عليه، فلا يثبت حق اﻹنفاق على المعسر الذي ﻻ يتيسر له تامين ما يزيد على نفقة نفسه وزوجته).
#وليد_عبدالحسين_جبر (هاشتاغ)
Waleed#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟