وليد عبدالحسين جبر
محامي امام جميع المحاكم العراقية وكاتب في العديد من الصحف والمواقع ومؤلف لعدد من
(Waleed)
الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 21:39
المحور:
دراسات وابحاث قانونية
قبل أن أشير إلى قرارين تمييزيين صدرا عن محكمة التمييز العراقية حديثًا حول هذا الموضوع، وأصبحا مثار جدل في الأوساط القانونية، لا بد لي أن أعرِّج باختصار على مسألة تقويم مهر الزوجة المؤجل بالذهب والسند القانوني لذلك.
فيجب ان أوضح للقارئ الكريم ماذا نعني بتقويم المهر المؤجل بالذهب واستنادا لأي قانون وما الغاية من ذلك؟
كثير من المطلقات ونتيجة تغير اسعار السوق في العراق وتغير القوة الشرائية للعملة العراقية بحيث اصبح مهر المطلقة المحدد في عقد الزواج لا يعادل أية قيمة وقت المطالبة به ، مما ادى الى ان يقدم المشرع العراقي واستنادا الى قرار مجلس قيادة الثورة رقم 127 لسنة 1999، المنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (3785) بتاريخ :02-08-1999 بخصوص (استيفاء المرأة مهرها المؤجل مقوما بالذهب بتاريخ عقد الزواج) جاء فيه :
استنادا الى احكام الفقرة ( ا ) من المادة الثانية والاربعين من الدستور ،(قرر مجلس قيادة الثورة ما يأتي:
اولا – تستوفي المرأة مهرها المؤجل ، في حالة الطلاق ، مقوما بالذهب بتاريخ عقد الزواج.
ثانيا – ينفذ هذا القرار من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية.)
فوفقا لهذا القانون لا يجوز للزوجة المطالبة بمهرها مقوما بالذهب الاّ عند طلاقها فقط .
بعد صدور قانون تعديل قانون الاحوال الشخصية رقم ١ لسنة ٢٠٢٥ وصدور مدونة الاحكام الجعفرية وفقا له ، ثار نزاع فقهي وجدل قانوني حول مدى بقاء هذا الحق للمطلقة بعد تطبيق مدونة الاحكام الجعفرية على عقد زواجها مع طليقها ، خاصة وان مدونة الاحكام الجعفرية لم تشير الى حكم ذلك ، فيكون المرجع في هكذا مسائل مفاتحة المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي استنادا الى
المادة( 335) من المدونة ( يرجع في كل ما لم يرد فيه نص في هذه المدونة الى المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي ﻹجابة المحاكم المختصة على اي استفسار يتعلق بأحكام اﻻحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري).
وبالفعل حصلت مطالبات من مطلقات لتقييم مهرها المؤجل بالذهب خاصة التي عقود زواجها مبرمة منذ فترات طويلة ، بحيث اصبحت مهورهن لا تكفي لشراء وجبة غذاء الان!
ووفقا لقيام محاكم الاحوال الشخصية بمفاتحة المجلس العلمي لمعرفة الرأي الفقهي الجعفري في هكذا مسألة ، صدرت لدينا عدة احكام ، بعضها اجازت تقويم المهر المؤجل بالذهب ، والبعض الاخر لم تجز ، والسبب الرأي الفقهي الجعفري في هذه المسألة ، الذي سنورده وفقا لما جاء بأجابة المجلس العلمي ، ولكن قبل ذلك نورد لكم قرارين تمييزين يتعلقان بهكذا امر ، الاول أيد تقويم المهر المؤجل بالذهب والاخر رفض ذلك .
ففي قرار تمييزي حذف ناشره العدد الخاص به صادر في ٣٠/ ٨ / ٢٠٢٦ أيدت محكمة التمييز تقويم المهر المؤجل بالذهب رغم تطبيق مدونة الاحكام الجعفرية على طرفي الدعوى إذ جاء في حيثيات القرار:
(ادعت المدعية لدى محكمة الأحوال الشخصية في ... ان المدعى عليها مطلقها وكان متعسف في طلاقها لذا طلبت دعوته للمرافعة وإلزامه بتأديته لها نفقة عدة وتعويضاً عن الطلاق التعسفي ومهرها المؤجل البالغ ثلاثة الاف دينار مقوماً بالذهب وتحميله الرسوم والمصاريف واتعاب المحاماة تم صرف النظر عن المطالبة بنفقه العدة أصدرت محكمة الموضوع بعدد حكما حضوريا يقضي بالزام المدعى عليه بتأديته للمدعية مبلغ مقداره (سبعه عشر مليون ومائتان وخمسة وخمسون الف دينار) بما يعادل نصف مهرها المؤجل الثابت في عقد الزواج الصادر من المحكمة أعلاه بالعدد ١٩٨٤ والبالغ ثلاثة الاف دينار ورد دعوى المدعية بخصوص المطالبة بالتعويض عن الطلاق التعسفي وتحميل الطرفين الرسوم والمصاريف النسبية واتعاب المحاماة طعن المدعى عليه بالحكم تمييزاً بعريضة وكيلته المؤرخة في ٢٠٢٦/٨/١٣ .
القرار:
لدى التدقيق والمداولة وجد أن الطعن التمييزي واقع ضمن المدة القانونية لذا قرر قبوله شكلاً ولدى عطف النظر على الحكم المميز وجد انه صحيح وموافق للشرع والقانون للأسباب والحيثيات التي استند اليها إذ راعت المحكمة في حكمها المميز رأي المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي بكتابة المرقم (۱۸۸) في ٢٠٢٦/٥/٧ تطبيقاً لأحكام المادة (٣٣٥) من مدونة الاحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري . لذا قرر تصديقه ورد الطعون التمييزية وتحميل المميز رسم التمييز وصدر القرار بالاتفاق في ١٧ ربيع الأول / ١٤٤٨هـ الموافق ٢٠٢٦/٨/٣٠م.
اما في القرار المرقم ( ١٧٥٨٤) بتاريخ ( ٣١/ ٨ / ٢٠٢٦ ) رفضت محكمة التمييز تقويم المهر المؤجل بالذهب ، حيث جاء في حيثيات القرار:
(المميز المدعى عليه / :
المميز عليها / المدعية /
ادعت المدعية لدى محكمة الأحوال الشخصية في الامام بان المدعى عليه مطلقها ولها بذمته مهرها المؤجل والبالغ ومليون وخمسمائة الف دينار) تستحق عند المطالبة والميسرة لذا طلبت دعوته للمرافعة والحكم بإلزامه بتسديد مهرها المؤجل أعلاه مقوماً بالذهب وتحميله الرسوم والمصاريف والاتعاب أصدرت محكمة الموضوع بعدد ١٤٤ / ش / ٢٠٢٦ في ۲۰۲٦/٧/١٥ حكما حضوريا يقضي بالزام المدعى عليه بتأديته للمدعية مهرها المؤجل مقوماً بالذهب مبلغاً مقداره سته عشر مليون وأربعمائة وثلاثة وتسعون الف دينار) وهو مهرها المؤجل الثابت في عقد الزواج المرقم ١٠٦١ في ۲۰۰٤/٩/٣٠ الصادر من محكمة الأحوال الشخصية في المحاويل وتحميله الرسوم والمصاريف والاتعاب طعن وكيل المدعى عليه بالحكم تمييزاً بعريضته المؤرخة في ٢٠٢٦/٨/١٣.
القرار:
لدى التدقيق والمداولة وجد أن الطعن التمييزي واقع ضمن المدة القانونية لذا قرر قبوله شكلاً ولدى عطف النظر على الحكم المميز وجد انه غير صحيح ومخالف لأحكام الشرع والقانون لثبوت تطبيق احكام الذهب الشيعي الجعفري على المتداعين بموجب حجة تأييد اختيار المذهب المذكور وإن إجابات المجلس العلمي في دعاوى مماثلة عدم استحقاق الزوجة المهر المؤجل مقوم بالذهب وتكون الدعوى فاقدة لسندها القانوني وواجبة الرد وحيث ان المحكمة أصدرت حكمها المميز دون مراعاة ما تقدم مما اخل بصحته, لذا قرر نقضه وإعادة الدعوى الى محكمتها لاتباع ما تقدم على ان يبقى رسم التمييز تابعاً للنتيجة وصدر القرار بالاتفاق في ١٨ / ربيع الأول / ١٤٤٨هـ الموافق ٢٠٢٦/٨/٣١م.).
وسبب هذا الخلاف في هذه المسألة راجع كما اشرنا الى موقف المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي من هذه المسألة استنادا لرأي علماء المذهب الجعفري. فالمجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي، كان واضح في اجاباته التي يستند فيها على فتوى سماحة السيد علي السيستاني دام ظله، من أن تقويم المهر المؤجل بالذهب ليس خاصًا بالمرأة المطلقة، بل كل مهر مؤجل يقوم بالذهب متى ما كانت ماليته الحالية غير معتدّ بها، ذلك أن المهر المؤجل في حقيقته دين في ذمة الزوج، والاستفتاء الوارد عن مكتب سماحته يتحدث عن "الدَّين" بصورة مطلقة، من دون تفريق بين كون الزوجة مطلقة أو أرملة أو ما زالت في عصمة زوجها. فالعبرة بتحقق موضوع المسألة (تراجع القيمة الشرائية للمبلغ)، لا بالحالة الاجتماعية للمرأة.
و بالتالي حسب إجابة المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي، واستنادًا إلى التفصيل الوارد في الاستفتاء الصادر من مكتب سماحة المرجع الأعلى دام ظله، إذا فقد المهر المؤجل جزءًا كبيرًا من ماليته بمرور الزمن، بحيث لا تكون قيمته الحالية معتدًا بها قياسًا إلى ماليته وقت ثبوته، فقد يتعين احتياطاً وجوبياً بالتصالح بأداء ما يقارب نصف قيمة المبلغ حالياً بعد تقويمه بالذهب.
أما إذا كانت مالية المبلغ الحالية لا تزال معتدًا بها، كأن تبلغ عشرين بالمئة أو أكثر من ماليته السابقة، فيجزي أداء مثل المبلغ دون زيادة.
وهذا ما جاء في اجابة المجلس العلمي في محضر اجتماع المجلس العلمي رقم (١٩٥) لسنة ٢٠٢٦:
م اجراءات (بيان راي)
(لا يقوم المهر المؤجل بالذهب إلا في بعض الحالات يقوم بنسبة معينة، كبعض الديون كما في التفصيل الوارد في الاستفتاء الصادر من مكتب سماحة المرجع الأعلى . دام ظله . والذي نصه :
إذا كان شخص مديناً لأحد بمبلغ من النقود في الزمان السابق ويروم تسديده حالياً بعد مضي فترة طويلة.
فإذا لم يكن مالية ذلك المبلغ في الوقت الحاضر معتدا بها بالقياس إلى ماليته في ذلك الزمان ولو بعد احتسابه بالقيمة المجعولة له قانوناً قبيل السقوط عن الاعتبار كخمسة بالمائة مثلاً، كما لو كان مديناً بعشرة دنانير وكانت العشرة في حينها تعادل خمسين غراماً من الذهب وفي وقت الأداء تعادل ثلاثة غرامات مثلاً، فإن الأحوط وجوباً في مثل ذلك التصالح بأداء ما يقارب نصف قيمة المبلغ حالياً بالقياس إلى الأسعار السائدة فيما يتعارف تقويم المالية به كالذهب.
وأما إذا كانت مالية المبلغ الفعلية بالقياس إلى ماليته السابقة معتداً بها كعشرين بالمائة أو أكثر فإنه يجري أداء مثل المبلغ دون زيادة)
فالنتيجة اذن وازاء تطبيق مدونة الاحكام الجعفرية على عقد الزواج لا يمكن إطلاق القول بأن المهر المؤجل للمطلقة وحدها يقوم بالذهب، وانما حتى الزوجة التي ما زالت في عصمة زوجها يجوز لها ذلك ولكن ليس كل المهور المؤجلة تقوم بالذهب، وانما فقط التي فقدت قيمتها نتيجة قدمها الزمني فالأمر يختلف الأمر بحسب تحقق الضوابط الشرعية، وهذا ادى الى اختلاف قرارات القضاء العراقي تبعا لذلك ، فلا يتصور احد ان هناك تذبذب قضائي حول المسألة وانما تطبيق صحيح مستند الى احكام مدونة الاحكام الجعفرية والرأي الجعفري حول هكذا مسألة ، ترمي الى تحقيق العدالة والتوازن بين الزوجين دون اثراء لأحد على الاخر ، فلا جواز لمن كان مهرها ما زال محتفظ بقيمته المالية ويجوز لمن اصبح مهرها لا يكفيها شراء وجبة طعام!
#وليد_عبدالحسين_جبر (هاشتاغ)
Waleed#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟